النسخة التجريبية   

قصر شبرا.. أيقونة الطائف

مشاهدات: 8890 2016/10/02 تعليق: 0

هذه الأبيات، قالها شاعر المملكة عبدالله بن خميس، في أحد أجمل القصور والمعالم التاريخية والأثرية وأهمها التي تفخر بها مدينة الطائف: قصر شبرا التاريخي، أهم المعالم التي تزهو بها المحافظة، ودرتها المعمارية الخالدة التي جمعت بين فخامة التصميم، وروعة العمارة، والطابع التقليدي المميز.

نجاة الوحيشي                  
تصوير: عبدلرحمن الوليدي

في قصر شبرا.. آثـــار وأخبــارُ  وفــيه من واقع التــاريخ أسرارُ
إنــا أتينــاه زوارًا.. على عجلٍ فاستُكمِل الفن، والآثـار، والدارُ


تاريخ القصر


أنشأ هذا المعلم التاريخي الشريف علي عبدالله بن عون باشا في عام 1323هـ (1904م)، وفرغ من إنشائه في 1325هـ (1906م). ثم تم فتحه على يد أحد قادة الجيوش التي توجهت للحجاز، تحت قيادة الملك عبدالعزيز.
يحمل قصر شبرا التاريخي المهيب - وكان في عهد الملك عبدالعزيز يعرف بـ «قصر الرياض»- بعدًا تاريخيًا عميقًا، حيث كان أحد القصور التي سكنها الملك المؤسس في بداية حكمه، وأدار منه في أثناء إقامته الصيفية، شؤون الحكم. كما كان مقرًا لنائب الملك في الحجاز الأمير فيصل بن عبدالعزيز آنذاك، كما اتخذ منه الأمير سلطان بن عبدالعزيز مقرًا صيفيًا لمكتبه. 

ارتبط قصر شبرا بأحداث محورية في تاريخ المملكة وحياتها السياسية، من ذلك، أن القصر كان ملاذًا لأهل الحجاز عندما نشبت الحرب بينهم وبين الدولة العثمانية، حيث تحصنوا به ليردوا على رمي العثمانيين لهم من جبل عكابة، إلى أن أبعدوهم.

 كما شهد القصر مرور العديد من الشخصيات، ومنهم السلطان وحيد الدين محمد السادس، آخر سلاطين الدولة العثمانية، في عام 1923.
وفي عام 1407هـ، قرر الملك فهد بن عبدالعزيز تحويل القصر إلى متحف إقليمي للتراث العربي والإسلامي في المنطقة.
روعة العمارة 

يعد قصر شبرا التاريخي من أجمل المعالم الأثرية في محافظة الطائف، ويتميز بطرازه المعماري الفريد، وفخامة تصميمه الذي زاوج بين خصائص العمارة الرومانية القديمة، وسحر العمارة الإسلامية العريقة التي جعلت منه تحفة معمارية بديعة.
وقد عمل المصمم على دمج الأعمدة والأقواس الرومانية العتيقة مع الرواشن والشبابيك ذات الزخارف الإسلامية البديعة، وحرص على توظيف خصائص العمارة المحلية التقليدية بمنطقة الحجاز، وحقنها بمواد مختلفة جُلب بعضها من الخارج. فالأخشاب مثل «المقنو» و«الزان».. جلبت من سنغافورة، والرخام من تركيا وإيطاليا. بينما شكلت الحجارة المحلية بعد تغطيتها بالجص والنورة، مادة البناء الرئيسة. ولا يزال قصر شبرا حتى اليوم محتفظًا بكامل رونقه وحسنه وبهائه.

الموقع


يحتل القصر موقعًا متميزًا خارج سور الطائف القديم، في شارع شبرا الرئيس في منطقة تضم أجمل حدائق الطائف وتحتضن ثلاثة قصور عُرف الأول منها باسم شبرا القديمة، والثاني وهو القائم حاليًا، «برزان»، أما الثالث فهو قصر «البيهات». 
يعود اختيار الموقع آنذاك إلى خصوبة الأرض المحيطة به، ولكونه محاطًا بجبلي شرقوق وعكابة من الغرب ومرتفعات أم خبز من الشرق. كما يقع القصر بالقرب من ثلاث آبار هي بئر المقداد، وبئر الزبير، وبئر عكرمة.

طراز فريد وفخامة راسخة


للقصر عدة مداخل وأربع واجهات متشابهة تتخللها أعمدة من النورة والحجارة. أما البوابة الرئيسة المصنوعة من الخشب الفاخر فتقع في الجهة الغربية.
يتكون القصر من أربعة طوابق شُيّدت فوق طابق قبو تحت مستوى سطح الأرض. في كل دور جناحان: شمالي وجنوبي، يتوسطهما بهو رئيس واسع ترتفع فيه أربعة أعمدة تنتهي بزخارف رومانية، وتزيّن أسقفه الخشبية نقوش بديعة، ويزدان البهو بسلم خشبي عريض مزدوج، أرضيته من المرمر،  يعرف بـ«السلملك»، تتوزع حوله الغرف، ويصعد حتى الدور الأول حيث يتحول إلى مسارين، ويستعاض عنه في الأدوار العليا بسلمين جانبيين.

يحتوي القصر الذي تزين أسقفه الخشبية زخارف دقيقة بألوان وأشكال هندسية بديعة، على ما يقارب 150 غرفة تتشابه جميعها في التصميم، لكن مساحاتها ش.
ويتكون الطابقان الأول والثاني من جناحين يشكلان صالتي توزيع تؤديان إلى الغرف التي تفنن الحرفيون في تزيين جدرانها وأعمدتها بزخارف ملوّنة على هيئة أوراق نباتية تم طلي جميع أطرافها باللون الذهبي. 

وفي الطابق الثاني حمام تركي في منتهى الفخامة والرفاهية، يكسو جدرانه الرخام، ويتخذ سقفه شكل قبة بزخارف غاية في الروعة والإتقان. كما يوجد حمام ثان في الدور الأرضي، لا يقل فخامة ولا ترفًا، لكنه أصغر مساحة.

حضور التراث


يتميز قصر شبرا أيضًا برواشنه التراثية وشبابيكه التي عمل حرفيون مهرة على حفر خشبها بإتقان، وتفننوا في تعشيقها بلمسات فنية لا تزال ماثلة للعيان، تحمل ملامح الطراز السائد في مدن الحجاز. حتى السور المحيط بالسطح في أعلى المبنى، لم تغفله يد الفنان، وزينته بزخارف يغلب عليها الطابع الروماني.

 

متحف إقليمي


شهد القصر في عام 1418هـ (1997)، تمهيدًا لتحويله إلى متحف للآثار، أعمال ترميم روعيت فيها المعايير العلمية في ترميم المباني التاريخية، دون المس بخصائصه المعمارية الأساسية. وأصبح بعد ترميمه، متحفًا تراثيًا يضم كنوزًا من الآثار يعود بعضها إلى عصور ما قبل الإسلام، وتم اكتشاف جلها في المحافظة. 
يحتوي المتحف على أكثر من 4000 قطعة تمد الزائر بمعلومات ضافية عن مدينة الطائف، ومراحل إنشاء القصر، والحقب التاريخية والسياسية التي كان شاهدًا عليها، ويحتفظ بنماذج من أثاث المكاتب الملكية.

كما يعرض مجموعة كبيرة من الأسلحة القديمة، والأحجار الكريمة والحلي، والمسكوكات الذهبية والفضية، والعملات القديمة، والأدوات الحجرية، وأوان منزلية ومصابيح فخارية وزجاجية، وأدوات زراعية عتيقة، ومنقوشات ورسوم أثرية، وكتابات صخرية تعطي فكرة عن الخط العربي وأنواعه على مر العصور.
ومن المعروضات أيضًا، جهاز تقطير قديم لماء الورد وعطره الذي تشتهر به المحافظة  منذ القدم. وعربة جر أثرية لنقل الأحجار والصخور، استخدمت في بناء سد السملقي التاريخي في ديار ثمالة بضواحي الطائف، في عهد الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان.

 

 

أساليب عصرية


يعد متحف قصر شبرا رائدًا في عرض مقتنياته وفق أساليب العرض الحديثة، ويضم ثلاث قاعات عرض رئيسة:
يجد الزائر في القاعة الأولى آثارًا عن أبرز المراكز الحضارية في المملكة في عصور ما قبل الإسلام. ومن تلك الآثار، نقوش ومشغولات وأدوات حجرية وفخارية ومعدنية.
وتعرض القاعة الثانية مجموعة نادرة من المقتنيات من العصر الإسلامي. فيما خصصت القاعة الثالثة لسرد قصة توحيد الأراضي السعودية على يد الملك عبدالعزيز، مع عرض مقتنيات شعبية تراثية من منطقة الحجاز.

كما يخصص المتحف قسمًا للسوق القديمة التي كانت تعرف بالـ«خان»، حيث تعرض أبرز الحرف والصناعات التقليدية في المحافظة، مثل صناعة ماء الورد الطائفي، والجهاز الذي استخدم منذ القدم لتقطيره.
يستضيف القصر، إضافة إلى مهمته المتحفية، العديد من الفعاليات الاجتماعية والسياحية، والبرامج التعليمية، والأنشطة الثقافية، والندوات والمحاضرات، والمعارض الفنية.

 

رعاية متواصلة


يمثل قصر شبرا، كمتحف معاصر، معينًا ثريًا يجد فيه الزائر المتعطش لمعرفة تاريخ المملكة، وتراثها، وحضارتها، منذ أقدم العصور حتى الوقت الحاضر، ما يتطلع إليه من معارف وشواهد عينية موثقة بالصورة والمعلومة والرسوم التوضيحية، ويقف شاهدًا على رقي العمارة وفخامتها.
وهو لذلك، يحظى برعاية الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني ودعمها، والتي تحرص على الحفاظ على كل ما يمت إلى التراث العمراني بصلة.  



التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview