النسخة التجريبية   

قرية القُرَيّة

مشاهدات: 1735 2017/11/19 تعليق: 0

على امتداد الشمال الغربي من المملكة العربية السعودية يوجد أكثر من 200 موقع أثري يرجع تاريخ بعضها إلى حقبة ما قبل الميلاد.

نورة العطوي
تصوير: تركي الفاضلي

لا تزال تلك المواقع شاهدًا على حضارات عريقة وقديمة لا سيما تلك الآثار التي تدهشنا حتى اليوم بمكنونات فريدة في التصميم والبناء. ولعل أشهر تلك المعالم والكنوز الأثرية قرية القُرَيّة «تصغير قرية» التي تقع في الشمال الغربي من مدينة تبوك وتبعد عنها بحوالي 79كم تقريبًا.

 

القُرية هي مستوطنة قديمة مسورة يرجع تاريخها إلى ما قبل 2500 - 3000 قبل الميلاد، وتشتهر بوجود شبكة ري متقنة تعد أول شبكة من نوعها في شمال الجزيرة العربية، كما تشتمل آثار المستوطنة المدينية على المباني النبطية، والدوائر الحجرية، والقلعة، والمناطق الزراعية، والأفران الفخارية، والمغارات، والمعبد، وركامات حجرية، والمنشآت المائية، ومحطة قوافل، وسدود ترابية، وكسر فخار، ينسبها بعضهم إلى الفترة المدينية، ونقوش بالخط النبطي. 

 

لُقبت القرية بذات الأسوار، ليس لوجود عدد كبير من الأسوار فحسب، بل لمتانة بنائها فوق الجبل وصمود حجارتها أمام الزمن والطقس القاسي والهزات الأرضية. وهي خير شاهد على تلك السواعد القوية التي أبدعت في التصميم والبناء، والقرية بما تحويه من نظام وثيق للري وآثار مدينة ذات أبراج وأسوار ضخمة ومقابر وكهوف يدل على أنها ذات تاريخ عميق وحضارة موغلة في القدم.

 

تعد القرية ضمن مواقع أثرية عديدة تقع على الخط الفاصل بين تكوين تبوك وتكوين حجر الرمل الكامبري، وتمتد من الشمال إلى الجنوب، وعلى موقع قرية يمر كل من طريق شرق حسمى القديم طريق (رم - العلا) والطريق القديم الواصل بين مرفأ حقل وتبوك، وقريبًا من القرية ظهرت مشاريع زراعية حديثة. وقد كتب عنها كثير من الكتاب العرب و الأوربيين، وأدق المعلومات المتوافرة عنها حسب ما أوردته مجلة «أطلال» السعودية المتخصصة في الآثار: «كشفت البعثة عن جدارين: الأول يمتد في اتجاه الشمال الغربي مخترقًا أحد الأودية الواقعة بين جبلين منخفضين، والجدار يضم بعض الدعامات أو مناطق التحصين، وتوجد في الجهة الجنوبية من الجدار بعض آثار انهيارات من الطوب اللبن، ما يشير إلى أن الأساسات المشيدة من الألواح الحجرية كان يعلوها في يوم من الأيام بناء مشيد من الطوب اللبن. أما الجدار الآخر فيمتد من قاعدة «تل القلعة» في اتجاه شمال شرق حتى يصل إلى أحد «الخنادق»، وهو يمثل مجرى مائيًا رئيسًا يبدأ من نبع موجود عند قاعدة التل.

معالم القُرَيّة 

 

 

 

 

• التل

معلم قُرية المميز، يبلغ طوله 800 متر، ومتوسط عرضه 300 متر، ويطل على البلدة من ثلاث جهات هي الشمال والشرق والجنوب. يقف هذا التل عموديًا بارتفاع يقارب 50 مترًا، ولا يمكن الصعود من هذه الجهات الثلاث، وتبقى الجهة الغربية التي يمكن الصعود منها لكنها أيضًا صعبة ومليئة بالصخور الزلقة.

 

ولعل هذه الوضعية الجيولوجية للجبل جعلت منه «متحصنًا» طبيعيًا، كما أن سكان القرية الأقدمين حصنوه أكثر بعدد من الأسوار، ولم يخل التل من آثار كانت مصدر الإثارة والحيرة للعلماء لغرابتها وتنوعها.

• الأسوار 

هناك سور يحيط بالآثار وبالحقول والبلدة، وهو يبدأ من طرف الجبل الشرقي ويتجه الى الشرق ثم الشمال بحوالي كيلومترين، ثم الغرب فالجنوب، إلى أن يرجع للجبل بمحيط ٦كم، ثم إن هناك سورًا رابعًا يحيط بالبلدة السكنية، كما أن هناك ثلاثة أسوار قصيرة تمتد من جرف الجبل إلى سور القرية.

• البلدة القديمة

بيوت البلدة عبارة عن ركامات مدفونة لم يبرز منها إلا مخططها وبعض الحجارة، و هناك مجس أثري قامت به الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني قبل سنوات حيث إن هذه الركامات تحتها مبان حجرية قوية. لهذا من المؤكد أن التنقيب الشامل سيكشف بعض أسرار قُرية المختفية.

• القنوات المائية 

توجد آثار حقول زراعية ضخمة (بمقياس ذلك الزمن) وقنوات مائية (خرزية)، ويحتوي الموقع على بقايا لقنوات استخدمت في ري المزارع، وعلى بقايا أحواض زراعية، ويلتقي عند تل القلعة عدد من شعاب الأودية تتصرف مياهها في منطقة تبلغ مساحتها 20كم، تمتد جنوب وجنوب غرب الموقع، وتنتشر فيها في الوقت الحاضر المزارع الحديثة. إلى جانب ذلك يوجد في منطقة قُرية شبكة ري متقنة، حيث بها مجرى مائي رئيس من نبع موجود عند قاعدة التل قد يكون قناة مائية بغرض سقاية منطقة الحقول التي تظهر في أجزاء كثيرة من المواقع تمثل تخطيطات لبعض الحقول، ومن ثمَّ فإن لها وظيفة زراعية أو مائية، كما أن هذه الحقول تزخر بالكسر الفخارية، وطريقة بناء جدران الحقول مشيدة من الجلاميد وألواح الحجر الجيري المتوافرة محليًا، والواجهات الداخلية من هذا التوزيع للحقول كانت تحتوي على العديد من المنشآت قد تكون أحواشًا لرعاية الحيوانات أو تخزين المحاصيل الزراعية.

• المستوطنة المدينية:

يعتقد أنها تعود إلى الفترة المدينية، وتقع في الجهة الشمالية الشرقية. يحيط بها سور دائري تتخلله بوابات، وتبلغ أبعادها (300×400م)، وترتبط المستوطنة بالقلعة بجدار يراوح عرضه بين متر ومتر وربع.

• المباني النبطية:

توجد خارج سور المستوطنة، وتتكون من مبنيين أطلق عليهما بيتر بار وزملاؤه المبنى النبطي الأول والمبنى النبطي الثاني. وقد سبقهم فيلبي إلى التعرف إليهما، وربطهما بالفترة النبطية، وعُثر فيهما على تيجان وقواعد أعمدة تعود إلى الفترة النبطية. 

• الدوائر الحجرية:

توجد بقايا دوائر حجرية على بعد كيلومترين إلى الجنوب من المستوطنة المدينية والقلعة. وإحدى هذه الدوائر يبلغ قطرها 55 مترًا، ولها بوابة واضحة في جهتها الغربية، ويوجد في منتصفها حجران منصوبان، ويعتقد أن هذه الدوائر تمثل ظاهرة من ظواهر العصر الحجري الحديث بالموقع.

• القلعة:

تقع فوق تل يبلغ ارتفاعه 50 مترًا في أعلى نقطة له، وتحمي التل من جميع جهاته جوانب حادة الانحدار. أما سطح التل فتتخلله ثلاثة جدران حجرية تقسمه إلى ثلاثة أقسام، ويصل ارتفاع ما بقي من الجدران إلى ثلاثة أمتار في بعض المواضع، وهي مشيدة بألواح حجرية ليست سميكة واستخدم الطين في ربطها. ويوجد على قمة التل عدد من الأبراج معظمها مربع الشكل طول ضلعه ثلاثة أمتار، وبعضها في شكل شبه دائري، ولم تربط تلك الأبراج بالجدران الرئيسة للقلعة عدا برج واحد، كما وجدت بالموقع بقايا أكوام حجارة تعرضت للنبش وربما كانت مقابر إذ وجد حول أحدها كسر فخارية وبقايا عظام بشرية.

• المناطق الزراعية:

يحتوي الموقع على بقايا جدران حجرية يعتقد أنها حدود للحقول الزراعية.

• الأفران الفخارية:

توجد منطقة الأفران عند القاعدة الشمالية من تل القلعة، و هناك ستة أفران تبدو واضحة للعيان، وتظهر فيها فتحات تسريب الدخان لصناعة الفخار، وقد استطاع بيتر بار وزملاؤه أن يفحصوا واحدًا منها سنة 1388هـ/ 1968م، وأشاروا إلى وجود كمية من الكسر الفخارية حوله من النوع الذي اصطلح على تسميته بالفخار المديني، وكمية من الأواني الفخارية التالفة في أثناء الشواء ما يؤكد صناعة الفخار بالموقع. وهذه الأفران من أقدم الأفران في الجزيرة العربية بشكل عام.

• الكهوف:

يوجد في جهة الجبل الشمالية كهفان, أحدهما ضخم وبه تجويفات كالغرف، والآخر أصغر منه مرتفع، وهذه الكهوف في أصلها تبدو طبيعية.

• المغارتان:

توجد في الواجهة الشمالية لتل القلعة مغارتان كبيرتان من عمل الإنسان نتيجة استخراج الصلصال الطيني من موقعهما، وقدر فريق إدارة الآثار والمتاحف الذي مسح الموقع أن كمية الصلصال المستخرجة منهما تصل إلى 250 مترًا، ويعتقد أنهما استخدمتا فيما بعد لسكنى الإنسان أو لحفظ المواشي، وربما كانت المغارتان مقابر نبطية لم تكتمل. والمغارتان مختلفتان في الأبعاد، فالأولى منهما يبلغ اتساع مدخلها 4.5م، وتضيق كلما أوغلت في مدخلها لتبلغ 3م عند نهايتها الداخلية، ويبلغ ارتفاعها 4.5م، وطولها من المدخل حتى نهايتها 15م. أما المغارة الأخرى فيبلغ اتساع مدخلها 4م، ويبلغ ارتفاعها مترين، وتتكون من جزأين يمتد الأمامي منهما إلى مسافة 7م باتساع يبلغ 4م وارتفاع مترين، ثم يبدأ الجزء الخلفي الذي يمتد إلى مسافة 24م بارتفاع لا يزيد على ثلاث أقدام. يذكر فيلبي أنه جمع كميات كبيرة من عظام حيوانية وبشرية من المغارتين.

وفي الموقع معبد وركامات من الأحجار وهما عبارة عن ظاهرتين معماريتين، وتتكون هذه الظاهرة من بناء المعبد وركامات الأحجار، أما الملتقطات السطحية بالموقع وهي الكسر الفخارية المنتشرة على سطحه، وتعد متجانسة وذا طبيعة واحدة. 
حاليًا يجري العمل على الكشوفات والدراسات على الموقع من قبل الفريق المشترك السعودي والنمساوي. 



التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview