النسخة التجريبية   

الرحـالة الـهولندي مارسيل كوربرشوك.. البدوي الأخـير

مشاهدات: 1400 2017/04/03 تعليق: 0

الصحراء العربية الساحرة برمالها الفاتنة عبر التاريخ، ومصدر الإلهام الذي منها استلهم شعراء البادية قصائدهم.

إعداد: عبدالعزيز العنزي

 

لطالما كانت مقصدًا للرحالة الغربيين الذين تقصّوا تاريخها، وفكوا رموز الشعر البدوي وألغازه، والإطلالة من خلاله على ما اكتنف هذه البادية الغامضة من حروب القبائل وغزواتها، ومن مغامرات شعرائها. جذبت الرمال العربية رحالة، ومستكشفًا من نوع فريد، هو الدبلوماسي الهولندي «مارسيل كوربرشوك» المهتم بالصحراء والقبائل والأشعار النبطية العربية، ليعد بحثًا تضمن تحديد مواقع مثل: الدَّخول وحومل اللذين وردا ذكرهما في معلقة امرئ القيس ضمن كتابه الرائع «البدوي الأخير» الصادر عام 2002. وكما أثارت هذه القصائد مشاعر الناس أثارت مشاعره بالمثل.

 

 

نبذة عن كوربرشوك

د. مارسيل كوربرشوك دبلوماسي هولندي عمل في سفارة بلاده في المملكة العربية السعودية، ثم انتقل إلى المعهد الهولندي للدراسات الاستراتيجية ومنه ممثلاً لبلاده في مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل خلال الفترة 1990 ولمدة 4 سنوات، بعدها عاد إلى وزارة الخارجية في لاهاي لمدة 8 سنوات عمل خلالها أيضًا أستاذًا في جامعة لايدن، حيث أنشؤوا كرسيًا خاصًا له لمدة خمس سنوات، وكان أول سفير لهولندا في أفغانستان، فانتقل بعدها إلى باكستان. وفي عام 2005 عيّن سفيرًا لبلاده في أنقرة، ومنها انتقل سفيرًا في وارسو. وفي عام 2013 أصبح مبعوثًا خاصًا للقضية السورية مقيمًا في إسطنبول، ثم تقاعد في نهاية 2014 بعد قبوله عرضًا للعمل في جامعة نيويورك في أبوظبي بهدف استكمال بحوثه ودراساته في الشعر النبطي.

في الأصل هو باحث متخصص في الأدب العربي، وموضوع رسالته للدكتوراه كانت عن يوسف إدريس، ولكنه اشتغل بعد ذلك بالبحث في آداب الصحراء العربية وثقافتها، وذلك عندما عمل في سفارة بلاده في الرياض، ففتح نافذة جديدة للاستشراق في القرن العشرين، ولكنه يختلف عن غيره من الباحثين لشغفه المتواصل بهذه الثقافة واستغراقه فيها إلى درجة كان يستلذ فيها حرارة الصحراء وسمومها، ويقطع المسافات الشاسعة في سبيل قضاء نهمه المعرفي في تراث الصحراء العربية وإنسانها.

تكونت لدى كوربرشوك حصيلة معرفية وفكرية كبيرة وواسعة، حتى تمكن إلى درجة كبيرة من فهم الشعر النبطي واستيعابه وتذوقه، حتى بات متعمقًا في فهم الدلالات اللغوية ومضامين الصدق في الشعر النبطي.

ولم يكن كتابه الذي تضمن كثيرًا من نصوص القصائد النبطية، سوى واحد من أوجه التمكن من ثقافة هذا الشعر والمعرفة ببيئاته. فقد وقّعت دار جداول للنشر والترجمة في بيروت عقدًا مع دار بريل الهولندية التي تأسست عام 1683، المعنية بدراسات تاريخ الشرق الأوسط والتراث العربي، وذلك لترجمة هذا المشروع الرائد الذي قام به المستشرق مارسيل كوبرشوك، والذي احتوى على خمسة مجلدات، خصّصها للحديث عن عدد من الشعراء النبطيين في المملكة، وتضمن شرحًا للمعاني والكلمات الواردة في القصص والقصائد، وربطها المؤلف بلسان العرب.

ثقافة الصحراء

الرحالة مارسيل كوبرشوك، استغل فترة عمله في المملكة العربية السعودية ومكوثه فيها للعمل على مشاريعه الثقافية، الخاصة بثقافة الصحراء.

وحاول كوربرشوك أن ينقل في مؤلفاته تفاصيل الحياة اليومية التي عاشها في أثناء مكوثه بعض الوقت وملازمته لبعض الشعراء النبطيين، وكيف تأقلم معهم، وكيف كانوا كرماء جدًا معه مثل طبعهم دائمًا مع الضيوف والزوار. يعد الهولندي مارسيل كوربرشوك، من الغربيين المتأخرين نسبيــًا في دراســة تاريخ القبائــل، وقد ركز كثيرًا، في كتابه، على العادات الاجتماعية والشعر النبطي عند بعض القبائل، وكان شغوفــًا ومهتمــًا بالشعر النبطي، ويعد من خبراء الشعر النبطي واللهجات العربية لدى الغربيين.

 

 

قبائل  وشعراء

كانت قبيلة عتيبة بداية بحثه، ومنها انتقل إلى شَمَّر، ومن ثم إلى الدواسر. وفي حين كان الدَّخول وحومل، لا يعدوان أكثر من اسمي مكانين قرأ عنهما الرحالة الغربيون في شعر امرئ القيس، وظلا غامضين دونهم، كان كوربرشوك أول غربي يطأ هذيـن الجبلين، ويتحرى عن سر العلاقة التي كانت تربط امرأ القيس بهما. حتى كثبان الربع الخالي، تلك الصحاري الممتدة زارها هذا الرحالة، متتبعًا وباحثًا عن «سقط اللوى بين الدخول فحومل» في وادي الدواسر حيث ملاعب امرئ القيس ومحبوبته «عنيزة».

وعن تجربة تتبعه لهذين الموقعين، يقول: «.. شققنا أخاديد عبر صحراء شاسعة، تحدها تلال من الغرانيت وتتخللها نتوءات صخرية مبعثرة. وأشار الرجال إلى واحدة من هذه الأطلال: إنها الدّخول!.. كان الماء البارد الزلال تحت الدخول أطيب ماء شربته في الجزيرة العربية. كانت حومل تبعد 16 كم إلى الغرب، ترتفع أكثر من مئة متر، مطلة على البادية صوب بقايا أخرى من التكوينات الصخرية الشبيهة بأطقم الأسنان المتداعية. وفي منتصف الطريق سقط اللوى. «لوى» هو كل ما يلتوي، وسقط هي كتل الصخور التي تدحرجت وما زالت تنتأ من الرمل». قال مقعد البدوي الدليل: «هذا ما كنا نسمي هذه البئر، «سقط اللوى».. والحجارة على حافة البئر موجودة من زمن لا أحد يعرف عمرها. أحيانًا تغطيها الريح بالرمال، وأحيانًا تزيلها الريح مرة أخرى من اتجاه آخر».

 

الصحراء والشعر

شكلت الصحراء العربية عبر التاريخ وحيًا استلهم منه شعراء البادية قصائدهم. ولطالما قصدها رحّالة غربيون لتقصّي تاريخها وتاريخ القبائل التي سكنتها، وفك رموز شِعرها البدوي وألغازه، والإطلالة من خلاله على ما اكتنف هذه البادية الغامضة من حروب القبائل وغزواتها، ومن مغامرات شعرائها. وقد جال الرحالة كوربرشوك في فيافي الربع الخالي، كرحالة نهم يتحرى تاريخ القبائل ونبش ماضيها، منغمسًا راضيًا في حياة البدو، وحفظ أشعارهم ونازلهم في قراءة الشعر بلهجتهم البدوية. وهو في كل ذلك كان يدون ما يشاهد أو يسمع.

البدوي الأخير

يورد كوربرشوك في كتابه الذي عنونه بـ«البدوي الأخير» تفاصيل دقيقة عن حياة البادية اليومية، والخيول العربية، واللهجات والعادات الاجتماعية، والشعر النبطي، وأخلاق البدو، وتعاملاتهم اليومية، والعلاقة الوطيدة بين البدو وبين الصحراء. 

وفي عادات البدو، توقف كثيرًا عند صفة الكرم العربي الأصيل، وذكر أن البدو لا يسألون الضيف من أين؟ وما هي حاجته؟ قبل أن تنتهي أيام الضيافة الثلاثة.

كما تطرق لحيوانات الصحراء ودوابها، حيث لفت نظره الجمل، وتأمل هذا المخلوق الذي يحبه البدو، ووصفه بأنه كائن ذكي ويفهم الإنسان ويدرك المشاعر على كل حال، وذكر كثيرًا من القصص التي يتناقلها البدو والتراث العربي القديم عن ذكاء الجمل، حتى ظن الناس أنه مخلوق من الجن.

 

لقد تمعن كوربرشوك في تفاصيل الصحراء بيئة البدو، وحاول الاستغراق في بحث الإبل ودراستها وإدراك جمالها، وجمال الصحراء، وجمال الإنسان نفسه، كما ركز كثيرًا على العادات الاجتماعية، بالإضافة إلى الشعر النبطي عند بعض القبائل. وكان شغوفًا ومهتمًا بالشعر النبطي، حتى عدّ كوربرشوك من خبراء الشعر النبطي واللهجات العربية لدى الغربيين. يقول في كتابه «البدوي الأخير»: «الشعر نشاط يومي عند البدو وقاسمهم المشترك في أفراحهم وأتراحهم، في مآثرهم وأيامهم التليدة في غزواتهم، وكذلك في مسامراتهم. والشعر عندهم كالنسب يحفظونه عن ظهر قلب». ويقول واصفًا حب السعوديين للشعر النبطي أو الشعبي: 

«الشعر في الجزيرة العربية ليس ثقيلاً ليكون بالتالي مملاً، من أكثر الأشياء طبيعية عند السعودي أن ينعش حديثه بالتحول إلى شكل القصيـد، ثم يعود إلى موضوع الحديــث في أثناء الكلام.. الشعر قاسمهم المشتــرك في أفراحهم وأتراحهم، في مآثرهم وأيامهم التليدة في غزواتهم».  


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview