النسخة التجريبية   

مطار دارين وقهوة غراب

مشاهدات: 2624 2016/07/29 تعليق: 0

في القطيف شاهدان اجتماعيان: الأول مقهى غراب الذي ما زال حتى اليوم يفتح أبوابه للمرتادين. والآخر مطار دارين الذي وجهت هيئة السياحة والتراث الوطني بتأهيله، ليكون شاهدًا ماثلاً على قرن مضى.


القطيف – راجح العلي
عدسة أثير السادة

قهوة غراب.. حكاية تمتد من الماضي

 

بينما تكاد تتوارى جُلّ صور الحياة الشعبية أمام مد الحياة العصرية، تُصر «قهوة غراب» على الاحتفاظ بكامل مفردات الماضي دون تزيين أو ترميم. هذه «القهوة» التي تقع وسط مدينة القطيف ويمتد عمرها لأكثر من سبعين عامًا تعد فرصة نادرة ليس للتعرف فقط على نمط المقاهي القديمة، بل لعيشها كما كانت.

 

 أبو علي.. صاحب «القهوة» لا يزال منذ طفولته يعمل في خدمة الزبائن، إنها مهنة ورثها عن أبيه ولا يزال وفيًا لها. ليس هو الوفي فقط، بل زبائن «القهوة» اليوميين. بعض هؤلاء ممن التقيناهم يجلس في المكان منذ أكثر من خمسين سنة، ويقول: «لا يبدأ يومي دون القدوم إلى « قهوة غراب» حتى في المناسبات التي تضطر فيها «القهوة» إلى الإغلاق، أجيء إلى «القهوة» وأجد الأصدقاء وقد أحضروا معهم «دلة» الشاي والقهوة». هذه صورة واحدة من صور التعلق بالمكان الذي لا يبالي ببساطة شكله وإنما بالروح العبقة والحميمة التي تفيض منه. فزائر «قهوة غراب» سيشعر فورًا بالألفة والبساطة وهو يجلس بجوار كهلٍ لا يجيد سوى القص والحكي في المكان المجرد من كل وسائط التقنية، فلا تلفاز ولا مذياع ولا صحف. القصص المتجولة بين مرتادي «القهوة» هي مصدر المتعة الفريد. ولأن القصص لا تنفصل عن الشخصيات الراوية لها، فسنجد في هذا المكان، شخوصًا هي أقرب للشخصيات المتخيلة في الأدب الشعبي منها للواقع. رجلٌ يعتمر غترة عتيقة، يضع خواتم وأحجارًا كريمة، ويمر على جُلّاس المقهى، يعرض عليهم بضاعته. من هنا تبدأ القصص الفنتازية، عن تلك الخواتم والأحجار العجيبة وطاقاتها الخارقة للروح والجسد. في المقابل، يفترش رجلٌ «بسطة» ملابس رجالية، أغلبها داخلي، يتركها أمام «القهوة» ويجلس لشرب الشاي، من تلك الكاسات الصغيرة التي لا يتأخر في إحضارها «أبو علي» للزبائن المقسمين، بين الجلوس على الرصيف الملاصق لـ«القهوة» وبين الاستراحة في الداخل، حيث المكان أكثر هدوءًا. في المقهى سترى صورًا قديمة معلقة لرجالات من القطيف وصورًا أخرى. بينما شخوص «القهوة» يبحرون في قصصهم وبناء عالمهم المفتوح على كل تفاصيل الحياة اليومية والمتخيلة. فقهوة غراب، التي تنقلت بين أكثر من مكان حتى استقرت وسط شارع الملك عبدالعزيز، تحظى بزبائن يوميين مخلصين، يأتون منذ طلوع الشمس حتى بعد الضحى، ثم يعود غيرهم عصرًا. لا أحد يعرف سر تعلقهم بالمكان، حتى «أبو علي» صاحب المقهى وموظفه الوحيد لا يعرفان السر. كل ما يعرفه أنه يحفظ وجه الزبون وطلبه منذ أن يصل المكان. فهو على الأغلب يستخدم لغة الإشارة بيده، فتأتي الإجابة بإيماءة. الشاي الأحمر، أو اللومي العماني، والقهوة العربية المحلية هي التي يحضرها ويطوف بها «أبو علي»، الرجل الذي يغلب عليه الصمت، ولا يهدأ وهو يتنقل بين الزبائن. يقول أحد مرتادي «القهوة»، إن ولد «أبو علي» كان يعمل معه، لكنه ترك المقهى للعمل في مكان آخر. «أبو علي» الرجل الستيني، يعمل دون اكتراث، وهو يباشرُ طلبات الزبائن الممتدين على طول رصيف «القهوة» حتى البيوت والمحال المجاورة. بين كلماته القليلة التي قالها قبل أن ينصرف لزبون آخر: « منذ صغري عملت مع والدي في القهوة، رحل والدي وبقيت أعمل.. أما عن المستقبل فالعلم عند الله». هكذا يجيبنا دون شكوى أو تذمر من كون القهوة التي يعمل فيها منذ عقود، ليس ملكًا له، بل هو مكان مستأجر. هكذا يعيش «أبو علي» يومياته في قهوة «غراب» بأحلام صغيرة بين أناس تربطهم علاقة وطيدة به وبـ«القهوة» الشعبية الأقدم في القطيف.

 

 

 

مطار دارين.. قصة أول مطارات الشرقية

 

غرفة عادية تعود لبدايات القرن العشرين، هي كل ما تبقى من أثرٍ بعد عين. إنه مطار دارين الذي تأسس عام 1348 هـ، زمن المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود ليكون بذلك أول مطار تهبط فيه الطائرات في بلدة دارين التابعة لجزيرة تاروت بمحافظة القطيف شرق المملكة. غير أن بعض الباحثين يشير إلى أن إنشاء المطار يعود إلى قبل ذلك وتحديدًا في الفترة بين (1329هـ- 1346هـ). في البداية، كان اسمه وفق الوثائق الرسمية (قوة الطيران الحجازية النجدية بدارين) وكان يـتألف من ثلاث غرف مستطيلة الشكل مبنية من الطين والحجر البحري، وبجواره ينتصب عمود بطول عشرين مترًا عُلّق عليه مصباح كورسين يسمى (البنديرة)، يُضاء ليلاً لإرشاد الطائرات إلى مدرج الهبوط الذي يبعد عن مبنى المطار 100 متر تقريبًا. وقد ارتبط مطار دارين برحلة أسبوعية مع مطار القضيبية بالبحرين إلى دارين وبالعكس، إلى جانب كونه محطة ربط بين شرق الجزيرة العربية مع غربها (جدة). أما عن موقعه فيقع في الجهة الشمالية لبلدة دارين ولا يبعد عن البحر سوى 600 متر، ما يسمح بسلاسة الطيران إلى البحرين والعودة منها كل أسبوع. المطار الذي لم يتبق منه سوى حجرة يتيمة يشير للعابرين والزائرين إلى تاريخ البدايات الأولى للملاحة الجوية في المملكة، غير أن هذا المطار توقف عن العمل مبكرًا، وبدأت ملامحه في الاندثار منذ سبعينيات القرن العشرين، حيث يشير الأهالي والباحثون إلى أن آثار (البنديرة) كانت باقية حتى عام 1970، إلا أنها أزيلت بعد ذلك، لتختفي معه معظم ملامح هذا المعلم الملاحي المرتبط بتاريخ تأسيس المملكة العربية السعودية، إذ لم يعرف الساحل الشرقي من المملكة أي شكل من أشكال الملاحة الجوية قبل مطار دارين، فضلاً عن الرحلات الطويلة التي تقوم بربط شرق الجزيرة العربية بغربها. ويشير الأهالي وكبار السن إلى أن الغرفة الوحيدة المتبقية من المطار كانت حتى زمن قريب تحوي عدة أجزاء مفككة ومخزنة من طائرة قديمة، قبل أن تنقل إلى الجهات المسؤولة لحفظها. ولا يزال كبار السن ومن ينقل عن الراحلين من أهالي دارين وتاروت والقرى المحيطة، يتذكرون لافتة (الهيئة العامة لمطار الرفيعة بدارين) وهو الاسم الذي كان متداولاً آنذاك، غير أن شح الصور والوثائق الرسمية تترك هذا المعلم الأثري وحيدًا في عزلته بعد أن زحفت إلى جواره البيوت، وشقت الشوارع والطرقات ليتحول إلى غرفة مهجورة بعد أن كان هذا المطار يهتز من أزيز الطائرات وبخاصة تلك التي استخدمت في الحرب العالمية الأولى، والتي كانت تطير لمحطات محددة ثم تتوقف للتزود بالوقود، ثم الانطلاق في حال الرحلات البعيدة، خلافًا إلى الرحلات القريبة نسبيًا فلم تكن تحتاج إلى التوقف للوقود، كما هي رحلات مطار دارين إلى البحرين حيث المسافة بالطائرات القديمة لا تتجاوز 45 دقيقة، من المطار الذي ولدت قصته في بداية القرن العشرين ولم تدم طويلاً لتكتب لها النهاية مع بداية توحيد المملكة، ويتم الاستغناء عنه لصالح مطارات أكثر جهوزية وأكبر مساحة في الظهران ومواقع متفرقة من شرق المملكة. 


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview