النسخة التجريبية   

تاروت.. كنز أثري وسوق سياحي

مشاهدات: 4000 2015/06/17 تعليق: 0

الوقوف على تل قلعة تاروت الأثري لا يعني الإطلال من مكان مرتفع وحسب، بل هو فرصة لتأمل أحد مراكز حضارة ديلمون التي تعود إلى الألف الرابع قبل الميلاد لتنضم إلى كنوز الحضارة المخزونة في أرض المملكة العربية السعودية. وحضارة ديلمون لعبت دورًا تجاريًا مهمًا في الربط بين حضارة بلاد ما بين النهرين وحضارة الهند القديمة وشرق أفريقيا. 

كتابة: راجح العلي
تصوير: نايف الضامن

إننا فوق كنز من الآثار، ذلك أن تاروت لا تزال مأهولة بالسكان منذ خمسة آلاف عام وحتى الآن، وليست موقعًا أثريًا للتنقيب، إنها تاروت اللغز الذي لم يحل رغم الأبحاث والدراسات التي افتتحها منذ ستينيات القرن العشرين، مكتشف حضارة ديلمون العالم الإنجليزي جيوفري بيبي، الذي قال عن ديلمون: «بدت لي تاروت أنها ليست مجرد أقدم منطقة في المملكة العربية السعودية وإنما أقدم موقع لمدينة في الخليج العربي. لقد أمضينا وقتًا مرهقًا في معرفتنا بأن هناك موقعًا واحدًا فقط يمكن أن نتتبع قرون التاريخ المفقودة من خلاله وذلك الموقع هو تل تاروت» الذي نقف عليه الآن!


قلعة تاروت

 الأثر الوحيد الدال على تاريخ المكان وعراقته وامتداده الضارب في أعماق التاريخ، قلعة تاروت، أو كما يسميها الأهالي (القصر). يخبرنا الباحث السعودي سلمان رامس بأن هذه القلعة الواقعة في الحي الشمالي الغربي من حي الديرة، قد شيدت فوق أنقاض أساسات مبان قديمة تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، إذ يمكن للزائر أن يشاهد تحت أساسات القلعة مجموعة أحجار  كبيرة متراصة بشكل منتظم تمثل مبنى أقدم. يقع إلى جوار هذا المبنى نبع ماء عميق  يتصل بقناة تؤدي إلى بركة حجرية مكشوفة، ما حدا ببعضهم أن يرجح أن هذا المبنى ربما كان هيكلاً لعشتاروت الشهيرة في الحضارة السومرية التي اشتق اسم مدينة تاروت منها قبل أن يختصر الاسم، كما يشير رامس، وهو يستند إلى رأي الباحث العراقي جواد علي في موسوعته (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، الذي ذكر تاروت معرفًا بأنها «جزيرة صغيرة تقع في خليج كيبوس والظاهر أنها (Taro) التي وردت في جغرافية العالم الإغريقي بطليموس (المئة الميلادية الأولى). هذه إذًا القلعة التي نلامس جدرانها الطينية ونتجول بجوارها حيث ما تبقى من أبنية قديمة ذات الطراز المعماري الخليجي التراثي المعروف، هناك يروي الأهالي عن عشرات القطع الأثرية التي وجدوها وعثرت عليها أيضًا بعثات تنقيب الآثار منذ البعثة الدنماركية (1964) إلى آخر البحوث والتنقيبات المحلية، وفق ما يقول لنا سلمان رامس، ابن المدينة التي كتب حولها العديد من الدراسات المنشورة. في أجزاء متفرقة من جزيرة تاروت يقول صديقنا الباحث، تم العثور على مكتشفات أثرية نادرة كتماثيل وأوان فخارية وغيرها، ومنها تمثال من الحجر الجيري يحمل سمات التماثيل المميزة التي تنتمي للحضارة السومرية في الألف الرابع قبل الميلاد. إلى جانب مجموعة أوان فخارية من فخاريات فجر السلالات الأولى بين (2900-2750 ق.م) ومعظمها جاءت وفق الطراز الفخاري المستعمل في حضارة ما بين النهرين (العراق القديم).



آثار تاروت

نلتقي بصديق آخر من تاروت، يصحبنا بين أزقة حي الديرة، بعض الصور التي جاء بها لآثار عثرت عليها بعثات التنقيب في الجزيرة وبعضها الآخر عثر عليها الأهالي، وتضم صور لأوان وتماثيل يحتفظ بها المتحف الوطني وتشارك بها المملكة في معارضها الدولية كالمعرض السعودي التي عرض فيه تمثال الخادم العابد كأحد أبرز التماثيل الأثرية التي تؤكد عراقة تاريخ شرق المملكة العربية السعودية.  




القلعة البرتغالية

في تاروت لا يمكن الانفكاك من التاريخ حتى وأنت تقترب من القلعة تحاول دخولها والتعرف إلى أجزائها. تتسرب إليك مرويات التاريخ لقلعة ببناء شبه بيضاوي وسور خارجي دعم بأربعة أبراج مخروطية بقي منها البرجان الغربيان اللذان ينتصبان أمام زائري المدينة بشموخ وصمود واعتزاز رغم مرور خمسة قرون، حيث سجلت الوثائق الخطية البرتغالية أن القوات البرتغالية خلال احتلالها سواحل الخليج العربي، في القرن السادس عشر الميلادي، تمركزت في جزيرة تاروت وسارعت إلى ترميم القلعة في عام 1550 ميلادية، قبل أن يأتي العثمانيون ويحتلوها، إلا أن المؤكد أن القلعة تعود إلى زمن أبعد من احتلال البرتغاليين والعثمانيين، أي إلى الدولة العيونية حسب معاهدة شهيرة لأحد الزعماء العيونيين في القرن السابع الهجري وقد ذكر فيها قصر تاروت.



باعة التحف

خلال صعود التل الأثري وبجوار القلعة ستشعر بنبض الحياة في تاروت، حيث دكاكين باعة التحف والأواني والساعات والقطع النادرة، كما في دكان عبدالله دعبل، صاحب «الدلال» القديمة، الذي يحفظ أسماء أنواعها كالدلة البغدادية التي كانت تستورد من العراق، من قبل وجهاء الجزيرة لتقديم القهوة للضيوف، وكذلك مطاحن القهوة القديمة والدوافير، وبعض أجهزة الخياطة، والمجارش وبعض الأدوات التي تستخدم في عمل البحارة، كالموازين والسلال، والعديد من القطع القديمة لهواة جمعها، حيث يعمل عبدالله في دكان تشرف عليه هيئة السياحة والآثار من أجل تشجيع حركة السياحة في الجزيرة. 



الخبز و الشواء

كان وسط تاروت سوقًا عامرًا في زمن مضى، إلا أن ملامح هذا السوق لم تختف، حيث تنتشر بعض المقاهي والمطاعم بجوار قصر تاروت المطل علينا ونحن نجلس بصحبة أهالي الجزيرة وزوارها لتناول المشويات ولكن بالطريقة التاروتية الشعبية، حيث توضع أسياخ اللحم والدجاج في صحن بسيط، وتترك مهمة التقاط قطع اللحم للزبون، مع الحصول على الخبز من بائع الخبز القريب في أجواء تشعر الزائر بدفء المكان وحميميته.



مسلسلات سعودية

يتذكر أهالي وسط تاروت، قبل عشرين عامًا خلت، عندما صور التلفاز السعودي المسلسل الشرقاوي «حامض حلو» في دكان عطارة بزقاق مجاور للقلعة. المفارقة أن بائع الدكان كان موجودًا في المطعم القريب وهو يتسامر الحديث مع أصحابه، متذكرًا فنانين سعوديين كعلي السبع وإبراهيم جبر وغيرهما ممن شارك في المسلسل الذي ترك صدى لدى الجمهور السعودي.



جيوفري بيبي.. آخر

رحل جيوفري بيبي مؤلف كتاب (البحث عن مملكة ديلمون) ومكتشف عمق الحضارة في جزيرتي تاروت ومملكة البحرين، رحل بعد أن زار تاروت لأكثر من مرة منذ مطلع ستينيات القرن العشرين، حاول خلالها أن ينقب أكثر تحت التل الأثري بجزيرة تاروت، إلا أنه أخفق وكتب في يومياته ما يعبر عن تلك الحسرة، قائلاً: «وها نحن مرة أخرى في ديلمون، لم يكن هناك من شيء يمكن فعله». ثم يعود العالم الإنجليزي مرة ثالثة إلى تاروت ونزل إلى ينبوع الماء الذي يصفه بأنه المزود الأساس للماء في المدينة وهو أساس الاستيطان البشري لأكثر من أربعة آلاف عام. لكن مشكلة التنقيب بقيت ماثلة أمامه، فلم يتمكن من إتمام الحفر كون المنطقة مأهولة بالسكان، هكذا يغادر بيبي المكان حاملاً حسرته معه، وهو المكان الذي لا نزال نطل من تلته الأثرية، ويرى الأهالي والمهتمون أنه يستحق حقًا أن يعاد البحث والتنقيب في أسراره وألغازه وذلك ما تقوم به بعثة علمية سعودية تحت أشراف الهيئة العامة للسياحة والآثار، إنها تاروت، عمقنا الحضاري، يقول صديقنا الباحث مختتمًا حديثه وهو يستند إلى جدار القلعة العريقة: «هذه أقدم قلاع المنطقة الشرقية بلا شك، لكنها أيضًا أكبر لغز محيّر، لأن ما هو في طبقاتها السفلية أبعد من حكاية القلعة!». 


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview