النسخة التجريبية   

جوزيف بيتس «الحاج يوسف» أول رحـالة إنـجـليزي يصل إلى الحجـاز

مشاهدات: 201 2017/09/11 تعليق: 0

عبدالعزيز العنـزي  

كانت الجزيرة العربية وما زالت، بمقوماتها وتاريخها العريق، وتضاريسها المتنوعة، وطبيعتها المختلفة، وجهة لكثير من الرحالة والزائرين الغربيين، الذين قاموا في فترات زمنية مختلفة برحلات لاستكشاف هذا الجزء من العالم. على الرغم من المخاطر والمصاعب التي كانت تحف تلك الرحلات في الزمن الماضي، نظرًا لصعوبة المواصلات، ووعورة الطرق، وانعدام وسائل الاتصالات، وشح المياه، إضافة إلى العديد من المصاعب الأخرى، إلا أن كثيرًا من الرحالة وصلوا إلى الجزيرة العربية، ووثقوا مشاهداتهم، وسردوا تفاصيل يومياتهم في تلك الرحلات.

 

عند استعراض الرحلات التي قام بها الرحالة الغربيون إلى الجزيرة العربية، يبرز اسم الرحالة الأوروبي «جوزيف بيتس»، الذي تشير كثير من الأدبيات والمصادر التاريخية إليه كأول إنجليزي يتمكن من زيارة مكة المكرمة، وثاني أوروبي بعد البرتغالي لودفيكو دي فارتيما المعروف بالحاج يونس المصري.

رحالة من القرن السابع عشر 

جوزيف بيتس الذى تسمى باسم الحاج يوسف، رحالة شاب وقع في الأسر في الجزائر وقام مع مولاه برحلة إلى الديار المقدسة ومر بمصر فكتب عنها أكثر مما كتب عن الحجاز، والكتاب يعد وثيقة مهمة عن أحوال مصر والحجاز فى القرن السابع عشر.

 

ولد بيتس سنة 1663 وفي مرحلة مراهقته كان مهووسًا بالبحار وحياة السفن والتنقل والإبحار من مكان إلى آخر، فاشتغل بحارًا بإحدى السفن وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من العمر.

 

وفي إحدى رحلاته البحرية، وقعت مواجهة حربية بحرية انتهت بأن وقع بيتس في الأسر بالجزائر، فعمل لدى شخص جزائري قام بدعوته للإسلام، فوافق بيتس، وسمى نفسه «الحاج يسف». انطلق الاثنان في رحلة لأداء شعيرة الحج، كان ذلك في عام 1680، حيث استقلوا سفينة ضمن ركب الحج الجزائري عبر البحر الأبيض المتوسط. وبعد ما يزيد على 40 يومًا وصلا إلى الإسكندرية التي مكثا بها زهاء 20 يومًا، ومنها إلى القاهرة، ثم أكملا رحلتهما عبر البحر حتى استقرا في ميناء رابغ حيث ميقات القادمين من مصر، فقاما بارتداء لباس الإحرام. ومنها وصلا إلى جدة، حيث قاما بالاتفاق مع بعض الأدلاء لمساعدتهما على الوصول إلى مكة المكرمة.

 

 

رحلة إلى مكة المكرمة وأداء الحج

أكمل بيتس رحلته فتوجه إلى مكة، حيث يشير إلى أنه دخلها من شارع واسع يتوسط مبان تتناثر على يمينه ويساره، ويؤدي هذا الطريق إلى الحرم مباشرة، حتى دخل الحرم المكي من باب السلام. ويقول بيتس إنه تأثر كثيرًا حين سمع تلبية الحجاج لأول مرة، ولم يستطع أن يحبس دموعه. كما وصف تأثر الحجاج لدى مشاهدتهم الكعبة المشرفة وطوافهم حولها، وهو التأثر ذاته عند مشاهدة مواكب الحجيج الواقفين على صعيد عرفات، وعن ذلك المشهد يقول: «لقد كان مشهدًا يخلب اللب حقًا أن ترى هذه الآلاف المؤلفة في لباس التواضع والتجرد من ملذات الدنيا، برؤوسهم العارية وقد بللت الدموع وجناتهم، وأن تسمع تضرعاتهم طالبين الغفران والصفح لبدء حياة جديدة». سطر بيتس، كثيرًا من مشاهداته في رحلته هذه، حيث وصف الحرم وذكر أن له 42 بابًا، وتتوسط الكعبة الحرم، وهي مكسوة بالقماش الأسود ومطرزة بالخيوط الذهبية، وعليها بعض الكتابات ولها باب جميل بارتفاع مترين. كما تطرق للحديث عن ماء زمزم، والسعي بين الصفا والمروة، ومشاهد أيام التشريق. وتحدث عن جو مكة شديد الحرارة، وعن مبانيها التي بدت له متواضعة وغير مؤهلة لاستقبال آلاف الحجاج في تلك الحقبة الزمنية. وعقب نهاية الحج، توجه ومن معه إلى المدينة المنورة، حيث استأجروا جمالاً، وسارت القافلة لمدة عشرة أيام حتى وصلت إلى المدينة النبوية، وقد تناول بيتس وصف تلك الأيام وصعوبة الرحلة والخوف من اللصوص وقطاع الطرق وما إلى ذلك من مصاعب ومخاطر في القرن السابع عشر. كان من متاعب تلك الرحلة ارتفاع درجات الحرارة بشكل مرهق، حيث يضطرهم ذلك إلى الارتحال ليلاً والمكوث نهارًا. 

 

 

المحطة الأخيرة ونهاية القصة 

وصل بيتس إلى المدينة المنورة ومكث فيها يومين. ووصفها بأنها بلدة متواضعة ليست كبيرة في مساحتها ومبانيها عادية يطوّقها سُور يميل إلى الشكل الدائري. كما وصف الحرم النبوي الذي قال عنه إنه من المشاهد النابضة في المدينة، وكان مبنى كبيرًا جدًا. أيضًا تناول بيتس بالوصف حرص الحجاج على زيارة الحرم النبوي قبل المغادرة إلى بلدانهم، وتأثرهم ودعاءهم عند زيارتهم قبر الرسول عليه الصلاة والسلام.  انقضت رحلة بيتس للحجاز والتي شملت كلاً من رابغ وجدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة، وعاد إلى الجزائر، حيث استقر بها فترة من الزمن قبل أن يقرر العودة إلى بلاده بريطانيا، فانطلق إليها مرورًا بإيطاليا وألمانيا وهولندا حتى وصل إنجلترا، فواجه العديد من المتاعب ما جعله يندم على ترك البلاد العربية.

 

كتب بيتس كتابًا عن الإسلام عام 1704 لاقى انتشارًا واسعًا في تلك الفترة، ويشار إلى أن كتابه كان خاليًا من التعصب ضد الإسلام والمسلمين، كما أنه تضمن وصفًا لرحلته إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة. وتورد بعض الكتابات التي تناولت سيرة بيتس أنه ظل عاكفًا على قراءة الكتب التي تتعلق بالإسلام والتفرغ لتفنيد ما جاء فيها من مغالطات، فقد منحته معايشته الطويلة للمسلمين وزيارته الأماكن المقدسة في مكة والمدينة فرصة لمعرفة التشريعات الإسلامية السمحة ودعوتها للتعامل بالأخلاق الفاضلة والسلوك السوي. 


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview