النسخة التجريبية   

قِيَا تهزم وعثاء السفر

مشاهدات: 206 2017/06/05 تعليق: 0

محمد بن ربيع الغامدي 

منذ نصف قرن وأنا أعبر هذه البلدة الباعثة للأمل، أعبرها من جنوبها الشرقي في رحلتي من الباحة للطائف، ومن شمالها الغربي في إيابي إلى الباحة، أعبرها مرات عديدة خلال العام الواحد، أراقب من ثقب المفتاح كيف تتحرك هذه البلدة الباعثة للأمل، كيف تتخلق فيها الحياة، كيف تنمو، كيف تتمدد، كيف تخلق مشهدًا جديدًا، وكيف تهزم وحشة الطريق.

 

هناك خليج رملي عملاق يمتد على منطقة واسعة بين المويه الجديد وغزايل، مساحة من الرمل تتوغل غربًا نحو السراة، تتوغل فتدفن في توغلها ذلك مساحات أصلية من مناطق الحرّات البركانية، التي تفصل بين السراة ونجد، بل تعد إقليمًا موازيًا للسراة يباريها إلى الشرق منها، متطاولاً معها من شمالها إلى جنوبها، وحيث تجد بقية من تلك الحرات تجد هناك قيا، البلدة الباعثة للأمل.

 

قيا في معاجم اللغة العربية هي قوياء، حولها اللسان الدارج إلى قويا، متخففًا من الهمزة، ثم قايا على عادتنا نحن البدو في الإمالة، ثم قيا. لكن هذا كله لا يهم أبدًا، لا يضيف شيئًا ولا يسلب شيئًا من قيا، الذي أضاف لها هو جهد الإنسان فيها، المواطن الذي يسكن في قيا، والمسؤول الذي تحمّل أمانة الجمال، جمال المكان وجمال الحياة في ذلك المكان.

 

عندما كان ترحالنا على ظهور سيارات اللوري القديمة، كانت الطريق بين الباحة والطائف موزعة على مراحل: معشوقة، بُوا، أبو راكة، شُقْصان، وكنا نمر من قيا، نعرف اسمها لكننا لا نرى سوى مساحات من أرض جرداء، جرداء إلا من بعض شجيرات الطلح، وربما كنا نرى جملاً أو أكثر، وربما نرى قطيعًا من الأغنام، وبعض الرعاة، لكننا ما رأينا بيتًا واحدًا إلا أن نتوغل يمينًا أو يسارًا فنجد بعض الخدور.

 

بعد سنوات تزايدت الخدور، ثم القصور، ثم مرافق خدمات السيارات، بصفتها تكاد تنصّف الطريق إلى الباحة، ثم اشتعلت قيا بيوتًا حديثة، تتخللها المدارس وبعض مرافق الدولة، ثم شبت قيا عن الطوق، فاتسعت مساحتها، وشيدت فيها الحدائق العامة، وتزايد سكانها إلى عشرات الآلاف، وأصبحت طرقاتها مضاءة مرصوفة مزروعة، وكأنها ماسة قد تركها هناك رحّالة من أبطال الأساطير القديمة ثم رحل. 


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview