النسخة التجريبية   

القربة.. وعاء الماء القراح

مشاهدات: 341 2017/06/01 تعليق: 0

قال الشاعر الشعبي القديم حميدان الشويعر في إحدى قصائده القصيرة: «لقيت دوا الظما القربة».. والقربة بترقيق القاف، وتسكين الراء، وعاء مصنوع من جلد الماشية يوضع فيه ماء الشرب لتبريده، في زمن لم يكن هناك ثلج ولا كهرباء.

تتداعى إلى المخيلة صور من ماضي الأجداد، حيث الصحاري والحياة الريفية،  في بيئة هادئة لا يعكر صفو هدوئها ضجيج الأجهزة والمكائن، ولا يقطع الصمت في البيوت الطينية القديمة سوى صوت تساقط قطرات الماء فوق عدد من حبات البطيخ الملفوفة بالخيش، وذاك من قربة عُلقت و ملئت بالماء الزلال. في ذلك الزمن كانت القربة تعد بمنزلة الثلاجة، وكانت تلك هي الطريقة السائدة لتبريد الماء وفاكهة الصيف (البطيخ).

حرفة صناعة القِرَب

عادة ما يبدأ الحرفي عندما يهم بصناعة القربة باختيار الجدي (صغير الماعز) بحيث يكون في عمر وحجم مناسبين، حتى يسهل سلخة بعد ذبحه، ولضمان جودة الجلد وعدم تشققه. وعند الانتهاء من السلخ يقلب الجلد إلى داخله، بحيث يكون الشعر في الداخل، وينثر عليه وفي داخله كميات من الملح لتحميه من التعفن ويترك حتى يجف.

 

ينظف الجلد تنظيفًا جيدًا، وينتف شعره حتى لا يبقى منه شيء ويقلب على وضعه الطبيعي وتربط فتحات الأرجل ربطًا محكمًا، مع أخذ الحيطة والحذر من أن يخرم الجلد، ثم يملح الجلد مرة أخرى. وبعدها بعدة أيام يدبغ الجلد بثمار الأثل المعروف بالكرمع، أو بمسحوق قشر الرمان المجفف حتى تذهب الرائحة الكريهة، ويتحول الجلد إلى مادة لدنة، ومن ثم بالمخراز تخاط النقاط التي يشك في أنها ستسرب الماء.

 

تنقع القربة مرة أخرى وتملأ بالماء وتكرر تلك العملية عدة مرات لمدة أسبوع تقريبًا حتى يخرج الماء منها صافيًا لا خبث فيه، عندها تملأ بالماء القراح وتربط فتحة الرأس بخيط متين، وتعلق باستخدام ما يسمى قنارة، وهي عبارة عن ثلاث عصي مبرومة، وعادة ما تكون من أغصان الأثل السميكة بطول يتجاوز المتر وبسمك الذراع تقريبًا، تجمع رؤوسها وتعقد بحبل متين ثم تفرق نهاياتها الأخرى وتركز في الأرض متباعدة كأرجل ثلاث، وتعلق القربة بحيث تتدلى وسط الحامل (القنارة) باستخدام حبل متين يربط في أعلى القنارة، ثم يؤتى بما يسمى طاسة الشرب، وهي عبارة عن وعاء من المعدن  ويوضع فوقها، مع مراعاة أن تكون القربة تتموضع في مكان ظليل مكشوف لا يخلو من تيارات الهواء التي تضرب القربة، وتساعد على تبخير قطرات النضح الذي يخرج من مسامات الجلد، فتبقى البرودة التي بدورها تبرد الماء داخل القربة.

 

عادات قديمة

من عادات الأجداد الطريفة وضع البطيخ، والشمام، والفواكه، وأوعية اللبن المغطاة تحت القربة، وتغطيتها بالخيش الذي يمتص قطرات الماء الباردة الناضحة من القربة، بحيث تعمل على تبريدها. كما أنه لوقت قريب- أي منذ ما يقارب  نصف قرن ويزيد- كان الناس يستخدمون القربة عندما يذهبون في رحلات برية تصل إلى عدة أيام، كما كانوا يحملونها معهم في السفر ويعلقونها خارج السيارات الكبيرة التي كانت تنقل المسافرين في ذلك الوقت.. القربة كانت رفيق المسافرين وثلاجة البيت التي تسقي العطشى ماء نقيًا باردًا.


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview