النسخة التجريبية   

بيت الشعر.. تخفق الأرياح فيه

مشاهدات: 1858 2016/11/23 تعليق: 0

قال تعالى: ‭}‬وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِين‭{‬.
لا يغيب بيت الشعر عن ذاكرة أهل الجزيرة العربية ووجدانهم، فهو سكنهم الذي يحملونه في ترحالهم، وينصبونه في حلهم.

يقول الرحالة الألماني ماكس فون أوبنهايم في كتابه: «رحلة ماكس فون أوبنهايم من البحر الأبيض المتوسط إلى الخليج»: «تبين لي أن بيت الشعر لم يكن مجرد قطعة صوف واحدة مستطيلة خالية من الإبداع الهندسي والفني، بل وجدته يتركب من عدد من القطع المنسوجة بعناية من شعر الماعز، وصوف الضأن، ووبر الإبل، بينما يراوح عدد الأعمدة التي يقوم عليها بين اثنين إلى عشرة أعمدة. وتوثق الخيمة  بحبال قصيرة قريبة من الأرض في جوانبها الثلاثة، في حين يبقى جانب الطول مفتوحًا عكس اتجاه الريح عن طريق شده إلى حبال طويلة مربوطة في مسامير كبيرة تسمى الأطناب بارتفاع قامة الرجل. وبيت شيخ القبيلة عادة أكبر حجمًا من بقية بيوت القبيلة، إذ يتكون من أقسام عدة يفصل بينها فواصل من السدو تسمى المعند».من قسمين أحدهما وهو الأكبر مخصص للضيوف ويسمى بالمقعد. أما القسم الأصغر فيسمى بالمحرم وهو مخصص للنساء. وتفرش البيوت بمفارش وأغطية وأثاث بسيط يتفاوت حسب إمكانيات المالك المالية. يضم مجلس الرجال مشبًا للنار يختلف حجمه حسب حجم المجلس، وأدوات صنع القهوة مثل الدلال، والمحماسة، والنجر، وغيرها.

 

صناعة بيوت الشعر

لعل أولى خطوات بناء بيت الشعر المنوط عمله، عادة، للمرأة هو غزل الصوف الذي يتم بوساطة المغزل. وهو عبارة عن عصا مستقيمة بطول 12 بوصة تقريبًا، يتم لف الخيوط عليها بعد برمها، ثم تثبت بصنارة العاج في الطَرَف العلوي. وتقوم الغزَّالة بمسك حزمة الصوف باليد اليسرى وتمسك المِغْزَل باليد اليمنى، وتحرك المِغْزَل ببطء وهو في حضنها، وتلف الخيط المبروم على الجزء العلوي من الِمغْزَل وهكذا. 

 

تصنع الخيوط من شعر الماعز مخلوطًا بصوف الضأن ووبر الإبل في بعض الأحيان، فينتج عن ذلك تركيبة تتماسك عند نزول المطر، وتقاوم حرارة الشمس والرياح والرمال. ويقال أن أصل بيت الشعر جاء من شبه الجزيرة العربية ومن الجنوب تحديدًا حسب الرسومات والنقوش الأثرية.

 

بعد عزل الصوف تأتي المهمة الثانية وهي حياكة السدو، ويقوم بها نساء موهوبات يجتمعن ويثبتن في الأرض أربعة أعواد لتشكيل مستطيل، ثم يربطن خيوط الصوف الطويلة بين تلك الأعواد. وعن طريق مخالفة الخيوط ما بين العرض والطول وتثبيتها وشدها باستخدام قرن غزال تتحول الخيوط إلى قطع صوف طويلة (السدو)، وتلصق بعضها ببعض بخيوط متينة ويحكم إغلاقها، ثم تبدأ عملية تشكيلها لتصبح بيت شعر جميلاً.
عادة ما يختار البدو الرحل نصب خيامهم على أماكن مرتفعة وبعيدة عن مجاري الأودية تحرزًا من السيول الجارفة التي ربما أضرت البيت. كما يتم نصب البيت بأوضاع مختلفة حسب ما تستدعيه الظروف المناخية طوال العام بتصميمات تتنوع بتنوع القبائل.

 

 

قصة ميسون الكلبية مع معاوية بن أبي سفيان


تزوجت ميسون الكلبية، وهي شاعرة من قبيلة بني كلب، معاوية بن أبي سفيان، فنقلها من الصحراء إلى دمشق حيث عاصمة ملكه، وأسكنها أحد القصور، بيد أن شدة شوقها وحنينها لقومها ومسقط رأسها ولبيوت الشعر التي تخفق الأرياح فيها جعلها تبوح وتفصح عما يختلج في صدرها من مشاعر جياشة شعرًا وقع دون علمها في مسامع زوجها معاوية.. إليكم بعض الأبيات:

 ولبس عباءة وتقر عيني            أحبُّ إليَّ من لبس الشفوفِ
وبيت تخفق الأرياح فيه                أحبُّ إليَّ من قصر منيفِ
وأكلُ كسيرة من كسر بيتي       أحبُّ إليَّ من أكل الرغيف

إلى أن قالت: 

  وبكر يتبع الأظعان صـعب              أحبُّ إليَّ مـن بغل زفوف
  وخـرق من بني عمي نحـيف                     أحبُّ إليَّ مـن عـلج عـنوف
خشونـة عيشتي فـي البدو أشهـى      فحسبي ذاك من وطن شريف

عندما سمع معاوية هذه القصيدة قال: جعلتني علجًا فطلّقها ومكّنها من العودة إلى أهلها وأبناء قبيلتها.

 

مسميات أجزاء بيت الشعر


السدو: وهو الجزء العلوي من البيت أو السقف، ويتألف من مجموعة من القطع متصلة بعضها ببعض بحسب حجم البيت.

الرواق أو المنساب: وهو ما يغطي جانب البيت الخلفي، وينسج من الصوف أو وبر الأبل، مع عمل خط أبيض من صوف الأغنام البيضاء.

الرفاف: وتغطي جانبي البيت الأيمن والأيسر، وتنسج أيضًا من صوف الأغنام أو وبر الإبل.

الغدفة أو الغتفة: وهي الستارة التي تسدل على واجهة البيت خصوصًا عند اشتداد العواصف الرملية، وفي حالة سقوط الأمطار، وللوقاية من البرد القارس.

المعند: وهو قطعة الصوف التي تفصل غرف البيت عن بعضها بعضًا، وتحاك كذلك من الصوف أو الوبر.


أدوات بناء بيت الشعر


المطرق
عصا دقيقة تستخدم في عملية تنظيف الشعر وتنقيته، ويصنع من غصون الأشجار كالعوسج والسدر.

الكرداش
يأتي على قطعتين خشبيتين لكل واحدة منهما مقبض، وفي سطحيهما ثبت عدد كبير من المسامير تستخدم لتمشيط الصوف.

 

المغزل
هو عود خشبي أملس وضع في رأسه قطعة حديدية تسمى السنارة، ووظيفته الأساسية  برم الشعر وغزله. 

 

الدجة
كرة من خيوط الشعر المغزول والمبروم بوساطة المغزل، وربما جاء المثل الشعبي (ما عنده إلا الدجة) منها. 

 

المخيط
عبارة عن إبرة خياطة كبيرة يصل طولها لثمانية سم تقريبًا. 

 

الأطناب
الحبال التي يشد بها البيت تصنع من صوف الضأن أو الماعز أو وبر الإبل. 

 

الوتد أو المنساب
عبارة عن مسمار حديدي كبير بطول يصل إلى ثلاثين سم يدق في الأرض لتثبيت الأطناب. 

 

المحالة
هي تشبه العجلة لكنها صغيرة الحجم، وتصنع من الحديد أو الخشب، ووظيفتها تسهيل عملية سحب الطنب لشده في الوتد.

 

الأعمدة
تتفاوت في الأطوال والأحجام ما بين المترين إلى ثلاثة أمتار، وتصنع من خشب الأثل أو الطلح، وتستخدم لرفع البيت.



لبيت الشعر حرمة لا يجوز خرقها، بحيث تكون له حدود معروفة محددة حوله لا يجوز تجاوزها والدخول فيها إلا بإذن أهلها.  لا يقتصر استعمال بيوت الشعر على أبناء البادية، بل إن أبناء الحضر يتهافتون على شرائها، خصوصًا هواة البر وأصحاب الرحلات، وملاك الإبل والماشية في موسم الربيع، كونها مناسبة للجلوس وإشعال الحطب على عكس الخيام، فضلاً عن رغبة بعضهم في اقتنائها لما تمثله من إرث تاريخي عريق مرتبط بالماضي الجميل وحياة البادية والصحراء. 

مشروع (  بارع ) وإحياء بيوت الشعر

 

عندما يأتي ذكر بيوت الشعر التي يعد صنعها من أقدم الحرف اليدوية لابد أن يُذكر البرنامج للحرف والصناعات اليدوية بارع، انطلاقًا من كون النشاط الحرفي بطبيعته إرثًا وطنيًا يعكس الهوية الثقافية، والأصالة الوطنية للمنتجات اليدوية التي تستوجب المحافظة عليها، والحرص على استدامتها والحيلولة دون انقطاعها واندثارها. وقد أطلقته الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني ليكون بمنزلة مظلة اقتصادية اجتماعية ثقافية تجمع تحتها الحرفيين والمبدعين في الصناعات اليدوية التراثية ذات الهوية السعودية، ومنها -بالطبع- حياكة بيوت الشعر وصناعتها. ولم تقف جهود الهيئة عند ذلك الحد، بل تجاوزت ذلك إلى آفاق أكثر رحابة تمثلت في جهود الهيئة في تحويل برنامج بارع إلى شركة وطنية مساهمة مستقلة بمسمى (شركة الحرف الوطنية) تطمح إلى تلبية حاجة سوق العمل بفتح المزيد من فرص العمل، واستثمار الآلاف من الأيادي الحرفية السعودية من كلا الجنسين لمزاولة حرفهم، وتبني مشاريعهم ومنتجاتهم وتسويقها. وقد ساهم نظام الاستثمار الجديد في استقطاب مستثمرين أجانب لهذا القطاع، كانت نتيجته فتح مصانع وطنية تعنى بالحرف والحرفيين مثل المصانع التي افتتحت حديثًا لإنتاج أقمشة بيوت الشعر بأيادٍ سعودية، وبرؤوس أموال مشتركة لتلبية الطلب الكبير لهذا المنتج في السوق الخليجي. أكد الحرفيون والحرفيات الذين دأبوا على المشاركة في المهرجانات والفعاليات الكبرى في المملكة الدعم الذي يلقونه من البرنامج الوطني للحرف والصناعات اليدوية (بارع) ومدى إسهامه في تسويق حرفهم وتطويرها. وتقول في ذلك حرفية السدو أم محمد: إن ذلك الدعم من بارع قد فتح المجال أمامها لنشر إبداعاتها وتسويق منتجاتها من السدو. وكما هو معروف أن السدو هو أساس بيت الشعر، وعن طريقة صناعة السدو تقول: أبدأ بغزل الخيوط، وهي عادة من صوف الغنم ووبر الإبل، ثم أقوم بطيها بآلة المنقادة وتثبيتها بالمنشاص ومن ثم تتم عملية النسج. تثمن الحرفية أم محمد ما تقوم به الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني من دعم متواصل للحرف اليدوية عن طريق مشروع بارع وغيره. وتقول حرفية السدو هند عبدالعزيز، حيث اشتركت في معارض دولية أبرزها معارض المملكة في العاصمة البريطانية لندن: إنها كانت من أنجح الفعاليات التي شاركت فيها، وإن صناعة السدو والسجاد السعودي قد أبهرت الزوار من شتى دول العالم. وعن بداياتها تقول هند إنها تعلمت حرفة السدو من والدتها، بيد أنها طورتها لتواكب العصر، وطوعت السدو لتصنع منه منتجات أخرى متنوعة مثل الحقائب النسائية، والحقائب الخاصة بالحواسيب المحمولة، وحافظات الجوالات، وسجاجيد الصلاة.  وفي السياق ذاته يقول عدد من الحرفين والحرفيات حائكات السدو (بيوت الشعر) إنهم بدؤوا بعرض إنتاجهم من السدو في الفعاليات والمهرجانات مثل مهرجان الجنادرية، وسوق عكاظ في كل عام، ثم في المعارض السعودية خارج الوطن.  كما حرصت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني على ربط مشروع (بارع) بمسارات تطوير التراث الوطني الأخرى، لا سيما في المواقع الفعلية والمواقع الافتراضية في الإنترنت، والبرامج، والمهرجانات السياحية، والفعاليات التي تعمل على تنظيمها أو الإشراف عليها.  

 

مشروع أصيل برؤية حضارية 

عندما نذكر بيوت الشعر لا بد أن نتوقف عند مشروع «مغزل بدو» الذي يعد رؤية جديدة تبلورت نتيجة تضافر جهود هيئة السياحة، متمثلة في مشروع بارع، ووزارة الشؤون الاجتماعية، حيث تبنوا عدة مشاريع حرفية تقوم على إعادة إحياء التراث وأصالة الماضي.

مشروع «مغزل بدو» لبيوت الشعر قام به أحد المهتمين بتراث الأجداد وحرفهم القديمة، فأقام مصنعًا كبيرًا لبيوت الشعر وملحقاته في العاصمة الرياض، وحرص على أن يكون ذا جودة عالية وعلامة عالمية مسجلة، وراعى فيه العودة لتصميم بيت الشعر الأصيل، كما استعان بالأسر المنتجة والحرفيات في عمل ملحقات هذا البيت، فكانت قطع السدو الملونة تزهو بالبيت الأسود. واستمرت هذه الرؤية، بحسب قول صاحب المصنع، بأن قاموا باختراع بيت الشعر الداخلي، دون أطناب أو حبال، وذلك ليسهل وضعه في المعارض، وقد حصلوا على براءة اختراع في ذلك.

كان بيت الشعر لافتًا أينما عُرض، فهو ليس مجرد خيمة، بل هو عمل حرفي عالي الجودة توقف عنده ضيوف السفارة السعودية في أوسلو في اليوم الوطني عندما أرسل «مغزل بدو» بيت شعر أصيل إلى السفارة السعودية في النرويج.

المشروع فكرة تنحو إلى الأصالة والجودة، ورسالة إلى الحرفيين السعوديين المخضرمين، بأن ما يملكونه فن يجب ألا يندثر، فهم يحملون إرثًا لا بد من تعليمه للأجيال القادمة.   


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview