النسخة التجريبية   

الطائف مدينة الكروم والتراث والحضارة

مشاهدات: 483 2017/07/17 تعليق: 0

د. هيا السمهري- كاتبة سعودية 

الطائف إحدى المدن العريقة في بلادنا شهرة وأصالة وقِدمًا، تقع على السفوح الشرقية لجبال السروات وفي حضن جبل «غزوان», وتبعد عن العاصمة الرياض ٩٠٠ كم, ويربطها بمكة المكرمة طريقان الأول قصير عن طريق جبال العالية، ويسمى «الهدا»، والآخر طريق سريع مزدوج ويسمى «طريق السيل الكبير». كانت الطائف المصيف الأول في بلادنا، المملكة العربية السعودية، وما زالت، حازت ملتقى طرق نجد واليمن والحجاز في سابق زمانها، وبسبب ما اكتست به من حضارة بلادنا الممتدة أصبحت سبلاً فجاجًا. ولقد هيأ لها مناخها العليل المعتدل مستوى من الحظوة، إضافة إلى أنها تنداح على منبسط فسيح من الأرض تطرزه الهضاب والربى الجميلة، وتتخلله أودية خضراء تختال وتنثال هنا وهناك. 

 

من بديع أوصاف الطائف أن أرضها تحمل في ثناياها حصباء مرجانية ذات ألق وبريق تسرّ الناظرين، وتتعانق في أودية الطائف أشجار الطلح لتجذب السياح ليشاركوها العناق والود، وفيها «كروم العنب» النادر نوعًا ومذاقًا، ولآلئ الرمان الذي لا يشبه جنسه في مكان آخر غير محضنه في موقع «لِية» في مدينة الطائف، وبها غزارة ووفرة من التين الشوكي في سفوح الشفا. تمتاز مدينة الطائف بأقدميتها وتوسطها بين مدن بلادنا الحبيبة، وتشتهر بالتراث والآثار، إذ كانت سوق عكاظ تقام في أحد مرتفعات الطائف، وامتدت بعد الإسلام، وأصبحت عكاظ اليوم مهرجانًا ثقافيًا عالميًا حين سقته بلادنا الحبيبة من نمير التنمية السياحية الذي علا وتجلّى. وفي الطائف مسجد الحبر عبدالله بن عباس بن عبدالمطلب، رضي الله عنه. ومن مباني الطائف المشهورة قصور شُبرا، ومن أشهر الأودية «وادي وج»، وهناك يبدو جبل شهير يسمى «الغُمير»، وتتربع قرابة مئتي قرية في محافظة الطائف، وتتبعها إداريًا «بنو سعد»، و«بنو مالك»، و«بنو الحارث»، وتشمخ على أرض الطائف قلاع وحصون تدل على عبقها وعراقتها وعمق ماضيها، ولا تزال الطائف بعمرانها السعودي الباذخ وما شارك جمالها من صروح التعليم في جميع مراحله العام والعالي حيث احتضنت مدرسة دار التوحيد التي بزغت شمسها كأول صروح التعليم المتمكن في الطائف في عهد المؤسس الملك عبدالعزيز، رحمه الله. 

 

احتفت الطائف في العهود الحاضرة بممكنات النهوض الحضاري ومحققات التنمية البشرية، ولا تزال الطائف الباسمة بوردها وذلك الفضاء الذي يشبه أطواق الجمال حينما تحيط بأعناق الحسان، وتلك المدينة التي يبلل العطر رداءها ،ويغمر القطر سماءها، وتصحو على قطرات الندى رياضها وحياضها، وتلك الربوة العالية التي تعانق الضباب ما زالت مكونًا رئيسًا من حشودنا السياحية التي نمت وتجلت. وليس في الطائف ثمة خيام ولا أكواخ ولا أطلال مبعثرة، بل رؤية حضارية خاصة يتمازج إنسانها مع حضارة مدينته، ويسعد حين يزرع حقولاً موروثة، مستمتعًا بالجمال الذي توشى من الطبيعة وتوشحها، فهناك حشد من الصنّاع والزراع أنجبتهم أرض الطائف فحملوا الشغف للأرض واعتصروا من طبيعتها إعلان حب يتساوق مع رونق المكان وأهله، وثمة إشارات توحي بحب صناعة السياحة هناك، ودعم محاضنها، والحنين إلى كل الثقافات فيها، وتجاوز اللحظة الحاضرة إلى لحظات ثرية قادمة، تخطط لمستقبل السياحة في طبيعة الطائف الحافزة، وتؤصل لعشق الطبيعة التي تسكب ودها دفقًا في أماكن متفرقة من مدينة الطائف، حيث تستشرف المدينة قدوم زائريها بلهفة وافرة، ويقام مهرجان الورد الطائفي كل عام، وهو من قواسم حضارة الطائف وتاريخها الأصيل، وتحتفل الطائف بتلك الصناعة، ونلمس في ذلك الاحتفاء لوحات أخاذة يتصدرها توليد الجانب التصويري لمنتج طبيعي يُعد من موروثات الصناعات الشعبية القديمة وإن أشرق بها الحاضر، ويُعد من أثمن الهدايا التي يتهادى بها الأحباب حتى نافس عطور العالم حين وصل أسواقهم, كما أن المهرجان للإعلام رَمز في هذا العصر بما يحتويه من معاني الاحتفاء بالأرض ومعطياتها الجزلة، وجعلها وجهة للسياحة ومحطة للتفاعل المحلي والخارجي, ومن ثمَّ فحصاد المهرجان مكسب وطني وبشري للإسهام في التنمية المعتمدة على النواتج المحلية في طائف الأنس، كما أنه اعتزاز بالموروث المحلي من الصناعات المتصلة بالطبيعة الخلابة.  



التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview