النسخة التجريبية   

شبابٌ من حائل يمشون على «درب زبيدة» التاريخي

مشاهدات: 525 2018/05/21 تعليق: 0

“ومن جرّب الموت يعرف قيمة الحياة” هكذا قال الشاعر وقد صدق هنا؛ إذ يلخص بهذا الوصف حكاية زبيدة بنت أبي جعفر المنصور؛ زوجة هارون الرشيد التي كادت تموت عطشاً في طريقها إلى مكة طالبةً الحج. نجت بأعجوبةٍ، ونذرت على أن تجعل الدربَ الذي سلكته آمناً منيراً، وذا آبار وخانات. وهذا ما فعلت.

درب زبيدة ذلك الطريق المعروف منذ الجاهلية باسم “درب الحيرة”، والذي يربط بلاد الشام والعراق بالحجاز ومكة. وقد أُولي اهتماماً وعنايةً كبيرة، خصوصاً بعد حادثة زبيدة التي أقامت المشاريع الخيرية فيه؛ حتى أضحى يمثل أهمية كبيرة جداً لخدمة حجاج بيت الله. وقد أُطلق عليه اسم “درب زبيدة” بسبب هذا، وحافظ الدرب على قيمته التاريخية والثقافية والحضارية العريقة في التاريخ الإسلامي.

4 شباب وآلاف الأميال
وفي بادرةٍ مشرقةٍ وخاصة؛ سعى أربعة شباب من المهتمين بالتاريخ والآثار، إلى إعادة “درب زبيدة” إلى الواجهة المعرفية، وإعادة تصديره من خلال المرور فيه سيراً على الأقدام، والتحقق من كل نقاطه المهمة، والكتابة عنه من جديد؛ حيث سيكون درب زبيدة هو المحطة الأولى من مشروع هؤلاء الشباب، والمسمى بـ”الدروب العتيقة”؛ إذ من المقرر تغطية كل الطرق والممرات القديمة في المملكة من هؤلاء الشباب المهتمين بالتراث والآثار والتاريخ، والمتخصصين في التاريخ القديم وقراءة النصوص الثمودية. وقد انطلقوا من “فيد” التاريخية مقتفين معالم هذا الدرب التاريخي بمسافة 130 كيلومتراً سيراً على الأقدام مروراً بمحافظة سميراء، ووصولاً إلى قرية “البعايث” (220كم جنوب مدينة حائل). قطعوها خلال ثلاثة أيام متواصلة بواقع 43 كيلومتراً كل يوم، سعوا أثناءها إلى تثقيف المجتمعات المحلية الواقعة على هذا الدرب بإرثه التاريخي، وعمقه الحضاري، وما تكتنزه أرضه من كنوز أثرية. 



فوانيس الطريق
فريح الشمري أحد الشباب العاملين بالقطاع السياحي وهو الحاصل على ترخيص “مرشدٍ سياحي”، يقول لمجلة (ترحال): “نحن نعيش على أحد أجمل الطرق القديمة وأهمها على الإطلاق؛ الأمر الذي جعلنا ليل نهار نشعر بأهمية المكان وعراقته؛ فكانت فكرة الكتابة عنه وإعادة ضبط حدوده ومعالمه تراودنا دوماً. وهذا ما كان؛ حيث بدأنا به برنامجنا الذي نهدف من خلاله إلى تعريف سكان المحافظات والقرى المجاورة التي يمر بها هذا الدرب التاريخي، وتسليط الضوء والتسويق لمواقع الجذب السياحي والسياحة الثقافية في المنطقة”. 
يتابع الشمري: “درب زبيدة البالغ الشهرة والجمال في وقته، أمر يحفز على القراءة والبحث عن تفاصيله في كل مكان؛ وهذه القراءة تشمل المؤرخين المتقدمين والمتأخرين، وطابقنا بين الكتب والواقع؛ لنجد أن كتاب المسالك لأبي إسحاق الحربي هو الأدق، ولا نزال نعتمده في رحلاتنا إلى جانب كتاب “درب زبيدة” للدكتور سعد الراشد، حيث تشكلت لنا الأرضية لبحوثنا وتجربتنا”.
وأوضح الشمري خريطة مسيرهم قائلا: “بدأنا بمسح الطريق أولاً عن طريق السيارة، وبعد تحديده جيداً انطلقنا من مدينة فيد سيراً على الأقدام؛ حيث إن معالم الطريق واضحة لنا، وهناك أجزاء منه غير واضحة. ولكن كنا نستدل بالمعثورات الدلالية مثل قطع الفخار المنتشرة في الطريق، إضافة إلى الأعلام الدلالية من الأحجار التي لا تزال أجزاء منها واضحة للعيان”. 

أكبر من الرجم
“أكبر من رجم زبيدة” هذا مثلٌ يطلقه أهل الشمال كدلالة على حادثة قديمة أو قصة عتيقة أو كبر سنّ أحدهم. لقد دخل درب زبيدة إلى المرويات والقصص والحكايا، وأثر بالغ الأثر في مَن جاوره أو مرّ به. والرجم الوارد هنا هو دلالات هذا الدرب والأبراج التي تعمل كمعالم يهتدي بها سالكو الطريق. هكذا شرح لنا فريح الشمري، ويتابع: “كنت مجرد هاوٍ ومغامر فقط يعبر هذا الطريق ليعيش ويستحضر التاريخ، قبل عقد من الزمن، ولكن بعدما اتجهت للعمل في القطاع السياحي وخضعت لعدة دورات في هذا المجال أصبح لدي الحس والوعي المنهجي في “صناعة السياحة”؛ الأمر الذي زاد تعلقي بهذا الدرب، واهتممت بالسياحة الثقافية بشكلٍ خاص؛ لما لدينا من كنوز ثقافية مثل درب زبيدة؛ هذا المنتج العظيم؛ له أبعاد تاريخية وحضارية واقتصادية إلى جانب أهميته الدينية دون شك”.

الجغرافيا والتاريخ
الباحث التاريخي تركي المحيفر، أحد المشاركين بالرحلة، يضيف: “درب زبيدة؛ أحد الشرايين المهمة التي تصل الحجاز بالعالم الشرقي وما وراء الهند والسند، وهو شريان رئيسي لمكة والحجاز، وكان مفخرة العمل الديني في الدولة العباسية. وفي العموم؛ فإن هذا الدرب هو جزء من موروثنا، ويتطلب منا عملاً كبيراً؛ لإحياء هذا الموروث ولفت الأنظار إلى أهمية الطريق الذي يجب أن نسلط الضوء عليه الآن”.

ويستطرد المحيفر: “يضم الطريق عدداً من المحطات الفرعية والرئيسية، تتخلله 27 محطة رئيسية، وكذلك 27 محطة فرعية. واستطعنا أن نصل إلى بعض النقاط بالقرب من محافظة سميراء، ونحن نسير ونتتبع الطريق من عَلم إلى عَلم؛ إذ استطعنا أن نحدد أساسيات البناء من العهد العباسي الأول، والتي لم تُدرس ولم يُسلط عليها الضوء بعدُ، خصوصاً المحطات الفرعية”.

هندسة خاصة
وأكد المحيفر دقة المسير بقوله: “إننا نسير على الدرب تماماً، ونسير على أعلام الطريق المحددة منذ العصر العباسي، وهي عبارة عن مجموعة من الأحجار يُستدل بها على الطريق، ويبعد كل علم عن الآخر ثلاثة كيلومترات تقريباً”. 
وحيال وعورة الطريق ومشقتّه قال المحيفر: “إن الطريق لم يكن وعراً على الإطلاق؛ فقد تم اختيار مساره بكل عناية، وكان مختصراً وسهلاً”، وأضاف في حديثه عن الرحلة: “عندما تقف على البرك والأحواض التي تم بناؤها في زمن العباسيين تدرك معنى الجهد الكبير الذي بُذل في بنائها؛ فقد بُنيت بشكل عجيب ولافت للأنظار، وإن اندثرت معالم الطريق والكثير من البرك، وطمرت معظم الآبار والآثار والقصور على مرّ الزمن؛ إذ لم تلقَ صيانة منذ القرن السابع الهجري. وقد بدأت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني العمل على هذا الإرث العظيم، وحددت المعالم الرئيسية مثل البرك، وسيَّجت بعض المواقع.

المرحلة المقبلة
يُجمع أعضاء الفريق أنهم استفادوا من المعالم الجغرافية التي مروا بها، وحددوا المسافات وأسماء الأودية والجبال وتحققوا من المراجع التاريخية لتطبيق المعلومة على المسير، والعمل على أرض الواقع، وتعيين اتجاه الطريق وأسماء البرك والآبار.
ويعد شباب حائل لمراحل مقبلة أكثر تخصصاً بعد انتهائهم من المرحلة الأولى التجريبية، ويعد الفريق لرحلات وثائقية تضم فريقاً كاملاً من المتخصصين في الآثار والتاريخ؛ ليكون عملاً تكاملياً. وستكون المرحلة المقبلة من بداية الطريق على الحدود العراقية - السعودية، شمال المملكة، وتمتد إلى مسافة 200 كيلومتر؛ حتى يكملوا طريقهم كاملاً إلى الحرمين الشريفين مشياً على الأقدام.



التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview