النسخة التجريبية   

معرض روائع الآثار في المملكة

مشاهدات: 1803 2018/01/01 تعليق: 0

كل ما يثير الإعجاب ويشد الانتباه هو رائع. كل ما جاوز الحد في نواحي الفن والأخلاق والفكر والشعر هو رائع، وكل رائع قائم بذاته يستحق العناء، فما بالك لو كان العناء لمجموعة من الروائع؟!

عبير الفوزان 

 

عندما تلتقي الروائع في مكان واحد فأنت موعود بكل ما يثير انتباهك وحواسك ويحصد إعجابك ودهشتك. فالدهشة الأولى هي بداية للمعرفة العميقة التي تأخذك عبر التاريخ والحضارات، وتسم روحك للأبد بميسم المعرفة.

 

بعيدًا عن المبالغات، واختيار المفردات المتناهية لتوصيف مكان ما، أو مقتنيات ثمينة فإن معرض روائع آثار المملكة العربية السعودية عبر العصور الذي تنظمه الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني منذ صيف 2010 ويطوف العالم بفخر، يستريح الآن في محطة من محطاته، في المتحف الوطني في العاصمة الرياض.  هنا، حيث المكان الذي يجعلك تطوف مع دهشتك التي ربما فقدها كثير منا خلال مراحل حياته ليسترجعها اليوم هنا، فتتوقف مع دهشة مستعادة أمام كل قطعة أثرية وجدت سواء كانت تمثالاً، أو جدارية، أو منحوتة من البرونز. تتوقف أمام كل أثر وجد مطمورًا تحت التراب وتعرض للمسح الكربوني وأدهش الخبراء والعلماء حول عمر هذه القطعة التي تجاوزت الحد في الزمن والتفاصيل.  في معرض روائع الآثار اليوم الذي يختلف في مقتنياته وقطعه عن كل ما عُرض سابقًا، حيث جرأة العرض في القطع الموجودة التي كانت مخفية لعقود عن أعين من لا يقدر ثمن التراث الإنساني، ومن يجهل أن تاريخ البشرية الحقيقي يكتبه اللقى والموجودات.

 

 

رحلة الروائع

 كل قطعة في هذا المعرض لا تحكي حكاية مثيرة فقط، بل هي دلالة تاريخية تتضافر فيها المعتقدات الدينية والنواحي الاقتصادية والفنية، حتى السمات الجسدية لإنسان الجزيرة العربية. من الأثر تستطيع أن تبني رؤية شاملة عن زمن بعيد منذ آلاف السنين. إن الارتحال من خلال معرض الروائع الذي يجمع هذه القطع الفريدة هو ترحال شائق للإنسان المعاصر.

 

 

 فمع هذه المقتنيات واللقى والآثار عبر مراحل زمنية مختلفة وأماكن متعددة في الجزيرة العربية، بالتأكيد ستغير من أفكارنا لتأخذ بطموحاتنا إلى منحى أعلى. إن سمو الفكرة في معرض روائع آثار المملكة عبر العصور، حيث تجتمع الأزمنة والأمكنة والمعتقدات كلها في مكان واحد، تليق بالعالمية والانتقال من قارة إلى قارة، فالتراث الإنساني يستحق أن يشاهده العالم. لذا كانت فكرة الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بتطواف هذا المعرض خلاقة تضيف إلى المملكة العربية السعودية بعدًا حضاريًا متناهيًا، يستند إلى الأدلة المادية.

 

وعلى الرغم من كل هذه الروعة التي تكتنف المعرض إلا أنه لا يستطيع مطلقًا، رغم جمالياته، أن يختصر روائع آثار المملكة، كما أنه لا يستطيع جمع الأزمنة المتعاقبة والأمكنة المختلفة في أنحاء شبه الجزيرة العربية في معرض واحد. لكن الأثر يدل العين مثلما تدل تلك المعروضات على كنز إنساني لا يستهان به. المعرض دلالة واضحة على أن الجزيرة العربية كانت، ولا تزال ملتقى الحضارات فهي بممالكها القديمة كانت طرقها آمنة ومستقرة، ومحطاتها تجارة مزدهرة، وإنسانها فنانًا ومبدعًا.

الكنز الثمين

نعم، المعروضات في هذا المعرض الفريد كنز لا يقدر بثمن، فهي ثروة للأجيال، حيث أجزاء من هذه الثروة تقدم دلائل واضحة على وجود استيطان وأدوات حجرية من الجزيرة العربية قبل أكثر من 1.2 مليون سنة. كما أن الاكتشافات الأثرية، التي يضم معرض روائع الآثار عينة منها، تؤكد أن المنطقة ملتقى للحضارات بدءًا من شواهد مدافن من مدائن صالح التي تمثل الحضارة النبطية القديمة قبل 300 سنة ق.م، إلى مشغولات ذهبية وقناع جنائزي من ثاج في المنطقة الشرقية، غرب مدينة الجبيل، قبل 500-300 سنة قبل الميلاد، حيث كانت محطة مهمة في طريق القوافل. لكن الأعجب والأغرب من حيث الزمن لا من حيث اللقى والأثر الدال هو موقع حضارة المقر التي يعود تاريخها إلى 9000 سنة.. وفيها تم استئناس الخيل، إلى جانب استئناس حيوانات أخرى. وهذا الاكتشاف ينسخ الدراسات السابقة في أن أول استئناس للخيل كان في وسط آسيا الصغرى قبل 5500 سنة. فهل الإنسان الأول كان هنا في الجزيرة العربية؟! معرض روائع آثار المملكة لا يخلو من لقى وموجودات من هذه الحضارة الموغلة في القدم، ولعل أجملها وأنفسها منحوته حجرية تمثل جزءًا من رأس حصان وجسده من حضارة المقر.

 

 

 

بين المحجوب والمنظور

كل ما كان مطمورًا تحت الأرض في ثلثي شبه الجزيرة العربية هو محجوب إلى أن يتم اكتشافه على يد بعثات التنقيب متعددة الجنسيات بالتعاون مع الجامعات السعودية، وذلك وفق منهجية دقيقة تنتهجها الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، حيث يبدأ عمل تلك البعثات في شهر مارس من كل عام، ويتوقف عندما تشتد درجات الحرارة. بعدها يكون المحجوب بفعل الزمن منظورًا بفعل العمل الدؤوب والجهود المتضافرة، ولكن أن يكون الأثر في حيز المنظور، ليس بالضرورة أن يكون متاحًا للجمهور إذ إن القطع واللقى تمر بمراحل عدة قبل أن تأخذ مكانها للعرض أمام الجماهير في معرض كروائع آثار المملكة، وذلك لعدة أسباب منها اختيار القطع التي تختصر كثيرًا من التاريخ أو المعتقد أو الحالة الاقتصادية، كما أنه يتم اختيار قطع غير مكررة لتحافظ على روح الفرادة في معرض الروائع، بالإضافة إلى عنوان عريض يربط تلك الروائع الفرائد بعضها ببعض.

 

ما وجد خلال التنقيبات الأثرية منذ عام 1964 إلى اليوم يلقي الضوء على جوهر البعد الحضاري لشبه الجزيرة العربية بشكل خاص، والمملكة العربية السعودية بشكل خاص، ما أتاح أن يكون ذلك المحجوب منظورًا.

الاستعداد للرحلة

 مثلما المسح الأثري يسبق التنقيب، كذلك المسح للموجودات التي نُفض عنها التراب وغبار الزمن يسبق العرض، ثم البحث عن خيط يجمعها لتنتظم كحبات لؤلؤ في عقد، لتصبح كل قطعة نادرة جميلة بذاتها ولا تبخس القطعة الأخرى حقها. تنظيم القطع حسب المكان والزمن هو جهد خلاق، ودقيق يخضع لمنهجية تتماهى بين الدقة والإبداع والفرادة، والزهو!  نعم هو الزهو الذي يجمع المسؤولين في المتحف الوطني متمثلاً في الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني في التجهيز لمعرض الروائع وتنسيق القطع وتغليفها بدقة، وحمل كل قطعة بحرص كأنها طفل هذه الأرض مع شركة التأمين العالمية التي تضمن وصول القطع الثمينة والنادرة إلى المحطة العالمية التي يزورها المعرض، ومن ثم عودتها إلى الوطن من جديد، أو الانتقال إلى متحف آخر في بلد آخر.  



التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview