النسخة التجريبية   

الأخدود.. شاهد ومشهود

مشاهدات: 2227 2015/02/01 تعليق: 0

محرقة الأخدود ثابتة في القرآن الكريم والتاريخ، وهي تعد من المآسي الإنسانية. ومن المؤكد أن وجود آثار هذه المحرقة في مدينة نجران السعودية يجعلها مقصدًا مهمًّا للسياح، حيث يفد إليها الآلاف سنويًا من شتى بقاع العالم ليقفوا على آثار مهمة

فريق ترحال

موقع الأخدود

الوصول إلى موقع أصحاب الأخدود لم يكن صعبًا، إذ كان الطريق سهلاً ومعبدًا، خلافًا لمن طرقه منذ عقدين من الزمن. الموقع الأثري للأخدود التاريخية يقع في قرية القابل على وادي نجران، وتحديدًا في رقمات عاصمة نجران القديمة، أو نجرن كما وردت في نقوش جنوب الجزيرة وكتاباتها.
لو قُدر للسائح أن ينتقي للسكن أحد الفنادق المتوافرة في شارع الملك عبدالعزيز، في نجران، فإن الموقع لا يبعد عن الأخدود سوى 15 كيلو مترًا فقط. منطقة الأخدود الأثرية تحتل ما يقارب خمسة كيلو مترات مربعة على أرض مستوية، وهي مسيجة اليوم وتظهر فيها بقايا قلعة الأخدود التي بنيت بحجارة ضخمة مربعة الشكل تنم عن قدرة عالية في فن الهندسة المعمارية في تلك الحقبة الزمنية السحيقة، إضافة إلى جدران متهدمة منحوتة بدقة، وممهورة بكتابات بالخط المسند. ويشهد موقع الأخدود عناية كبيرة من الهيئة العامة للسياحة والآثار أثمرت تكثيفًا لإعمال البحث العلمي والتنقيب الأثري، وتطويرًا للموقع وخدمات الزوار وتوفير المعلومة، فتح الزيارات وتهيئة المسارات للعمل مع أمانة نجران والمؤسسات الحكومية الأخرى للتطوير. لعل من الأمور اللافتة في موقع الأخدود الأثري الرحى العظيمة التي يبلغ قطرها أقل من مترين، وارتفاعها نحو متر وربع المتر، وقد نحتت بدقة من حجر الغرانيت وبأبعاد هندسية تدعو للدهشة، وذلك لعظم حجمها وثقلها، ويرجح أنها كانت تدار بقوة الجمال أو الثيران. ولقد تُركت الرحى اليوم في المكان الذي وجدت فيه. يرجح علماء الآثار أن المكان الذي وُجدت فيه كان سوقًا لأهالي الأخدود وملتقى للقوافل التجارية. رقمات أو الأخدود موقع الحادثة التاريخية هي مدينة مربعة الشكل ومحصنة، يرجع تاريخها إلى ما بين القرن الخامس قبل الميلاد والقرن الثالث الميلادي، وهذا يكاد يتزامن مع ظهور العرب حسب السجلات الآشورية القديمة التي تعود إلى ما بين 850 قبل الميلاد و600 قبل الميلاد، وتتضمن فيما تتضمنه إشارات كثيرة إلى القبائل العربية في شمال الجزيرة العربية ومراكزهم الرئيسة مثل منطقة حائل والجوف (أدوماتو) والعلا (ديدان)، وثمة موقع مهم آخر على بعد 25 كيلو مترًا من موقع الأخدود يضم عمودًا وصفًا من الحجارة على شكل شبه دائري، وقد شيدت على جبل (تصلال)، وشيدها بنو عبدالمدان بن الديان الحارثي ربما بإيعاز من أبرهة الأشرم قبل الإسلام، وحج إليها الجهال من العرب طوال أربعين سنة اعتقادًا منهم بقداستها. يذكر أن هناك مواقع معاصرة للأخدود وضمن نطاقه وتمثل حلقات مهمة في قراءة تاريخه.

قصة الأخدود

تعرضت مدينة الأخدود في نجران في القرن السادس الميلادي قبل الإسلام إلى غزو آخر ملوك الدولة الحميرية، يوسف أسار أو أزار، المشهور بلقب ذي نواس، وكان يدين باليهودية ويدعو الناس إليها، وفرضها على المناطق الواقعة تحت نفوذه ومنها نجران. وعندما علم أن أهل نجران اعتنقوا الديانة النصرانية بدأ بإرسال الدعاة إليهم لعلهم يرجعون عن ذلك، ولكن دون جدوى. عندها قرر غزو البلد الحليف، فحشد الجيش، وسار على رأسه، وحاصر المدينة ما يقارب ستة أشهر من عام 524 إلى عام 525، ودخل في مفاوضات مع أهلها لثنيهم عن اتباع الدين الجديد، والعودة إلى ما كانوا عليه. بيد أن محاولاته باءت بالفشل، ولما تمكن منهم أخيرًا وظفر بهم خيَّرهم مرة أخرى بين العودة لديانته والموت حرقًا، فرفضوا ذلك، وهذا الأمر أغضب ذي نواس وأمر بنجر الأخاديد وهي الخنادق المحفورة بالأرض وإضرام النار فيها، وأحرق وقتل ومثّل بما يقارب العشرين ألف شخص، على أرجح الروايات. كانت لتلك المحرقة الرهيبة نتائج وأبعاد خطيرة على المديين القريب والبعيد، حيث كان يؤتى بالرجل ويعرض على النار ويساوم إما أن يترك دينه الجديد أو أن يلقى في النار. وهكذا حتى أتى الدور على امرأة جاءت تحمل طفلاً رضيعًا فترددت في إلقاء نفسها خوفًا وجزعًا على الطفل، ونازعتها عاطفة الأمومة الجياشة، وفي تلك اللحظة الغارقة في طوفان من الرعب ينطق الله الرضيع، ويأمرها أن تلقي بنفسها في النار ففعلت! وقد وردت القصة بتفاصيلها في الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن صهيب، رضي الله عنه. ولعل الآثار الباقية اليوم في الأخدود شاهدة على ذلك، حيث يرى المتتبع آثارًا عظمية بعضها تحجر، ويرى الباحثون أنها عظام تعرضت للحرق قبل موت أصحابها.
بحسب التسلسل التاريخي فإن قيصر الروم تفاعل مع الحدث الرهيب في القرن السادس الميلادي عندما استنجد به من أفلت من المحرقة، فأرسل جيشًا قوامه سبعة آلاف مقاتل، ولم تفلح تلك الحملة في القضاء على ذي نواس، بيد أن الذي قضى عليه وعلى دولته هو ملك الحبشة عندما أرسل جيشًا كبيرًا قوامه 70 ألف مقاتل بقيادة القائد أرياط وبدعم من الدولة البيزنطية، واحتل جنوب الجزيرة العربية، واستمر هذا الاحتلال نحو 50 عامًا، وعندما طال أمد الاحتلال، استنجد العرب بقيادة سيف بن ذي يزن بكسرى أنو شروان، إمبراطور الفرس، الذي سارع إلى إرسال جيش أسهم في طرد الأحباش، إلا أن الفرس استهواهم الاحتلال وبقوا حتى بزوغ شمس الإسلام التي بددت ضلالهم. وبقي موقع الأخدود شاهدًا ومشهودًا على قتل (أصحاب الأخدود).


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview