النسخة التجريبية   

هينريخ فون مالتزان رحلة المتخفي إلى الجزيرة العربية

مشاهدات: 3157 2018/01/01 تعليق: 0

عبدالعزيز العنـزي  

ولد الرحالة هينريخ فون مالتزان في ألمانيا عام ١٨٢٦، ودرس القانون في هايدلبيرج. عالم آثار ورحالة ألماني، اهتم بحياة الشعوب الشرقية وبخاصة العربية، وشغف بالترحال، فزار المغرب والجزائر وتونس، كما زار الجزيرة العربية، وتحديدًا مكة المكرمة، متنكرًا في زي حاج، وكتب عن تلك الزيارة تقريرًا في 750 صفحة.

 

تشير بعض الكتب التي تناولت سيرته أن مالتزان كان كثير العلل في صحته، لكن ذلك لم يمنعه من السفر، فما أن تعافى قليلاً أظهر شغفه بالسفر. قضى سنوات من عمره في الترحال، وذلك منذ عام ١٨٥٠، فأظهر حبًا للسفر وقدرة فائقة على الملاحظة.

شخصية حاج مغربي

تعلم مالتزان الدين الإسلامي، وأتقن اللغة العربية باللهجة المغربية، وتشبع بروح الشرق، فتولدت لديه روح قوية لزيارة مهد الإسلام وهي الجزيرة العربية، وتحديدًا مكة المكرمة. نجح مالتزان عام ١٨٦٠ في القيام برحلة إلى مكة للحج منتحلاً صفة حاج مغربي واسمه وهو سيدي عبدالرحمن بن محمد السكيكيدي.

 

نجح في كتابة رحلته إلى الحج في ٧٥٠ صفحة بأسلوب قصصي مرح وماتع، ومتنوع بعيدًا كل البعد عن السياسة. وكان مالتزان ضجرًا من طريقة العيش والحياة في أوروبا ومخترعاتها. خطط مالتزان للسفر لمكة، وبدأ استعداده لرحلة الحج عندما كان في زيارة للجزائر، حيث تظاهر باعتناق الإسلام، وتوجه من الجزائر إلى مارسيليا، ومنها إلى مالطا وأبحر بعدها بباخرة إلى الإسكندرية منتحلاً ذلك الاسم العربي. خلال وجوده في مصر، وحرصًا على إخفاء شخصيته، تجنب الاحتكاك ببني جلدته من الأوروبيين. وقد تعرف خلال تلك الفترة على شخص يدعى الشيخ مصطفى وكان متوجهًا إلى الحج، ورافقه طوال فترة الرحلة إلى مكة.

في سبيل مكة

غادر القاهرة عام ١٨٦٠ إلى قنا، بعدها إلى ميناء القصير على البحر الأحمر ومنها أبحر ليلاً إلى ينبع، ومنها توجه إلى جدة التي أقام بها مالتزان ورفيقه مصطفى في غرفة واحدة. وزار خلال وجوده في جدة عددًا من الأماكن البارزة، ومنها مقبرة أمِّنا حواء.

 

ثم غادر مالتزان إلى مكة، فكان وقت وصوله إليها في آخر الليل. نزل مالتزان في منزل صغير، في شمال غرب منها، أقام فيه فترة تناهز ثلاثة أسابيع.

 

كانت هذه الفترة من الفترات التي تطرق لسرد أحداثها ويومياتها في كتاباته، ثم رصد مشاهداته في المسجد الحرام ومنظر الطائفين، وتحدث عن زحامهم في أثناء الطواف، في تلك الفترة.

 

كان من أهم ما لفت نظره مشاهد المساواة في الإسلام، وتنوع أعراق الناس في شوارع مكة والذين جاؤوا من كل مكان. حيث يقول: «في مكة يستوي الصحيح والمريض، الكل يصدح بـ«لبيك اللهم لبيك»، هناك كثير ممن جثا على ركبتيه رافعًا يديه أمام الكعبة. في الحرم، ينسى المسلم من حوله وينسى حتى رفاقه، ولم يسيطر عليه إلا أن يتأمل مشهدهم المقدس».

 

كان مالتزان حريصًا على رصد مشاهداته عن الأحداث التي قال إنه رآها بشكل مباشر، ومن ذلك تغيير الكسوة الجديدة للكعبة المشرفة.

 

الرحلة المحرمة

يعقد مالتزان في كتابه مقارنة بين وضع مدن أوروبا الممل ومنظر الحجاج في أمواج متباينة من عدة جنسيات، وأعراق متنوعة تتحرك بصعوبة في الشوارع، وذلك بسبب الازدحام الناجم عن وفود آلاف الحجاج إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج.

 

ثم يتوقف مالتزان عند وصف «الصفا والمروة» والتي قال عنهما: «لقد وجدت فيهما مشهدًا لا يتكرر مثيله في العالم، حجاج بلباس الإحرام نصف عرايا وقد علاهم الغبار من طول السفر، رغم حرارة الشمس وتعبهم وألمهم وإنهاكهم، إلا أن شعور الحماس كان يطغى عليهم صعودًا وهبوطًا وهم يرفعون أصواتهم بالدعاء». 

 

كما تطرق مالتزان إلى وصف صعود الحجاج إلى سفح جبل عرفة، والتي ذكر أن جنباته مضاءة بفوانيس صغيرة. كما أبدى إعجابه بالتلبية التي ترتفع بها أصوات الحجاج مرددين: «لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك».

 

تضمنت كتابات مالتزان، أن مصطفى رفيقه في رحلته، قد توفي في يوم عرفه نفسه، ودفن في اليوم نفسه.

 

عند اقتراب زوال يوم عرفة، تتكاثر الحشود، ويتدافع الحجاج نازلين من جبل الرحمة نحو بركة من الماء فتعثر كثيرون خلال نزولهم من الجبل. وذلك بحسب ما ذكره.

 

ومن عرفة غادر إلى مزدلفة، ومنها إلى منى، حيث قام برمي جمرة العقبة. وهنا أوضح مالتزان أنه متشوق للعودة إلى مكة ليستحم، حيث لم يتسن له الاستحمام خلال وجوده في عرفات ومنى.

 

خلال ذلك، أوضح مالتزان أنه خشي من أن يكتشف أمره، فيعرف الحجاج أنه مسيحي، وتنكشف شخصيته الحقيقية، وذلك بحسب ما أورده، فغادر مكة عن طريق ضواحيها متخفيًا، حيث اشترى حمارًا ودليلاً ينقله إلى جدة، ومنها غادر.

 

قضى مالتزان بقية حياته في الأسفار قبل أن يصاب بمرض عصبي سبب له آلامًا مبرحة، حتى انتحر في عام ١٨٧٤.

 

لا يزال اسم هذا الرحالة الألماني حاضرًا في الكتب والدراسات التي تتناول الرحلات التي قام بها الرحالة الأوروبيون إلى الجزيرة العربية.

 

ومن تلك الكتب، كتاب جمهرة الرحلات: الرحلات المحرمة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، والذي ألفه أحمد محمد محمود، وغيره كثيرون، حيث يرد اسم مالتزان عند الحديث عن أولئك الرحالة المغامرين الذين زاروا الجزيرة العربية في تلك الظروف، وتلك الحقبة من الزمن، التي كانت تشهد شحًّا في الموارد، وانعدامًا لأي وسائل مواصلات مريحة، وصعوبة في التنقل، وخطورة في السفر. 



التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview