النسخة التجريبية   

دوغلاس كاروثرز تجوال عبر صحراء النفود

مشاهدات: 1827 2017/01/17 تعليق: 0

لم يكن الرحّالة الإنجليزي دوغلاس كاروثرز معروفًا، ولم يتردد اسمه كثيرًا في الدراسات والكتب التي تناولت الرحالة الغربيين الذين زاروا الجزيرة العربية وتجولوا في فيافيها.

إعداد: عبدالعزيز العنزي 

قام دوغلاس برحلة استكشافية جريئة في صحراء النفود، وكان المعلن من هدف تلك الرحلة التي قام بها، وشملت شمالي جزيرة العرب، أنها كانت لدراسة المها العربي الوضيحي. فيما تشير بعض الدراسات التي تتناول أدب الرحلات إلى ما مضمونه أنه تم تجنيد دوغلاس خلال الحرب العالمية الأولى، ليقوم بتجميع خرائط الشرق الأوسط، ثم تركز عمله لاحقًا على رسم الخرائط والعمل إلى جانب المستكشفين والرحالة. وقد عين زميلاً في الجمعية الجغرافية الملكية بين 1909 - 1962 وخدم فيها أمين سر شرف بين أعوام 1916 - 1921. ألّف عدة كتب وجمع عددًا من النماذج الطبيعية ما زال بعضها إلى اليوم فريدًا في نوعه في المتحف البريطاني، وقد نال عددًا من الجوائز والميداليات، نظير ما قام به من جهود.

البحث عن المها

 

قدم الرحالة البريطاني دوغلاس مغامرته في شمال الجزيرة العربية، برحلته إلى صحراء النفود بحثًا عن الوضيحي، أو المها العربي منطلقًا من دمشق في عام 1909، معتمدًا على العزيمة والإصرار في مواجهة الأخطار والمصاعب، خصوصًا أنه يقدم نفسه عالم طبيعة. حاول في كتابه تأكيد مقولة الرحالة شارل داوتي: «إن قفار شبه الجزيرة العربية غنية في تنوعها». كما أراد البرهنة على أن رحلة في صحراء العرب تعادل، من حيث إثارتها، أي رحلة أخرى. فقد مر في رحلته التي انطلقت من الأردن، ومنها إلى تبوك، ثم إلى تيماء، ومنها إلى النفود، مرورًا بسهول موقع بسيطا، قريبًا من الجوف. وفي النفود عثر على مبتغاه، مكتشفًا وجود المها العربي في شمال الجزيرة العربية، بأعداد غير قليلة بعد أن اصطاد أربعة منها كانت كافية لتسجيل معلومات وقياسات وافية عن هذا الحيوان، ثم قام بسلخ جلودها وتنظيفها والاحتفاظ بها لأهداف علمية، على حد وصفه. فكان يعد هذا صيده من الوضيحي أعظم جائزة، وهذه الجلود أغلى من الذهب. 

 

وعن رحلته تلك ألف دوجلاس كاروثرز كتابًا سماه «مغامرة في جزيرة العرب عبر صحراء النفود بحثًا عن الوضيحي». وهو كتاب ماتع وشائق جدًا، صيغ بلغة أدبية رفيعة المستوى. ونشر هذا الكتاب في لندن في عام 1935، ليضع نفسه- بحسب الدارسين والمهتمين بأدب الرحلات- ضمن الكتب جيدة التوثيق فضلاً عن أهميته، وأهمية موضوعه، حيث يروي وقائع رحلة استكشافية جريئة بصحراء النفود العُظمى في شمال الجزيرة العربية، بحثًا عن الوعل الأبيض أو ما يُسمى في الجزيرة العربية بالوضيحي، ويُقصد به ظبى المها، وقد قام بترجمته للعربية د. أحمد إيبش.

 

لجأ المؤلف في كتابة هذه المغامرة إلى توظيف الصور الفوتوغرافية الفريدة، والتي تعكس بدورها التنوع الفطري للصحراء العربية في تلك الفترة.

وصف المها

 

المها العربي الذي اهتم به دوجلاس كاروثرز هو أحد أنواع الظباء، المنتمية إلى فصيلة البقريات، وهو ذو سنام مميز على كتفيها وقرون طويلة مستقيمة وذيل ينتهي بخصلة شعر. يُعد هذا النوع أصغر أنواع المها جميعها، وهو يستوطن صحاري شبه الجزيرة العربية وسهولها، وبلاد ما بين النهرين، وسوريا، وفلسطين، ومصر.

 

ويعد المها العربية نوعًا مهددًا بالانقراض، وقد أعيد إدخال المها العربية إلى بعض موائلها الطبيعية منذ ثمانينيات القرن ذاته، بعد أن تم إكثارها في حدائق الحيوانات والمحميات الخاصة.. إلا أن نجاح هذه العملية كان متفاوتًا.

 

قُدّرت جمهرة هذه الحيوانات عام 2008 بحوالي 1100 رأس في البرية، وما بين 6000 و 7000 رأس في الأسر حول العالم، في حدائق الحيوانات، والمحميات، وعند هواة تربية الحيوانات البرية، حيث يتم الاحتفاظ بهذه الحيوانات في حظائر كبيرة تستطيع فيها أن تعدو وتتنقل بسهولة. والمها العربية من أكثر الحيوانات المجسدة في الشعر العربي، خصوصًا الغزلي منه، لأسباب متعلقة بهيئتها التي نظر إليها كثيرون على أنها تجسيد للجمال وعذرية الصورة وبراءة المنظر. 

 

وبحسب ما جاء في كتاب كاروثروز في وصف المها «يبلغ علوّ المها العربية حوالي المتر (39 إنشًا) عند الكتف، ويبلغ وزنها حوالي 70 كيلوغرامًا (154 رطل تقريبًا). يكون لون المها العربية أبيض كليًا في معظم الجسد عدا الجزء السفلي والقدمين التي تكون بنيّة اللون، كما تمتلك خطوطًا سوداء حيث يلتقي الرأس بالعنق وعلى الجبهة والأنف. وللجنسين قرون طويلة حلقيّة منحنية بعض الشيء يتراوح طول كل منها ما بين 50 سنتيمترًا و 75 سنتيمترًا».

 

تتغذّى المها العربية على البصلات والأعشاب وأوراق الأشجار. وهي تمضي ساعات النهار تستريح تجنبًا للحرارة المرتفعة. كما تستطيع هذه الظباء تحديد المناطق التي تساقطت فيها الأمطار ومن ثم الانتقال إليها، وبالتالي فإن نطاق تجوالها واسع. فقد أظهرت دراسة لأحد القطعان أن نطاق تجواله يزيد على 3٫000 كيلومتر مربّع. تعيش المها العربية في قطعان مختلطة من الجنسين ويتراوح عدد أفراد القطيع بين 2 و 15 رأسًا في العادة، على الرغم من ورود تقارير تفيد بوجود قطعان تحوي ما يزيد على مئة فرد. عادة ما تكون هذه الحيوانات هادئة وغير عدائية تجاه بعضها بعضًا، ما يسمح لها بأن تتعايش معًا لأوقات طويلة.

التنوع الجغرافي

 

وصف كاروثرز في كتابه المسالك والتنوع الجغرافي والفطري الذي شاهده خلال رحلته، وكان يبدي رأيه في جوانب مختلفة، ويستحضر آراء من سبقوه من الرحالة الغربيين لزيارة الجزيرة العربية، ما يعكس تعمقه واهتمامه وكذلك اطلاعه. ومن ذلك قوله: «بالقرب من المكان الذي كنا فيه، كانت هناك المسارات المتجهة شرقًا التي سار فيها الاثنان اللذان سبقاني، وهما والين، وبلجريف، وبالرغم من أنهما بدآ من نقطتين مختلفتين– إذ بدأ والين من تفيلة، وبدأ بلجريف من مَعان، إلا أنهما يقصدان هدفًا واحدًا في وادي السرحان– أبيار الوسيِّط التي كانت تقع على مسافة أربعين ميلاً شرقي المخيم الذي كنت فيه في منطقة الأحساء، ولكن أحدًا من هذين الرحالتين، لم يضف الكثير إلى خريطة تلك المنطقة».

 

يرى بعض الدارسين أن هذا الرحالة قد ساهم في تقديم وصف عن مكونات الحياة الفطرية والبيئية في تلك النواحي، من الجزيرة العربية، حيث أكد وجود الوضيحي في منطقة النفود في تلك الفترة. كما أشار إلى وجودها في الربع الخالي أيضًا، وكذلك تطرق لذكر طائر النعام، وتحدث عن وجودها في شمال الجزيرة العربية وجنوبها. كما تظهر في هذا الكتاب قدرة المؤلف على التتبع التاريخي لمسار الوضيحي والنعام ووجودهما في شمال الجزيرة العربية، من خلال ما كتبه الرحالة السابقون. كما كتب بتفصيل يهم الباحثين عن حجر تيماء، أو مسلة تيماء وملابسات اكتشافه بين الرحالة هوبير والرحالة الألماني أولويس أويتنغ.  


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview