النسخة التجريبية   

فدك حرة الحائط

مشاهدات: 930 2017/06/04 تعليق: 0

يقال إن فدك كانت مدينة الحصون والأسوار ونقطة التقاء التاريخ بسحر الطبيعة، فيها تنتشي روحك بعبق التاريخ. كلما وطئت قدماك حرة الحائط أو فدك التاريخية، وليس ثمة ما يسحر الألباب مثل جبل شاهق توشح بالبياض ينبثق من وسط أمواج بحر أسود. 

المنطقة التي تسنى لنا زيارتها تبهرك حقًا بطبغرافيتها وتضاريسها فائقة الغرابة والجمال، وجبالها والمساحات الهائلة المغطاة بأكوام تلو الأكوام من اللابا أو الصهارة السوداء المتراكمة (الحمم المتحجرة)، تحيط بك من كل جانب بملامح جمالية كأنها من خارج كوكب الأرض، لا تنتهي عند حد، تتخللها الأودية كمفارق شعر، يلوح في وسطها الجبل الأبيض كدرة عظيمة، تتجلى في كل شبر منها عظمة الخالق، هذا التنوع البيئي الذي تزخر به الحائط، يجعلها بحق تبدو مثالية لعشاق الرحلات الاستكشافية والجيولوجية.

جذور تاريخية عميقة

للحائط أو فَدك، بفتح الفاء وهو اسمها القديم، أهمية تاريخية كبيرة، إذ تعود إلى فدك بن حام بن نوح، كما يقال أيضا إنها تنسب لفدك من العمالقة. يقول ياقوت الحموي في معجمه: إنها، أي فدك، ضمن المدن التي احتلها ملك بابل عام 566 قبل الميلاد وأطلق عليها مدينة الحصون والأسوار لتميزها بسور عظيم أحاط بها يصل طوله إلى سبعة كيلومترات، وقد يكون ذلك سبب تسميتها بالحائط في العصور المتأخرة، ومما يرسخ هذا المفهوم وجود بقايا للسور فضلاً عن بقايا لأطلال وقلاع وحصون حجرية في أرجاء المنطقة، كما تتميز فدك بوجود كتابات على سفوح جبالها بالخط العربي المسند وتصاوير ورسوم لحيوانات انقرضت ولم يعد لها وجود في المنطقة، تدل في مجملها على تعاقب الحضارات والأمم وترك بصماتها عبر تاريخها الموغل في القدم، وقد كانت فدك قاعدة مهمة لقبيلتي غطفان وعبس ويظهر ذلك جليًا في أشعارهم وقصائدهم التي تمجد عادة وقائعهم وأيامهم، يقول عنترة بن شداد العبسي: 

 

 

طال الثواء على رسوم المنزل       بين المكيك وبين ذات الحرامل

 

والمكيك جبل في فدك، وذات الحرامل واد صغير في فدك أيضًا لا يزال يحمل الاسم نفسه، وقد سكن اليهود فدك وكان لهم حراك عمراني وزراعي، حتى فتحها الرسول، صلى الله عليه وسلم، ولم يوقف عليها بخيل أو ركاب، أي دون حرب، لأن اليهود صالحوه مقابل نصف أو جل نخيل فدك.

الموقع والتضاريس

25.58.720
040.28.499

تمتد الحائط ومن ضمنها فدك من جبل وسمة الفرس شمالاً حتى حدود المدينة المنورة جنوبًا، ومن الجبل الأبيض غربًا إلى جبل العلم شرقًا، وتتبع منطقة حائل، وتقع على مسافة 280 كم جنوب غرب مدينة حائل، وتقدر مساحتها الإجمالية بنحو 24٫000 كم2، وبتعداد سكاني يناهز الثمانين ألفا، يعملون بالزراعة والرعي فضلاً عن الأعمال الحكومية والإدارية، والغالبية العظمى منهم قد استقرت في الحائط المدينة، وهي مدينة صغيرة أهلها كرماء وطيبو المعشر وأكثرهم ينتمون إلى قبيلة بني رشيد. والحائط بدأت تأخذ بأسباب التقدم والمدنية الحديثة أسوة ببقية مدن المملكة، وقد ارتبطت بها إداريًا أكثر من 120 قرية وهجرة، وترتفع المنطقة عن سطح البحر بأكثر من 1٫300م، ما يجعل أجواءها تميل إلى الاعتدال صيفًا وإلى البرودة الشديدة شتاء، وتشقها عدة أودية تشكل بمجموعها روافد لوادي الرمة الشهير. وأهم معالمها الطبيعية الجبل الأبيض الذي يشدك لونه المتميز وسط بحر يكاد لا ينتهي من ركام صخور الحمم البركانية السوداء، وجبل القدر الأسود، وجبال أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها مثل القور والعاقر والصنفرة والبيضاء، ويقطع هذا الصمت الأسود كثبان رملية متعددة الألوان بعضها صفراء محمرة أشبه برمال النفود الكبرى وأخرى داكنة تتكون من فتات الصخور البركانية وحجارة البوزلان، والبوزلان من المكونات الرئيسة لمادة الإسمنت.

 

مغامرة صعود جبل القدر 

لقد استغرقنا صعود جبل القدر العظيم الذي يرتفع لأكثر من 2000م فوق سطح البحر زهاء الساعة ونصف الساعة، واضطررنا إلى السير على الصخور البركانية شديدة الوعورة، وقد تشكلت تلك الصخور من بركان الجبل وتدفقت الحمم على جوانبه واستمرت في الجريان حتى غطت مساحات هائلة حول الجبل، وتحجرت أمواجها بأشكال وتكوينات يعجز اللسان عن وصفها، فمن أكداس الأنابيب إلى أكوام من الدوائر والحلقات فائقة الغرابة إلى كهوف ومغارات وأنفاق مهولة، وكأنها تنتمي إلى عوالم أخرى وتمتد إلى مئات الأمتار تنتظر من يكتشفها ويوثق مواقعها لهواة المغامرة وعلماء الجيولوجيا. عند وصولنا لقمة الجبل هالنا منظر فوهته البركانية المستديرة ربما بقطر يزيد على المئة متر وعمقها السحيق الذي يتجاوز الثمانين مترًا، ويقال إن هذا البركان قد ثار في القرن السابع الهجري واستمر في نشاطه عدة شهور ينفث خلالها الحمم والرماد البركاني، لا سيما أن اللآبة حوله والصخور البركانية تبدو حديثة نسبيًا حسب رأي أحد الجيولوجيين من أهل المنطقة.

الجبل الأبيض

من أمتع ما يمكن أن تراه في منطقة الحائط هو بلا شك الجبل الأبيض الأسطوري، هذا الجبل الذي يرتفع لأكثر من 2٫200م فوق سطح البحر، ويعد سقف المنطقة، فضلاً عن تفرده بلونه الأبيض الوضاء نسبيًا مقارنة بما حوله من سواد مدلهم، وهو سبب تسميته بهذا الاسم، وكان صعوده مجازفة محفوفة بالمخاطر، كون صخوره البركانية من النوع الهش شديد الانحدار. 


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview