النسخة التجريبية   

سادة الماء والحجر

مشاهدات: 1782 2017/11/16 تعليق: 0
رحاب أبو زيد
كاتبة وروائية سعودية

 

عندما طلب هاني بن تانسي الأنباطي من النحات حور نقش اسمه وذريته على بوابة «قصر الفريد» كان يزعم أنه سيقهر صلادة الحجر وقسوته، وفي الواقع حفظ الحجر ورأس النسر وزهرة اللوتس اسمه، قصر الفريد، الفريد من نوعه بين القصور، لسبب غاية في البساطة يكاد يلمّ به كل من ليس لهم علاقة بفنون العمارة والهندسة مثلي، وهو أن هذا القصر اقتص بارتفاعه الشاهق من صخرة كبيرة واحدة، وليس باستخدام رافعات أو معدات ضخمة تضاهي طول الأبواب وعرضها، وليس بوساطة معاول أو سقالات بناء، إنما تم بالأناة ونزوع الإنسان إلى مواجهة التحديات.

 

هذه بضع أفكار قليلة قد تراودك إذا قررت المشي بحذاء مريح ونفس رطبة بين الكثبان المترامية برخاء والسهول الرملية التي تملأ صحراء مدائن الحجر كما طابت لي تسميتها، أو مدائن صالح كما يُطلق عليها نسبة إلى قوم ثمود ونبيهم صالح سلام الله عليه، زيارة المكان ستكفل لك تأمل هذه العراقة في البناء، والحضارة في البقاء، وبخاصة أنك تلتقي بمن حرروا موعدًا معك في الماضي ليعرفوك أنفسهم وقدراتهم، وما الإنسان إلا شاهد على عصره ومرآة تعكس الثقافة المحيطة به.
في المنطقة تراث حضاري يبلغ من العمر أكثر من ثلاثة آلاف سنة، تعاقب عليه الثموديون والأنباط والرومان، إلا أن أغلب ما بقي يُنسب لعرب الأنباط خاصة، وأن آثارًا هنا في المدائن تجتمع بدلالات آثار مشابهة في الرس بالقرب من مدينة القصيم السعودية، وبلا شك بتراء الأردن.

 

عند المرور على منطقة المدافن الكبيرة التي تضم أكثر من 131 مدفنًا كبيرًا ومعترفًا به، تساءلت: ما كل هذا الاحتفاء بالموت؟ 

 

مدافن الأنباط في مدائن صالح، عاصمتهم الثانية بعد البتراء، تحكي الكثير عنهم والنقوش التي لا يزال تفسير أسرارها يشغل بال المؤرخين والمكتشفين وتدير رؤوس عشاق الصحراء، ومما تحكيه للزائر أن للمقبرة عارضة حجرية مزخرفة على البوابة محفورًا عليها أسماء من يحق لهم الدفن بها، واسم الحارس المسؤول عن عظامهم وحرمة عزلتهم بعد الممات، وتاريخ نحتها واسم النحات الذي نحتها، وعلى المقابر أن تكون منظمة بالأسماء حسب مقاسات الطول والمراتب التسلسلية في هرم العائلة. ويفوق «قصر الفريد» سائر المدافن سحرًا وروعة، لا سيما من حيث الحجم وهيبة الواجهة، توضع الجثامين في طبقات محفورة ومرصوصة في الجدران من الداخل. بدا لي جليًا أن هاني بن تانسي كان حريصًا على ضم أبنائه إليه في الموت.

 

عبر النقوش الدقيقة والنحت أبدع الأنباط في التعبير عن طرقهم في مقاومة الملل والانتصار المذهل على جبل أثلب والكتل الصخرية الضخمة، إضافة إلى صمت الصحراء الملهم حول معبد ذو الشرى، والنحت صنيعة الصابرين. وما أثار دهشتي حقًا هذه الرغبة اللحوحة والشغوفة بالتواصل، وذلك في مجمله يعبر عن العمق والقوة والعنفوان، وإلا فكيف تمكنت تلك الإشارات الصغيرة من خلق لغة غير الكلام، بل إنها تسبر أغوار الزمن والمكان والحضارة السائدة حينذاك، الأمر الذي يشير إلى أنهم لم يحسنوا التواصل مع بعضهم والتجار العابرين فقط، بل يتبادلون المعرفة مع من يعيشون بعدهم بأكثر من ألفي عام.

 

قصر البنت هو الأثر الوحيد الذي لم يكتمل بناؤه في داخل الجبل، كما البيوت تضم الأفراح والأتراح فإن قصور الأنباط تضم أضرحتهم إلى جانب غرف النوم ومخازن الغذاء. أما النوافذ الكبيرة فلا يمكن استخراج دلالة منها إلا الانفتاح على الشمس، نقوش المحاريب البارزة على أشكال طيور ونسور سفينكيس وأقدام جِمال وأجساد أوادم برؤوس حيوانات تشير إلى التعلق بالمقدس ورفعه لمرتبة لا تقبل المساس.

 

إذا كانت البتراء تُعرف بالمدينة الوردية لبهاء لونها وتحول لون الأحجار عند صعود الشروق وهبوط المغيب، فإن مدائن صالح هي المدينة الذهبية لأنها تشرع أركانها المتخيلة على الشمس، فهي ليست دائرية التصميم ولا مستقيمة الطرق، لا تجبرك على مسيرة مطوّلة كتلك التي تحتاج إليها في الوصول إلى «المحكمة» أو «قصر البنت» في البتراء، هي خير نموذج لمدينة حرة شُيِّدت أطرافها على المعالي، والمعالي هنا تأتت من خلال حب الصحراء وما ينطوي عليه ذلك من إقامة حرية وعدالة، وعشق الماء، سر الوجود الخفيف، الذي تُقدّر قيمته الباهظة فقط عندما يتلاشى.

 

من نبْط الماء من باطن أرض جرداء اُشتق اسمهم، ومن شق القنوات وسط قلب الجفاف اكتسبوا سيادتهم، ليس ذلك فحسب بل فطنوا إلى أهمية بناء الخزانات للاستفادة من مياه الأمطار والمياه الجوفية، لم تكن المهمة سهلة فتفننوا في الاختراع وتنويع طرق الحفاظ على العيش الكريم، وضمان المستقبل، وبذلك أحكموا قبضتهم على طرق التجارة بين بلاد الشام وجزيرة العرب، وفرضوا قوتهم، ويبدو أنهم قرضوا الشعر بالمفهوم نفسه، السيادة والاكتساح، فسمي عليهم «الشعر النبطي» الذي يمثّل إلى اليوم لغة عريقة مستقلة.

 

وعلى الرغم من أن السجال لا يزال دائرًا غير وثيق حول أصولية هؤلاء الأقوام واللغة الآرامية التي حكوا بها، إلا أن التأكيدات تميل إلى أنهم عرب رُحل وقفوا في وجه الروم زمنًا محيلين بينهم وبين التمدد إلى بلادهم، كما أن الروم بعد الاستيلاء على تلك المناطق أطلقوا اسمهم على المدرج الروماني وبعض آثار الأنباط إعجابًا وتعظيمًا.

 

ستعرف بزيارة مدائن الحجر، مدائن صالح، أن الأجمل من تأمل الآثار والتاريخ هو الدهشة التي تنطوي على كيفية قراءتها، غير أني غادرتُ المكان ولم يغادرني إلى اليوم، أينما ذهبت هناك بقعة داخلي تخبرني بصوت مبحوح تحمله الرياح والنسمات الطلقة، أن حياتك تستحق أن تترك أثرًا ونقشًا لا يُمحى.



التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview