النسخة التجريبية   

غيرترود بيل إنجليزية تزور حائل

مشاهدات: 1441 2017/06/04 تعليق: 0

الرحالة مس بيل شخصية مؤثرة على الصعيد السياسي والاجتماعي، حيث كانت تقاريرها وآراؤها سببًا أساسيًا لتقسيم إقليم كردستان إلى أربع مناطق تحت سيطرة أربع دول: العراق، إيران، تركيا، سوريا. وشاركت مجالس سيدات المجتمعات التي زارتها في ذلك الوقت، وتركت بصمتها الإنجليزية عليها.

ولدت غيرترود بيل في الرابع عشر من يوليو 1868 في واشنطن هول، مقاطعة درم في إنكلترا. التحقت بجامعة أوكسفورد قسم التاريخ، وأنهت دراستها بعد سنتين فقط، إذ امتازت بالذكاء والنباهة.

مس بيل أو الخاتون، كما تسمى، باحثة ومستكشفة وعالمة آثار بريطانية، عملت في العراق مستشارة للمندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس، وذلك في عقد العشرينيات من القرن العشرين. بدا اهتمامها بالشرق الأوسط والعرب على وجه الخصوص، إذ اهتمت بحياتهم وبلادهم في نهاية القرن التاسع عشر بداية القرن العشرين، حيث قامت برحلة إلى القدس تعلمت خلالها اللغة العربية، وذلك في عام 1899، واستمرت حتى 1900. وفي يناير من عام 1909 توجهت إلى العراق وهناك اكتشفت آثار الأخيضر.

 

الرحلة المنفردة 

في الثالث عشر من نوفمبر 1913 غادرت غيرترود إنكلترا نحو دمشق، وذلك للقيام برحلة إلى شمال شبه الجزيرة العربية، فقصدت الرحالة الإنجليزي دوغلاس كاروثرز الذي كان قد قام برحلة إلى الجزيرة العربية. لكن الظروف لم تكن مواتية فقامت غيرترود بيل برحلتها منفردة.

 

عندما وصلت بيل إلى دمشق شرعت بالتخطيط للقيام برحلتها الاستكشافية عبر صحراء بادية الشام، ومن ثم الدخول إلى «جزيرة العرب» والوصول إلى حائل، لتكون ثاني امرأة إنكليزية تزور حائل بعد السيدة آن بلنت. كانت غيرترود بيل كلما وصلت إلى دمشق قادمة من العراق تتواصل مع أمير العقيلات التاجر القصيمي محمد البسام، وهو من أهل عنيزة ومقيم في دمشق، فحدثته عن رغبتها في زيارة حائل، وأخبرها بالوقت الملائم لأن تسلك الطريق إلى حائل، ونصحها بشراء هدايا غالية الثمن لتقديمها إلى أمراء القبائل وأمراء حائل، آنذاك. ساعد البسام مس بيل على شراء مطايا من الإبل الأصيلة التي تتحمل مشاق رحلة طويلة تستغرق قرابة ثلاثة أشهر، واختار لها المرافقين والخدم والأدلاء المناسبين.

 

أما بخصوص الأعباء المالية لهذه الرحلة، فلقد اقترضت غيرترود بيل من والدها مبلغ 400 جنيه إسترليني. كما كان معها أدوات المسح الجغرافي مثل جهاز قياس الزوايا، وقياس خطوط الطول والعرض، وخرائط أولية لمنطقة شمال الجزيرة العربية، حصلت عليها من الجمعية الجغرافية الملكية.. ثم انطلقت إلى حائل.

مفاجآت الرمل 

تم تنظيم القافلة بما يوافق التضاريس، حيث تكونت من 17 راحلة من الإبل، بالإضافة إلى الزاد، واشترت عددًا من الهدايا مثل البشوت، والكوفيات والثياب. ولم تنسَ أن تأخذ معها كل ما تحتاج إليه لرفاهيتها في هذه الرحلة، فحزمت أطقمًا من الصحون والمشغولات الفضية والأقمشة الكتانية، وأعمال شكسبير الكاملة، وكتبًا ومجلات وعددًا من الروايات. وإمعانًا في الرفاهية أخذت مغطسًا للاستحمام، وسريرًا وكرسيين. أما حاجتها كباحثة فأخذت كاميرا، ودرابيل، وأدوية، ومراهم، ومسدسات، وأجهزة مسح جغرافي مثل أدوات قياس العرض والطول، وقياس الزوايا التي زودتها بها الجمعية الجغرافية الملكية بلندن.

 

كان المرشد محمد المعراوي هو الذي رافق مس بيل في رحلتها، وكان صاحب خبرات واسعة في معرفته لطرق الجزيرة العربية وتضاريسها ومناخاتها المفاجئة، كما كان مرافقًا سابقًا للرحالة كاروثرز في إحدى رحلاته في الجزيرة العربية، وهو ضليع في معرفة رمال المنطقة وجبالها، بالإضافة إلى حمله لتوصيات البسام، وذلك لتسهيل مهمة الرحلة في العبور والوصول إلى حائل.

 

لا تتوقف معرفة المعراوي بالتضاريس، بل وصلت للأشخاص، حيث كان على معرفة بابن رشيد مقصد مس بيل. قاد المرشد القافلة بنجاح على رمل الصحراء وأراضي الحماد في بادية الشام، إلى أن وصلوا لصحراء النفوذ الكبير التي لم توضع لها أي خرائط، ثم شق طريقه خلال الحواجز الجبلية والكثبان الرملية والأراضي الصخرية الصعبة، إلى أن وصلوا إلى حائل.

رحلتها إلى حائل

كتبت غيرترود بيل في مذكراتها عن هذه الرحلة، وأنها كثيرًا ما اعتقدت أنها وصلت إلى كوكب آخر، وعاشت فيه أجواء ألف ليلة وليلة الحقيقية. رغم أنها قد واجهت عددًا من المصاعب والخوف من قُطَّاع الطرق، إلا أنها كانت ممتلئة بالحماس. وقد شدتها الطبيعة الغريبة للمنطقة، والجمال الساحر في ليالي صحراء النفود، حيث القمر الساطع.

 

 دونت مس بيل مشاهداتها حول الشخصيات التي التقتها في رسائلها التي تعد وثيقة مهمة.. وكان من الشخصيات اللافتة، والتي كثيرًا ما تنشر صورتها على أنها صورة الرحالة، أو إحدى أميرات حائل.. جارية تدعى تركية. فحين قدمت غيرتروبيل إلى حائل أرسل وكيل أمير حائل هذه المرأة التي تدعى تركية، للترحيب بها ومرافقتها. ولقد وصفت بيل هذه المرأة بقولها: « كانت ترتدي رداء قطنيًا خفيفًا، لونه أحمر وأرجواني، وفوقه الجلباب، وتضع وشاحًا مصريًا مطرزًا على رأسها، وسلاسل من اللؤلؤ الخالص مع حبات من الزمرد والياقوت تطوق رقبتها، وقلائد طويلة من الرقبة إلى الصدر، وأسورة حول معصمي يديها من الذهب الخالص المرصع بالألماس». لم تقتصر غيرتروبيل على ذكر تركية، فقد ذكرت العديد من نساء حائل.

الوصول إلى حائل

عندما شارفت القافلة على الوصول إلى جبل أجا، كان رسول وكيل الإمارة في استقبالهم.. حيث أسكنهم قصر الضيافة الذي يقع خارج أسوار مدينة حائل، وكان هذا إيذانًا بالإقامة الجبرية لمس بيل.. إذ كان من المستغرب زيارة امرأة أجنبية للمنطقة، فكان لا يسمح لها بالمغادرة إلا بإذن مع مرافقتها الجارية تركية.. في هذه الرحلة استطاعت غيرترود أن تلتقط صورًا للأشخاص بأزيائهم التقليدية، والأماكن مثل قصر برزان. لكن أجمل ما في رحلتها كان لقاؤها بالمجتمع النسائي في تلك المنطقة، والاطلاع على أزيائهن.. وأطباقهن.. وهمومهن الخاصة.

نهاية الرحلات

نشرت الرحالة غيرترود ملاحظاتها في كتابها «البادية والحاضرة»، وفيه كتبت معلومات رصينة إلى العالم الغربي عن الصحاري العربية. كما تعد «يوميات بيل» أو رسائلها مصدرًا مهمًا من مصادر تاريخ الجزيرة العربية، بالإضافة إلى ما تضمنته من ذكر للأحداث التاريخية في المنطقة.

كانت غيرترود بيل أول امرأة في التاريخ تدون السياسة في رسائل بلغ عددها 1600 رسالة، وكذلك في يوميات بلغ عددها 16 مجلدًا وأربعين كتيبًا صغيرًا و7000 صورة. توفيت في 12 يوليو 1926 بسبب تناولها جرعة زائدة من الدواء، وشيعت تشييعًا مهيبًا، حيث شارك فيه الملك فيصل الأول، ودفنت في مقبرة الإنكليز في باب المعظم وسط بغداد. 



التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview