النسخة التجريبية   

جيل جرفيه كورتلمون

مشاهدات: 268 2017/10/31 تعليق: 0

رحلة نادرة إلى الحجـاز

كانت رحلة الفرنسي جرفيه كورتلمون التي قام بها إلى الحجاز قبل 117 عامًا، تختلف عن غيرها من الرحلات، حيث ذكر تفاصيل دقيقة عن الحياة العامة في المنطقة، كما تم توثيقها بالصور الملونة.

ولد الرحالة الفرنسي كورتلمون بفرنسا في الأول من يوليو عام 1863، وهو الولد الوحيد للويس فكتور جرفيه. كان والده ميسور الحال، وكانت والدته ربة بيت، وتعزف على البيانو، ما مكنها من إعطاء دروس في هذه الآلة.

عقب وفاة والده تزوجت والدته برجل يقال له جيل، فغادرت الأسرة كلها للعيش في الجزائر سنة 1290هـ الموافق 1874م، فاستقرت فيها، وفي الجزائر العاصمة أكمل جيل دراسته. كان شغوفًا بالاستطلاع، فشرع في الاهتمام بالإسلام، ولأنه كان مصورًا بارعًا فتح في أحد شوارع الجزائر العاصمة معرضًا صغيرًا لبيع الصور.

الرحالة الفوتوغرافي

كان كورتلمون محبًا للترحال، فسافر إلى مناطق مختلفة من الجزائر، والقاهرة، والقدس، ودمشق، وعاد بزاد من الصور التي نشرها في مجلته، أو التي عرضها للبيع في معرضه الذي يقع في شارع الألوان الثلاثة بمدينة الجزائر العاصمة. تزوج من ابنة أحد أصدقائه (هيلين) قبيل رحلته إلى مكة المكرمة. وبعد ذلك ذهب إلى باريس، وافتتح معرضًا لبيع الصور الملونة التي كانت تعد من أحدث التقنيات في ذلك العصر. وكان يلقي محاضرات عن رحلته، وبخاصة رحلته إلى مكة المكرمة، ويعرض صور تلك الرحلات. لقد كان كورتلمون أحد أولئك الرحالة الغربيين الذين كشفوا عن معالم الحجاز وتحديدًا مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتفاصيل الحياة اليومية بها في تلك الفترة من الزمن، وفي كشف جوانب من أخبارها وأحوالها، رغم ما واجهه في سبيل ذلك من الأخطار والصعوبات، وما تحمله من أنماط من الحياة الجدية عليه.

بداية الرحلة

يورد كثير من الأدبيات والكتابات المتعلقة بأدب الرحلات، أن كورتلمون أسلم وسافر إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وكذلك إلى المدينة المنورة للصلاة في المسجد النبوي، وكتب عن رحلة حجه كتابًا سماه «رحلتي إلى مكة المكرمة». 
في تفاصيل خط سير رحلته إلى مكة المكرمة، بدأت رحلته بعد أن تعرف على رجل جزائري اسمه الحاج آكلي واصطحبه في رحلة من الجزائر إلى جدة، وذلك عام 1894 عبر سفينة أبحرت لمدة عشرة أيام، منها ثلاثة أيام من السويس إلى جدة، وقد وصف رحلته خلال البحر ومن ذلك قوله: «رسونا على مسافة عدة أميال من البر، أكثر من المسافة المعتادة، لأن ربان سفينتنا شديد الاحتياط، فهو لا يريد الزيادة في عدد السفن التي غرقت على الساحل الممتلئ بحطامها، إذ نرى هنا سفينة تجارية مشطورة إلى نصفين وهناك يظهر لنا على سطح الماء، شراع وبجانبه قمة مدخنة، وبموازاة ضفة البحر تنتشر علامات صخور متموجة تبرز في مستوى سطح المياه تدل على وجود أرصفة مرجانية». 

أيام في جدة ومكة

قضى كورتلمون عدة أيام في جدة، ووصفها بأنها مبنية على ساحل البحر، في منبسط رملي منخفض، وأن جوها حار، وتوجد بعض الأشجار الشوكية في باب المدينة، وأن الشوارع والبازارات مملوءة بالحيوية، وهي أشبه ما تكون بمركز تجاري كبير، والبيوت محكمة البناء، جدرانها من الحجر، مزينة بأجمل أنواع المشربيات.

 

عندما سافر الرحالة كورتلمون من جدة إلى مكة المكرمة وصف مسار رحلته، ووسيلة النقل التي استخدمها لذلك، والمدة التي استغرقتها الرحلة في كتابه، ومن ذلك قوله: « لبست ثوب الإحرام. هأنذا على الطريق أمتطي حماري، عاري الجذع، حليق الرأس، في الساعة الثانية ظهرًا، تحت وهج شمس محرقة. سرنا في منبسط رملي نحو 16 كلم، ثم ارتفع الطريق بشكل غير ملحوظ، منزلقًا بين جبال الحجاز الجرداء، التي تتتابع خلجانها، الشبيهة بالبراكين الخامدة، كحبات سبحة طويلة. لقد سوت حوافر القوافل، بمرورها على مر السنين، الصخور التي كانت تشكل عوائق على الطريق، فأصبحت الطريق مستوية تشبه تمامًا مجرى وادٍ رملي جاف». ثم يعاود وصف الأوقات في هذه الرحلة فيقول: «ينزل الظلام في هذه المنطقة بشكل مفاجئ تقريبًا، وفترة الغروب لا تستغرق وقتًا طويلاً، كما أن نور القمر الخافت لا يظهر إلا نحو الساعة الثانية بعد منتصف الليل».

 

يتابع كورتلمون الحديث عن الطريق في كتابه: «ومرة أخرى وجدنا أنفسنا من جديد في المنخفضات الدائرية، وهي حفر سوداء بعيدة القرار، فأخذتني سنة من النوم، وبدأت في الحلم». بمثل هذا الوصف كان يرصد كل ما يراه في طريقه حتى وصل إلى مكة.

مشاهدات في مكة

حال وصوله إلى مكة المكرمة، بدأ كورتلمون في رصد دقيق لها ولمعالمها وطرقاتها وموقع الحرم فيها، وللكعبة ولصفوف المصلين في الصلاة داخل الحرم والذين قدر عددهم بنحو 20 ألف مصل. ثم وصف الحجر الأسود وموضعه بأنه على شكل قرص من الفضة السميكة وعرضه نحو 80 سم، ذو شكل بيضاوي. كما وصف جبلا الصفا والمروة بأنهما جبلان مكشوفان يبعدان بعضهما عن بعض بنحو خمسمئة متر.

لقد وصف جيل جرفيه كورتلمون في كتابه المشار إليه «رحلتي إلى مكة» هذه المدينة المقدسة وصفًا مفصلاً ومزودًا بكثير من الصور التي تعد من أوائل الصور لها. وفي معرض وصفه عنها وعن سكانها وتفاصيل الحياة اليومية بها، يقول: « تتوافر جميع بيوت مكة المكرمة على سطوح محاطة بأسوار منخفضة مبنية من اللبن المصفوف على شكل مربعات منسقة بين فراغات، وهذا الوضع يسمح بمرور الهواء».

 

 

يواصل الرحالة بوصف بيوت مكة بقوله: «بيوت مكة جيدة البناء، شأنها شأن بيوت مدينة جدة، فهي مبنية من الأحجار والبلاط ومدعمة بأعمدة من الخشب مغروسة في جدرانها، وتتألف من دورين أو ثلاثة وقد تصل إلى خمسة أدوار. وجميعها مزينة بالمشربيات المصنوعة من خشب الهند، وغالبًا ما يكون محكم الصنعة. ويجنح المعماري أحيانًا إلى إعطاء واجهة البناية أشكالاً بديعة لا تخلو من جمالية حقيقية. أما البيوت من الداخل فمرتبة بعناية، خصوصًا ما يتعلق منها بوسائل الراحة. وأما الأدوار العلوية فأكثر إتقانًا، لأنها المكان الوحيد الذي يمكن التعرض فيه لبعض هبات الريح الذي يعز في هذا البلد، لكن ألطف ما في البيوت العربية، دون شك هي سطوحها التي لا تستخدم مع الأسف إلا في الليل». 
التقط كورتلمون صورًا بانورامية لمكة المكرمة من أعلى أحد جبالها المحيطة بالحرم الشريف، بعد أن صعد إلى أعلى ذلك الجبل وضمّن بعض هذه الصور في كتاب رحلته المشار إليه. وقدر كورتلمون سكان مكة خلال زيارته لها بنحو 100 ألف نسمة.

 

أما عن أسواق مكة المكرمة، فيذكر أن المحال التجارية تنتظم في الأحياء، كما هو الحال في جميع المدن العربية، وهي تضم نشاطات تجارية متعددة من محال الأقمشة والعطور، وتعبئة مياه زمزم في أوعية خاصة وبيعها، والجواهر والفضة والخناجر والمواد الغذائية، والخردوات، وبعض البضائع المستوردة، كالسكر والقهوة والأرز، والمعجنات، والبهارات، والفواكه، والأسماك المعلبة وغيرها.

زيارة إلى المدينة المنورة

ما أن انتهى كورتلمون من زيارته إلى مكة المكرمة حتى بدأ يفكر في رحلة العودة إلى جدة، والتي سيسافر منها عائدًا بعد ذلك إلى بلاده عن طريق ينبع. بعد أن غادر جدة وصل كورتلمون إلى (ينبع) وقام بجولة فيها وتحدث عن أسواقها وبعض محتويات هذه الاسواق.

 

كان انتشار الوباء خلال رحلة كورتلمون إلى مكة المكرمة قد منعه من زيارة المدينة المنورة، لذا فقد عمل المستحيل للتوجه لها مجددًا في أوائل سبتمبر عام 1910. وقد قام كورتلمون بالتقاط صور كثيرة منها صور للمسجد النبوي الشريف، وهي من أقدم الصور الملونة لهذا المسجد، ويوجد كثير منها إلى الآن في المتحف السينمائي المعروف بمتحف «روبير لينين» في مدينة باريس. 



التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview