النسخة التجريبية   

الأرطاوية ووجدان الذاكرة

مشاهدات: 915 2018/01/01 تعليق: 0

عبدالله بن عبدالمحسن الماضي

تمر بمخيلة المرء ذكريات لأيام غابرة عبر عقود من الزمن، وما اعترى طريقه من عقبات ومنعطفات، وما حققه في مسيرته من نجاح ومسرات. حالات تتعارض وتتصارع، وكلها محل حوار وجدال. وأمام عوالق الذكريات، ورؤى المقارنة بين عصرين متباينين أجدني بعد هذا العمر المديد على يقين من أن كل عصر يجب أن يُحاكم ويُحْكَمْ عليه برؤى عصره. وعندما أقول إن رؤيتي للنور كانت عام (1936م) في زمن لم يكن يُعرف فيه: صنبور الماء، ولا إضاءة الكهرباء، ولا وسائل المواصلات، ولا أجهزة التبريد والتدفئة. ناهيك من أجهزة الاتصالات الذكية. فأنا أقول ذلك من منطلق أنني شاهد على ذلك العصر.

 

تبعد الأرطاوية عن مدينة الرياض شمالاً نحو (260) كيلو مترًا، وعن المجمعة شرقًا (70) كيلو مترًا، وعن الزلفي جنوبًا (60) كيلو مترًا. وقد اشتق اسمها من النبات الصحراوي المسمى (الأرطى). والمدينة محاطة بسور طويل لا زالت آثاره باقية.
فترة التأسيس الأولى من عام (1328هـ إلى عام 1335هـ) البالغة سبع سنوات لنشأة الأرطاوية كانت فترة يشوبها الوجل والترقب والانفلات الأمني. ثم في عام (1335هـ) بدأت المرحلة الثانية لنشأة الأرطاوية. إذ جاء نزول الشيخ فيصل الدويش وبعض أتباعه (الأرطاوية)، وكان أغلبهم يسكنون بيوت الشَّعْر، وارتفع عدد السكان إلى (2500) ألفين وخمس مئة تقريبًا، ولم يكن أمامهم ما ينتظرونه من مصادر العمل وسبل الاسترزاق سوى رعي المواشي. أما الذوات أو المؤثرون ممن يمتلكون الإبل فقد ظلت إبلهم تحت إشراف الرعاة تنتقل من مكان إلى آخر.

 

أقول هذا معبرًا عن حنين وعشق لإنسان كان مسار يومه يتشابه فيه مع كل سكان الأرطاوية، كان يبدأ بعد صلاة الفجر باجتماع عائلي حول «الأوجار» ومواقد النار وتناول التمر مع فناجيل القهوة. ثم الذهاب لمدرسة الكُتَّاب ووسائلها البدائية (لوح من الخشب ومحبرة من سناء الصاج، وقلم من أعواد نبات الأثل). أما الترفيه فلم يكن هناك أكثر متعة من لعب وشجار وعراك طفولي مع الزملاء والأصدقاء، ومتابعة صيد الطيور بالنباطة والمفقاس في الصيف. أما في الشتاء فهو موسم جني النباتات التي يطيب مأكلها، والسباحة في الآبار ومجرى الأودية.

 

ولا أنسى مُتعة شهر رمضان حيث الاجتهاد في العبادات والإنفاق في أوجه الخير، وأخذ الاستعداد، وكسر الروتين اليومي المعتاد، وحضور الصغير والكبير لوجبتي الإفطار والسحور، ومريس الأقط المشروب المفضل آنذاك، والتفاعل مع الأجواء الروحانية، وفرح الصغار بمقدم يوم العيد وارتداء الملابس الجديدة، والزيارات لتعزيز صلة الرحم. يأتي بعد ذلك التحضير لمن يسر الله له لمهمة الحج، التي تبدأ طلائعها من مطلع غرة شهر ذي القعدة، وما هو منتظر بعد العودة من الهدايا وفرحة العودة بسلام، وعيد الأضحى بكل مظاهر البهجة والسرور، ووفرة لحوم الأضاحي، وتخزين شيء منها بوساطة التجفيف بعد إشباعه بالملح، ليبقى بمسمى (قُفُر).

 

واليوم ونحن ننعم بالأمن والتنمية في التعليم والصحة والمواصلات والاتصالات ووسائل التقنية.. إلخ، والتي كانت معدومة في زماننا، نحمد الله على ما حبانا به في هذا الزمان من رغد عيش تحت ظل قيادة راشدة حكيمة.  


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview