النسخة التجريبية   

الخرج عيون وتاريخ

مشاهدات: 200 2017/09/11 تعليق: 0

د. هيا السمهري 

كانت جولتي في «الخرج» جولة  ثقافية, إلا أنه من جميل سوانحها أن كانت عيون الخرج الفوارة من منابعها وكان البساط الطبيعي الأخضر الذي يلوّح مرحبًا بكل محمولات إنسان هذه البلاد الطيبة دثار رحلتي! فعندما حطت رحالي هناك في الخرج مع نساء الصالون الأدبي، كان لهن حضور واع، وملأن سمعي بحكايات الخرج بكل حميميتها، حيث روين لي أن تسمية «الخرج» تعني الغلة أو ما يخرج من الأرض، وأنها كذلك منطقة زراعية ذات إنتاج يغطي حاجة «الحرمين» في عهود سابقة. وكان من الاستدلالات التي اهتز لها سمعي في ذلك اليوم ما ذكره عبدالله ابن خميس، صاحب «معجم اليمامة» ,رحمه الله,أن «الخرج ذات تاريخ عريق يرجع إلى العرب البائدة، فقد كانت قبيلة جديس تسكن الخرج وما حولها. أما في الجاهلية فقد كانت الخرج منافسًا كبيرًا لحجر وهي مدينة الرياض الآن». 

 

وحول الخرج حصن منيع آنذاك يسمى حصن «خضرمة»، والخرج أخصب إقليم في بلاد اليمامة، وأوسعها رقعة، وأكثرها ماء، وأشهرها إنتاجًا، تلتقي فيها أودية عظام من أكبر أودية العارض وأبعدها مدى، بها عيون جارية تفيض عليها وتشبعها نماء وخضرة نضرة، فكأن هذه العيون بحيرات لا يدرك لها قعر ولا يغيض لها معين، إذا توسطت الشمس كبد السماء وألقت أشعتها على تلك العيون الساجية، عند ذلك نشاهد تحت الماء منظرًا عجبًا من أنوف جبال بارزة إلى مغارات موحشة، وسراديب مظلمة، وعمق بعيد تتكسر أشعة الشمس دون مداه.

 

كانت نساء الخرج صورة جلية يمثلن بيئتهن، فلقد عرفناها من خلال التلوين السردي في أثناء القص والحكاية في أثناءجلوسهن الواعي، وأبدعت كل واحدة منهن في استحضار الزوايا الذكية لفضاءات الخرج ومدنها وقراها وتضاريسها المعتقة، فهناك توق نحو «الدلم»، وبوح جميل يدغدغ أحلام «نعجان»، وجدل ناعم وفير نحو «الهياثم» ينتهي بسلم وأمن، وهناك «يمامة» تطير أخبارها فوق هام السحب كما هي بلادنا، وتتربع «السلمية» لتتحدث عن ماضيها الذي  يسترفد ما ينفع الناس، و«الضبيعة» ترقى إلى جبال فيحاء شماء تعانق السماء، وهناك في مستراد الخرج تجاوزت النساء النمطية في اقتناص اللحظات المميزة التي اختصت بها بيئة الخرج. أما أنا فقد خرجتُ من أمسيتي الأدبية وقد أيقنتُ أن الارتهان إلى محفوظ أولئك النساء وثقافتهن هو ما جعل الخرج تصنع في أعماقهن رؤى جديدة يتناغم داخلها المحفوظ مع المشاهد، كما أن شواهد الخرج ومعالمها تتنامى لتستبطن روح القدماء وتستجلبها بود لتبرز الحاضر التنموي الجميل لكل مفاصل الخرج ودروبها، استعرضت النساء قصص جداتهن اللاتي طوى وجودهن الموت، وكن يتحدثن عن شظف العيش واللهاث الحارق من الشباب خلف وظيفة خارج أسوار الخرج الزراعية، وكان إصرار الأجداد على فضاء الخرج وإن قل نداه، وكان الأجداد يرفضون مغادرة البيوت الطينية في خرجهم الجميل لقناعتهم أن السكنى خارج ذلك الفضاء ستتبعها ضريبة تدفعها الأسرة ربما طالت عفوية الإنسان وسكونه. ثم جاء الواقع التنموي للخرج ملزمًا فكانت زراعية وصناعية وذات منارات متعددة، يوظف عند ساكنيها عمق الإحساس بالحياة. نعم إنهن يتحدثن عن مدينة قفز واقعها وتباهت بذلك الواقع التنموي الحضاري وأشرقت كل مدنها ومراكزها وأصبحت مستقرًا ومسترادًا.

 

لقد وجدتُ في الخرج خروجًا مبهجًا للحياة، ورأيتُ في نخيلها الباسقات شموخ أهلها وطموحهم نحو المعرفة المتميزة، ورأيتُ حراكها التنموي الممتد المتعدد حتى تكونت للثقافة منصات حكومية وخاصة وللنساء نصيب مما فرضت المرجعيات الثقافية الرسمية. 

 

وتبدو جامعة الأمير سطام منبرًا يعلو المنابر في فضاء الخرج الجميل، وفي كل منصات التنمية يعلو المكان وآثاره التليدة والجديدة التي دائمًا ما تعلن عن واقع مكاني وتنموي جميل ومستقبل مشرق بإذن الله. ولله در شاعر الخرج ميمون السبيعي إذ قال:

 

يا خرجُ هاكِ هواي هاكِ من أدبي 
هاكِ هدية حبي عند منقلبي 
حبيبتي هل تميلي تسمعي غزلي 
إذ أنتِ لا أخرى أبغي عندها طلبي 
لو أنني شاعر مغرى بحرفته 
أو أنني المتنبي في هوى حلبِ 
أو كنتُ شوقي منفيًا ومنشرحًا
يغازل النيل في أهل ومغتربِ
لقلتُ عصماء تحكي في شمائلها 
نخلاً من الخرج في دانٍ من الرطبِ 


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview