النسخة التجريبية   

سوق الشعر والمفاخرة.. لمحة تاريخية

مشاهدات: 387 2017/07/16 تعليق: 0

عكاظ.. اسم سوق للعرب بناحية مكة، كانوا يجتمعون به في كل سنة فيقيمون شهرًا ويتبايعون ويتناشدون شعرًا ويتفاخرون.

حماد الحمدان

قديمًا.. قبل الإسلام كان للعرب في الجزيرة العربية أسواقهم الموسمية التي يرتادونها متزامنة مع موسم الحج إلى بيت الله الحرام في مكة. فكان سوق ذي المجاز، وسوق مجنة وسوق عكاظ، حيث تعد هذه الأسواق الثلاثة من أكبر أسواق العرب وأشهرها قديمًا، أي قبل أكثر من 1500 سنة.

 

 

ما يميز هذه الأسواق أنها ليست مقتصرة على البضائع المادية التي تعرض للبيع مثل السمن، والعسل، والأردية، والإبل، والماشية، وكل المقتنيات، والحاجات المستخدمة في ذلك الزمن، بل كان ما يميزها أنها سوق رائجة للأدب وللمعرفة والتعارف، وأحيانًا للتفاخر والتنازع.

 

أسواق العرب القديمة كانت كوسائل الإعلام في عصرنا الحاضر، وإليه تشد الرحال، فيقف الخطباء على نشز من الأرض فيها، كذلك الشعراء، ولقد قصد الرسول، صلى الله عليه وسلم، هذه الأسواق ليبلغ رسالته.

سوق عكاظ

هو من أشهر أسواق العرب في الجاهلية، وأطولها مدة، حيث كان الناس يأتونه من أول شهر ذي القعدة ويمكثون فيه لمدة عشرين يومًا، ثم يسيرون إلى سوق مجنة، وفيه يمكثون لمدة عشرة أيام، بعدها سوق ذي المجاز، حيث لا تتجاوز أيامهم فيه الثمانية بعدها يتجهون إلى حجهم في مكة المكرمة. وسمي السوق بعكاظ نسبة إلى التعاكظ، أي التفاخر. و قد أورد الخليل بن أحمد أن كلمة عكاظ في اللغة قوله: «.. وسُمّي به لأن العرب كانت تجتمع فيه كل سنة فيعكظ بعضهم بعضًا بالمفاخرة والتناشد: أي يُدعك ويُعرك، وفلان يعكظ خصمه بالخصومة: يمعكه».

 

ويقول ابن دريد: «عكظت الرجل أعكظه عكظًا إذا رددت عليه وقهرته بحجتك، وعكاظ بهذا سُمّي، وهو مواضع لمواسم العرب كانوا يتعاكظون فيه بالفخر». وقد قيل حول سبب التسمية عدد من الآراء.. لكن يظل عكاظ علامة تاريخية فارقة في حياة العرب، حيث وثق أدبهم، وبعض حروبهم وخلافاتهم، ومصالحاتهم أيضًا. فكان هو السوق الذي يجتمع فيه العرب على اختلاف قبائلهم ومشاربهم.. لقد كان سوقًا للعرب جميعهم.

 

لقد حدثت في سوق عكاظ على مر الزمن الجاهلي أحداث مهيبة حفظها التاريخ بدءًا من القصائد الحوليات (المعلقات)، والخطب، وبعض النزاعات مثل (حروب الفجار).

 

منطقة مكة.. الطائف

كان مكان السوق موضعًا بين وادي نخلة، وحاضرة الطائف وراء قرن المنازل. وكان بينه وبين الطائف مسيرة ليلة واحدة، أما ما بين سوق عكاظ ومكة فكان مسيرة ثلاث ليال. وعكاظ له مواقع كثيرة في هذه الناحية منه مثل: قرية العبلاء وهي ذات صخور بيضاء، وشمطة وهو موضع لم يعد معروفًا الآن، وشرب وهو أحد الأودية الصغيرة. أما اليوم فتم تحديد موقع سوق عكاظ، فقد استدل المؤرخون على موقع السوق بما لديهم من قرائن ودلائل تاريخية إلى موقع السوق في الزمن الماضي وهو يقع شمال شرقي مدينة الطائف بمقدار 40 كيلو مترًا تجاه العاصمة الرياض، وتحديدًا في منطقة العرفاء.

الخيمة الحمراء

النابغة الذبياني أحد شعراء المعلقات، كان من أهم الشعراء الذين يرتادون سوق عكاظ كل موسم، وكان تُنصب له خيمة حمراء من أدم فيأتي إليه الشعراء ويعرضون عليه قصائدهم، حيث كان رئيسًا لسوق عكاظ في الشعر، وبمنزلة الناقد في ذلك الزمن، كيف لا وهو النابغة الذي نبغ بالشعر دفعة واحدة، وهو صاحب المعلقة العاشرة التي يقول مطلعها:

 

يا دارَ ميةَ بالعلياءِ، فالسندِ       أقوتُ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ

يقول الأصمعي: «كان النابغة يضرب له قبة حمراء من أدم بسوق عكاظ، فيأتيه الشعراء فيعرضون عليه أشعارهم».
من هنا يبرز لنا ملمح ثقافي مهم من ملامح سوق عكاظ، حيث صناعة الشعر والاحتفاء به. لقد كان بعض الشعراء يترددون على النابغة من حول إلى حول حاملين قصائدهم إليه إلى أن تستقيم. فالخيمة الحمراء جزء من ملامح ذلك السوق التاريخي الأدبي.

قس بن ساعدة في عكاظ

قس بن ساعدة الأيادي خطيب العرب، ومن خطباء إياد توفي قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة، وقال عنه الرسول، صلى الله عليه وسلم، كما روى الطبري: «رحم الله قسًا! إنه كان على دين أبي اسماعيل بن إبراهيم». وبحسب ما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه رآه قبيل البعثة:«رأيته بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: أيها الناس، اسمعوا وعوا. من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت...». وله خطبة جاء فيها: «آيات محكمات، مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت. ضوء وظلام، وبر وآثام، ولباس ومركب، ومطعم ومشرب. ونجوم تمور، وبحور لا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، وليل داج، وسماء ذات أبراج. مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون. أرضوا فأقاموا أم تركوا فناموا».

رثاء صخر في عكاظ

من أشهر قصائد الرثاء قصيدة الخنساء في أخيها صخر التي تقول في مطلعها: 

 

قذى بعينِك أمْ بالعينِ عوارُ         أم أقفرتْ إذا خلتْ من أهلِها الدارُ

 

ولقد أنشدت هذه القصيدة في أحد مواسم سوق عكاظ في خيمة النابغة، فطارت بها الركبان وأصبح اسم الخنساء كشاعرة على كل لسان. ولقد كان للخنساء حضور مميز في ذلك السوق. فكانت تتجادل مع الشعراء في الشعر، ولقد كان بينها وبين شاعر الرسول، صلى الله عليه وسلم، حسان بن ثابت مجادلات في خيمة النابغة الذبياني الذي قال بعد أن استمع لقصيدتها: «لولا أن الأعشى أنشد قبلك، لفضّلتك على شعراء هذه السنة». فغضب حسان بن ثابت وقال: أنا أشعر منك و منها... فكانت المجادلة بين الخنساء وحسان.. حيث أثبتت أنها أقدر منه في الصور والتراكيب، واستخدام المفردات للدلالات. 



التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview