النسخة التجريبية   

كهف جبل جانين

مشاهدات: 4368 2016/11/23 تعليق: 0

يقع جبل جانين شمال شرق مدينة حائل ويبعد عنها بنحو 100كم في وسط منطقة منبسطة تسمى بحرة جانين تعد من أغنى المناطق بالمياه الجوفية، وتتسم بكثرة مزارع القمح والأعلاف والخضراوات الموسمية.

 

رحلة في أعماق الجبل

 

 في صباح يوم دافئ من أيام الخريف، حيث الريح تداعب أوراق الشجر الذي اصفر من الصيف الماضي، انطلقتُ وصديقي خبير الطقس والملم بمواقع الأماكن التاريخية، من مدينة حائل جهة الشرق عبر طريق آحادي صوب بحرة جانين. استغرقت الرحلة نحو الساعة والنصف مررنا خلالها بعدد من المزارع الخضراء، والجبال، والتلال الرملية التي انتشرت عليها أشجار الرمث الأبرية.

كانت المناظر تشي بقربنا من مشارف جبلي جانين وجلدية الآخاذين، انحرفنا بسيارتنا إلى طريق ترابية تأخذنا مباشرة إلى الجبل المعروف في المنطقة، وما هي إلا لحظات حتى وقفنا على نشز الجبل الأصم وقد أحيط بسياج حديدي محكم أنشأته الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني لحماية مكوناته الأثرية المهمة من العبث. 

ترجلنا من السيارة بعد أن حملنا آلات التصوير، ما أن شاهد الحارس المسؤول عن المكان ورقة إذن الدخول من هيئة السياحة حتى تكرم بفتح بوابة السياج لنا لننطلق سيرًا على الأقدام جهة الكهف العميق.

 

 

الولوج إلى الكهف

 

 تسلقنا الجبل الوعر حتى وصلنا إلى فتحة الكهف التي بدت، بشكلها البيضاوي المهيب، بوابة تمت هندستها. واصلنا التسلق نحو الكهف بقلوب خائفة من المجهول الذي ينتظرنا، ومدفوعة بيد المغامرة وحب الاستكشاف في الوقت ذاته. عندما ولجنا الكهف صفعنا تيار من الهواء البارد أصابني بقشعريرة مربعانية الشتاء، كون الكهف كغيره من الكهوف التي تحتفظ عادة بدرجة حرارة شبه ثابتة فتشعرك بالدفء في الشتاء، وبالبرودة في الصيف. توغلنا أكثر في الكهف الصخري الذي تضيق ممراته تارة وتتسع أخرى، ويعلو سقفه إلى ارتفاعات شاهقة تارة ويكاد ينخفض إلى مستوى رؤوسنا تارة أخرى، تكاد أقدامنا تغوص في أرضه الرملية الناعمة النظيفة، وقد تحولت جدرانه المليئة بالرسومات والنقوش والكتابات إلى لوحات مفعمة بالحراك التراثي، وأنماط عيش الإنسان فيما قبل التاريخ، وقد تساقط عليها الضوء عبر فتحتين صغيرتين إحداهما في المقدمة، والأخرى في المؤخرة تقريبًا، تدخل من خلالهما تيارات الهواء أيضًا، بيد أن الكهف يصل في بعض جيوبه إلى الظلام الدامس. «لا بد أن هذا الكهف قد وفر الملجأ والملاذ الآمن والمأوى من غوائل الجو لعدد كبير من البشر عبر التاريخ» قال ذلك  زميلي علي المديني وهو يتحسس تلك الرسومات بيده. تحسست- بدوري- تلك الصخور الرملية أيضًا ووجدتها صلبة للغاية وليست كما يوحي اسمها على أنها هشة لينة، صحيح أنها أقل صلابة من بعض الصخور الأخرى ما شجع على استخدامها لتدوين تلك الأحداث التاريخية، بيد أنها صلبة كفاية لتتحدى الزمن وتبقي لنا تلك الكنوز المعرفية دون أن تتأثر بعوامل التعرية القاسية. وتتنوع تلك الرسومات والكتابات حيث يستمتع السائح بمشاهدة جملة من إبداعات الإنسان الأول الذي قام بحفرها بأساليب فنية مختلفة من حز وحفر غائر وبارز، وتفريغ وصور نشاطاته اليومية المختلفة، ودوَّن معلوماته بالصور الآدمية والحيوانية المعبرة، وبالكتابات الثمودية والحبشية والسبئية التي تجسد ملامح حياتهم الثقافية عبر الأحقاب الزمنية المختلفة. وما يلفت النظر كثرة رسومات الأيدي، وربما أن رسمة راحة اليد كان لها دلالة فكرية ارتبطت بالعقائد الدينية والمعبودات الوثنية في ذلك العالم القديم. وفي ضوء بعض الدراسات العلمية تبين أن حضارة جانين تعود إلى الألف الرابع قبل الميلاد، يعزز ذلك ما أفضت إليه بعض نتائج تحليل طبقة العتق وتحديد التاريخ باستخدام تحليل كربون 14 (C14) وهي تقنية تعتمد قياس نسبة تقلص الكربون المشع في المادة العضوية عبر الزمن، وتم ذلك في عينة أخذت من سطح نقش لأحد الحيوانات تبين أن تاريخها يعود إلى 6000 سنة مضت. 

وطبقًا للمسوحات الأثرية للمنطقة التي تتجاوز مساحتها الثلاثة كيلومترات مربعة  ناهيك من و جود البحيرة الجافة والآبار المطمورة في الموقع، فضلاً عن النقوش العربية الشمالية القديمة (الثمودية) فكلها تؤكد أن ثمة استيطانًا كثيفًا حدث أيضًا خلال الخمس مئة سنة قبل الميلاد.  


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview