النسخة التجريبية   

قلعة تاروت حكايات من الدهشة

مشاهدات: 266 2017/10/31 تعليق: 0

فاضل العماني، كاتب سعودي

يبدو أن حقيبة الذكريات والصور والتفاصيل التي تجرها حكايات الطفولة والبراءة والذهول، هي كل ما تبقى لنا من دهشة الترحال والسفر، ومن سحر الزمان والمكان.

قبل سنوات طويلة، لم أعد أحملها على كاهل الظنون، كان «البيت العود»، وهو بيتنا الكبير الذي ولدت فيه، كآخر حبة في عنقود مزدحم بالإخوة والأخوات، يطل على «قصر تاروت»، القلعة المُشيّدة على أساطير الجدات اللواتي كنّا يغزلن قصص «العماليق» الذين بنوا قصر تاروت القديم.

لا أعرف، لماذا يخاتلني الحنين للوقوف على أحجار تلك القلعة العتيقة التي ثبّتت جزيرة تاروت في بوصلة الدهشة والخلود. فقلعة تاروت التاريخية، أو «القصر» كما يحلو لسكان تاروت أن يطلقوا عليها، كانت أشبه بحضن/حصن كبير حدّ الفرح لكل الأطفال والشباب والبنات، بل ولكل التاروتيين الذين يعشقون هذه الجزيرة الغافية على بحر من التاريخ والحضارة والألق.

تقع قلعة تاروت على تل مرتفع في وسط جزيرة تاروت، وتحديدًا في الطرف الجنوبي الغربي لبلدة الديرة القديمة. وتاروت، جزيرة ملهمة تقع في شرق محافظة القطيف بالمنطقة الشرقية. ويرجع تاريخ هذه القلعة إلى خمسة آلاف عام قبل الميلاد، حيث بُنيت في عهد الدولة العيونية على أنقاض هيكل عشتاروت «إله الحب والجمال والخصب» عند الفينيقيين، وقد اشتق اسم جزيرة تاروت منها. وفي بداية القرن السادس عشر الميلادي، رمم البرتغاليون هذه القلعة إبان احتلالهم لمنطقة الخليج، كما أعيد ترميمها في العصر الحديث. وقلعة تاروت التي كانت تُستخدم حامية وقلعة مراقبة، بيضاوية الشكل، لا تزيد مساحتها الإجمالية على ٦٠٠ متر مربع، ومحاطة بسور عريض مُشيّد بالطين والجص والحجارة، ومدعمة بأربعة أبراج بقي منها ثلاثة وانهار واحد منها في أثناء إحدى المعارك.

ما زلت أذكر جيدًا، تلك المساءات المترعة بعبق المواويل والمكتنزة بسحر التفاصيل التي كانت تسكن تلك القلعة العالية التي تستقبل الزائرين لجزيرة تاروت، فهي القُبلة الأولى على جبين العاشقين لهذه الجزيرة الملهمة التي قال عنها باحث الآثار الشهير كورنويل: «تاروت، مدينة يكتنفها الغموض والأحلام، تمامًا كصدى مغامرات السندباد الشهيرة». وللجزر سحرها وجمالها ودهشتها، وتاروت جزيرة الفرح وأيقونة الألق، كانت وما زالت «لؤلؤة الخليج» التي تُعلّق على جيد الخلود. وتُعد قلعتها الشهيرة التي تُعد من أهم الآثار السعودية التي تسكن الفخر، والتي كانت شاهدة على حضارات وعهود وعصور متعاقبة، كنزًا وطنيًا لا يُقدر بثمن، ويستحق الخلود في سجلات المجد.

قلعة تاروت، بما تحمله من روزنامة تاريخية وقيمة تراثية، بحاجة إلى أن تكون وجهة سياحية وتجربة إنسانية، يقف على تلالها وصخورها كل عشاق الآثار والمعالم السياحية، فهي ليست فقط قلعة تاريخية ومحطة وطنية وحسب، بل هي علامة فارقة في صناعة هذا الوطن وتشكيله وبنائه والذي نفخر بالانتماء إليه. وكما تقول الأسطورة لقد بنى التاروتيون الأوائل قلعتهم على هيكل عشتاروت التي كانت رمزًا للحب والجمال والعطاء، منذ أن اختار طائر الفينيق هذه الجزيرة الحالمة لتكون عشه الأبدي. 



التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview