النسخة التجريبية   

قلـعـة عيرف منصة المدفع

مشاهدات: 10079 2016/07/29 تعليق: 0

قلعة مبنية من الطين مهيبة تجسد صورة من صور الماضي. ترتفع شامخة فوق جبل عيرف الذي يتوسط مدينة حائل، في تناغم مبهج بين الطبيعة الخلابة والمباني العصرية التي تحيط بالجبل الصغير من جوانبه.


كتابة وتصوير: عبدالعزيز محمد العريفي

 

يذكرها بعض الأهالي في بيت من قصيدة طويلة للشاعر السوري أحمد درويشة أنشدها قبل ثلاثين عامًا عندما كان مدرسًا في المعهد العلمي بحائل، إذ فاضت قريحته في لحظة تجلٍّ عندما صعد إلى القلعة وجال ببصره نحو آفاق المدينة العريقة بمبانيها وأطلالها وأنشد قائلاً:

صعدت التل تل عويرف              فشاهدت دارتها كشبه الدرهم  

أجا وسلمى حارسان كلاهما           من عهد نوح كالنسور الحوم

زيارة القلعة

 

الإنسان تواق دائمًا لاستحضار القيم الزمانية والمكانية والاطلاع على الأثر، خصوصًا عندما ترتبط بموروثات ذات دلالات عميقة، ومجمل ذلك يعد موروثًا ثقافيًا تحرص كل دولة على العناية بموروثها الذي تتميز به. لذا كان لابد لنا من زيارة هذه القلعة.

في صبيحة يوم من أيام شهر أبريل، حيث كانت الشمس في حائل باردة ومشرقة، وبعد أن تناولنا طعام الإفطار في مطعم النزل الذي كنا نقيم فيه مع مجموعة من الإعلاميين، انطلقت القافلة بنا نحو قلعة عيرف التي تتوسط منطقة حائل القديمة.

حال وصولنا فوجئنا بمنظر غريب لجبل عيرف الذي يبلغ ارتفاعه 650 مترًا، وهو صغير نسبياً، سفحه ترابي، وتتربع فوق قمته القلعة، ويشرف الجبل على مدينة حائل من جهتها الجنوبية وأحداثيتها هي:

(درجة الطول 41.21.00 ودرجة العرض 27.34.00).

 

 يقال أن القلعة بنيت أولاً بالحجر قبيل عصر الإسلام وأتى عليها الزمن ليحيلها إلى أطلال لم يبق منها إلا الأساسات، ثم أعيد بناؤها مرات عدة بيد أنها آلت إلى المصير نفسه. وفي عهد حكم آل علي الذين حكموا حائل فيما بين القرن الثامن حتى القرن الثالث عشر الهجري أعيد بناؤها بجهود مضاعفة ورممت طوال حكمهم. وقد تم بناؤها بالحجر والطين المشغول بالبحص وأعواد التبن على النمط النجدي في البناء، وألحقت بها مبان أخرى، ووسعت في عهد آل رشيد الذين حكمو حائل فيما بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين. وفي العهد السعودي المجيد. وفي عام 1404هـ بالتحديد وبتكلفة ناهزت المليوني ريال عملت لها صيانة وترميم كبيران. أما الترميم الأخير الذي تم في عام 1422هـ فقد تكفلت به وكالة وزارة المعارف السعودية للآثار والمتاحف. والقلعة لا تختلف في أسلوب عمارتها وطرازها عن مثيلاتها من المباني التي بنيت لأغراض دفاعية في منطقة نجد خاصة والمنطقة الوسطى عامة.

 

 

الدخول إلى عيرف

 

قام المشرف على القلعة بفتح بوابتها للسياح، حيث ولجنا داخلها لتدهشنا روعة تكويناتها وتميز عمارتها، وكيف صيغت الصخور والطين عملاً فنيًا فائق الروعة.

بُنيت القلعة بشكل مستطيل متدرج لينسجم مع ارتفاعات الجبل وانخفاضاته، ويتكون من طابقين بطول 40 مترًا وعرض 11 مترًا. مسقوف بأخشاب الأثل وخوص النخل، مع أسطح مسورة وبرج دائري يزيد ارتفاعه على خمسة أمتار كلها زينت بالشرف المغلف بطبقة من الجبس وبكوات وفتحات مراقبة، فضلاً عن الأبواب الخشبية المزخرفة داخل المبنى. وتوسط القلعة مسجد ذو رواق واحد له خمسة أعمدة، وفناء صغير تستهويك تكويناته رغم بساطتها، وتشيع في روحك ذلك الحنين الغامض إلى ماض تجهل تفاصيله. ويضج في رأسك صدى صمت السنين في كل زاوية من زواياه وممراته. وعندما تنتهي بك تلك الممرات والأدراج إلى سطح القلعة، وتدغدغ وجنتيك نسائم الهواء العليل بعد أن تعطر بجبال أجا وسلمى، وتجول بناظريك يمنة ويسرة وتشاهد المدينة العتيقة والحداثة تزحف وتضيق عليها الخناق من شتى جهاتها في منظر يشد الأنفاس، عندها تغمرك سعادة تتشبث بك تشبث طفلة لا تريد أن تفارقك. 

 

قلعة عيرف من ضمن سبع قلاع تحيط بمدينة حائل كانت تستخدم لأغراض عسكرية ولمراقبة القوافل. وقد زارها كثير من المستشرقين عبر العصور أمثال المستشرق محمد أسد النمساوي الأصل صاحب كتاب «الطريق إلى مكة» الذي زار حائل في أوائل القرن الماضي، وحفيدة الشاعر بيرون الليدي آن بلنت الفنانة التشكيلية وصاحبة كتاب «حج إلى نجد ذائع الصيت». أما اليوم فلا زالت قلعة عيرف تعد معلمًا سياحيًا مهمًا، وأيقونة لحائل تستقطب السواح العرب وغير العرب بإشراف الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، كما أنها تستخدم في الوقت الراهن منصة لمدفع الإمساك والإفطار في شهر رمضان المبارك ولإعلان الأعياد، ما يزيد من مهابتها وشموخها. وتجري الاستعدادات الآن لتهيئة المنصة والمدفع لرمضان القادم 1438هـ.

 

 


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview