النسخة التجريبية   

اكتشاف آثار في موقع السوق تعود إلى العصر الحجري

مشاهدات: 182 2017/07/18 تعليق: 0

دراسة علمية حديثة لهيئة السياحة والتراث الوطني عن تاريخ سوق عكاظ وآثاره

يعد سوق عكاظ في الطائف أحد أقدم أسواق العرب، ويمثل موقعه أهمية تاريخية أظهرت التنقيبات الأثرية الأخيرة لفرق الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني أنه شهد حضارات تعود إلى العصر الحجري.

 

ويعد سوق عكاظ فصلاً مهمًا في تاريخ العرب قبل الإسلام، فقد كان يمثل تجمعًا اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، وقد تطورت فيه لغتهم، وشعرهم، وأدبهم، وذابت فوارق لهجاتهم، وعاداتهم، وتوحدت لغتهم نحو اللغة العربية الفصحى التي نزل بها القرآن الكريم.

 

وقد بينت الدراسة التي أعدها كل من الأستاذ الدكتور سعد بن عبدالعزيز الراشد، والدكتور فرج الله أحمد يوسف، والدكتور سعيد بن دبيس العتيبي، أن بداية سوق عكاظ كانت في عام 501م أي قبل ظهور الإسلام بقرن، وبعد انتشار الإسلام ضعف نشاط السوق حيث استعاض الناس عنه بأسواق مكة الدائمة، وسوق منى، إلى جانب تأسيس مدن الأمصار في البلاد التي فتحها المسلمون ما جعل الناس يستغنون بأسواقها.

 

ويبدأ سوق عكاظ في أول ذي القعدة من كل عام، فيفد الناس إليه، ويستمر حتى العشرين من ذي القعدة، ثم يرتحل الناس إلى سوق مجنة، فإذا أهلّ شهر ذي الحجة ذهب الناس لسوق المجاز ثم إلى الحج.

 

وكان عكاظ معرضًا تجاريًا شاملاً تُجلب إليه أنواع البضائع المختلفة من هجر والعراق والشام وفارس واليمن، ومن البوادي يجلب إليه السمن، واللبن، والأقط، والأغنام، والإبل، ومن اليمن البُرَد الموشاة، والأدم، ومن الشام السلاح، ومن فارس الطيب والحرير، ومن الطائف الجلود والزبيب والعنب. واشتهر عكاظ ببيع الأدم حتى قيل أديم عكاظي منسوب إليه مع أنه لم يكن ينتج في السوق، بل لكثرة ما يرد من أنواعه إلى عكاظ من مختلف الأنحاء.

وكان عكاظ منتدى ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا للعرب يقصدونه ليبرزوا فيه أخبارهم ويتفاخروا بأدبهم وشرفهم. كما كان مكانًا يظهر فيه العرب مكارمهم شهامةً أو طلبًا للسمعة والشهرة، كما كان عكاظ مكانًا يُشَهّر فيه بالأشخاص، والأحداث، فمن أُسدي له معروف وأراد شكره حضر إلى مجتمع سوق عكاظ وأعلن شكره لمن أسدى إليه المعروف وعدَّد محاسنه. في سوق عكاظ يتم الصلح، وإنهاء العداء، والحكم في القضايا الخلافية والتجارية، وكان الذي يقوم بالقضاء أناس من بني تميم، اشتهر منهم الأقرع بن حابس، وكان قضاة السوق يحرصون على التأكد من مصدر البضائع التي ترد إليه حتى لا تفد على السوق بضائع مسروقة أو غير معروفة. وفي سوق عكاظ يتم إعلان الأحلاف، ومن كانت له إتاوة على قبيلة نزل عكاظ فجاؤوه بها، ومن أراد إجارة أحد هتف بذلك في عكاظ، ومن أراد قومًا بحرب أعلن ذلك في عكاظ.

 

ومن أسباب اختيار سوق عكاظ لإعلان الصلح، والفداء، والمعاهدات، والإجارة، ونحو ذلك، لما يشهده السوق من اجتماع كبير للعرب، وحتى تشهد العرب بذلك وتنشره بين بقية القبائل في كل مكان.

أثر عكاظ في تطور الشعر واللغة

كان النشاط الأدبي من أهم مظاهر سوق عكاظ، واكتسب عكاظ اسمه من المعاكظة بين الشعراء، أي التباري في إلقاء قصائد الفخر، ولا يعني هذا عدم وجود أنواع الشعر الأخرى كالرثاء وغيره، ومعظم القصائد التي تلقى في سوق عكاظ مما أحدثه الشعراء من الشعر، فيحرصون على إلقائه في موسم سوق عكاظ ليسمعه الحاضرون، ويتناقله الرواة. وكان كبار الشعراء يعلقون القصائد في عكاظ افتخارًا بفصاحتها.

 

وتذكر المصادر أسماء كبار الشعراء الذين يحضرون موسم سوق عكاظ، ومنهم النابغة الذبياني، والنابغة الجعدي، وحسان بن ثابت، وعمرو بن كلثوم، والمستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد، وغيران بن سلمة، والأعشى، والخنساء (تماضر بنت عمرو)، والأغلب العجلي، وهديم بن جواس التميمي، والراهب المحاربي، والسليك بن السلكة، وغيرهم كثير. وفي عكاظ نوع آخر من الأدب، وهو الخطب، وكان للخطبة والخطباء عند العرب مكانة لا تقل أهمية عن الشعر. 

 

وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حاضرًا موسم سوق عكاظ سنة إلقاء قس بن ساعدة لخطبته، فقد روي عن قصة وفد قبيلة إياد أنه لما قدم الوفد إلى رسول، صلى الله عليه وسلم، ليعلن إسلام القبيلة، سألهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن قس بن ساعدة الإيادي، فقالوا مات يا رسول الله، فقال: «كأني أنظر إليه بسوق عكاظ على جمل له أوراق، وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة، ما أجدني أحفظه»، فقال أحدهم إني أحفظه يا رسول الله، وتلا عليه بعض خطبة قس بن ساعدة.

آثار سوق عكاظ

أشارت الدراسة إلى أن أرض سوق عكاظ في الجاهلية وصدر الإسلام كانت صحراء مستوية لا عَلَم فيها ولا جبل، ولم تذكر المصادر أي إنشاءات أو مبان في موضع السوق، بل كانت تنصب القباب أيام السوق لحكام عكاظ. وبينت الدراسة أن المنطقة لم تخل من دلائل الاستيطان لفترة ما قبل التاريخ، حيث وجد في الجنوب من سوق عكاظ بحوالي 5كم، مرتفعان جبليان يربط بينهما أساس جدار بطول 300م، وعرض 2م، وفوق قمة كل مرتفع مجموعة من الركامات الحجرية. كما عثر على ملتقطات سطحية عبارة عن شظايا من حجر الصوان، تظهر على بعضها آثار تقنية التصنيع. ويرجح أن بعض تلك المنشآت مقابر تعود للفترة المتأخرة من العصر الحجري الحديث، أو فترة  عصر البرونز.

 

 

وفي منطقة العرفاء التي هي امتداد لمنطقة سوق عكاظ الجغرافية من الناحية الشمالية، سجلت أعمال المسح الأثري عددًا من مواقع الرسوم الصخرية، حيث سُجّلت أعداد كبيرة من الرسوم الآدمية والحيوانية، منها مناظر معارك بالقوس والسهم، ومناظر لصيد الوعول باستخدام كلاب الصيد، وأعداد كثيرة لرسوم الإنسان، ورسوم أبقار بقرون متجهة إلى الأمام، ورسوم الوسوم المختلفة الأشكال. 

 

إضافة إلى موقع العرفاء، وجدت الرسوم الصخرية في منطقة عكاظ على هضبة السرايا الحمراء في موقع سوق عكاظ، حيث وجدت رسوم تجريدية منفذة بألوان سوداء تمثل رسم حصان يظهر عليه راكب، وأشكال أخرى غير مميزة بسبب تأثرها بعوامل التعرية. وفي مواقع وداي لوان، شرق سوق عكاظ بمسافة 7كم، وجد على امتداد الوادي موقعان للرسوم الصخرية على صخرات على طرف مجرى الوادي، يشتمل أحدهما على رسوم لأبقار ورسم آدمي بشكل تجريدي، واشتمل الموقع الآخر على رسم متقن لجمل. وتم توثيق عدد من النقوش المعروفة بالخط الثمودي المتأخر في مواقع العرفاء ووادي لوان، وهي نوع من النقوش التذكارية القصيرة. 

 

وكشفت أعمال المسح الأثري في محيط سوق عكاظ عن عدد من المواقع الأثرية منها موقع العبل الذي يقع شرق سوق عكاظ بمسافة 2كم، وهو معلم طبيعي عبارة عن تل مرتفع يتكون من قمتين، يوجد على قمته دائرة حجرية، وقد تكون إحدى علامات طريق الحج اليمني، كما وجد عدد من أساسات المباني الأثرية على بعد 500م شمال غرب البوابة الشمالية لسوق عكاظ، بعضها تبقت منه أجزاء من أساساتها، وبعضها يمكن تمييز تفاصيل تخطيطها.  وسجلت أعمال المسح الأثري عددًا من النقوش الإسلامية مدونة على هضبة السرايا الحمراء في وسط عكاظ، وهي من نوع النقوش التذكارية التي يسجلها المسافرون على سفوح الجبال القريبة من مسارات الطرق، أو يسجلها المقيمون في المنطقة، وتتضمن مثل هذه النقوش عبارات أدعية مختلفة المضامين، مثل طلب الرحمة والمغفرة، أو آيات قرآنية ونحو ذلك. وتنفذ تلك الكتابات بطريقة الحز السطحي بالخط الكوفي غير المنقوط، ومعظمها غير مؤرخ، إلا أنه من خلال مقارنة أشكال الحروف ومضامينها وأساليب تنفيذها مع ما وجد مؤرخًا، فإن فترة تاريخ النقوش التذكارية تراوح بين القرن الأول والثالث الهجري.
ومن المواقع الأثرية المهمة قرب سوق عكاظ بئر البيضاء التي تقع جنوب شرق سوق عكاظ بمسافة 2.47كم، وكانت أحد مصادر المياه في منطقة سوق عكاظ، وعلى طريق الحج اليمني حيث وجد في الجهة الغربية منها أساسات بناء تعود للعصر الإسلامي المبكر. ويبدو أنها ظلت تجدد وتستخدم حتى وقت قريب، إذ توجد طبقة من الإسمنت استخدمت لتجديد محيط جدارها الخارجي من الأعلى.

 

وتوجد في منطقة عكاظ قلاع وقصور تاريخية تعود إلى الفترة الإسلامية المتقدمة، من أبرزها قصر مشرفة الذي يعود لفترة العصر الإسلامي المبكر (الفترة الأموية والعباسية)، وقلعة العرفاء التي بنيت في أواخر القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي)، وقلعة مروان على بعد 3كم جنوب سوق عكاظ. 



التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview