النسخة التجريبية   

صحراء الربع الخالي

مشاهدات: 190 2018/05/22 تعليق: 0

صحراء الربع الخالي
مستودع الحياة الفطريّة والآثار والسياحة
ومخزون الماء والطاقة أيضاً!

بقلم: د. عبدالرحمن الشبيلي 



 

لم تكن لتمحى من الذاكرة الزيارة الاستثنائيّة التي نظّمها “الأمير البترولي” عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز لمثقّفي دول الأوبك بمناسبة انعقاد قمّتها الثالثة في الرياض قبل أكثر من عشرة أعوام، في 2007، والتي كان من ضمن برنامجها زيارة حقل «الشيبة» التابع لأرامكو السعوديّة على الطرف الشرقي للربع الخالي المحاذي لسلطنة عُمان ودولة الإمارات، أيامٌ لا تنسى.. لقد كان البرنامج كله في كفّة، وما شاهدته المجموعة في محيط حقل الشيبة، ومعهم كاتب هذا المقال، في كفّة أخرى.

قال منظّم جولة المثقّفين: حرصنا أن تصل بكم الطائرة قبل غروب الشمس، كي تتمكّنوا من صعود قمم نفود الرمل العالية وتشاهدوا مغيبها الأخّاذ، إنها لحظة ستبقى في ذاكرتكم، فبقيت فعلاً رغم مرور عقد من الزمن على المناسبة.

في أواخر الشهر المنصرم، تكرّر المشهد بوجه آخر، بزيارة الطرف الغربي المقابل من الربع الخالي، مما يلي نجران ووادي الدواسر، على بعد نحو سبعمئة كيلومتر من الرياض العاصمة، في موقع يسمٌى «محميّة عروق بني معارض» البالغة مساحتها اثني عشر ألف كيلو متر مربّع، وهي إحدى أكبر المحميّات العشرين الطبيعيّة والصحراويّة والبحريّة التابعةً لهيئة الحياة الفطريّة السعوديّة (والمعلومات عنها متاحة في موقع الهيئة ومطويّاتها). 

كانت زيارة استثنائيّة أخرى بكل المقاييس، لمجموعة من أعضاء مجلس الشورى القدامى من محبّي الاكتشافات والرحلات والآثار، يتوزّع الشكر لحسن تنظيمها بين هيئة السياحة والتراث الوطني، «صاحبة النُّزل الصحراوي الفريد داخل المحميّة»، وهيئة الحياة الفطريّة «راعية المحميّة الصحراويّة البديعة»، وبين زميلهم د.زياد بن عبدالرحمن السديري، الذي دأب على استضافة هذه الرحلة السنويّة لزملائه منذ بدأت فكرتها قبل عشرين عاماً، فكان أن قضوا فيها ثلاثة أيام خياليّة بلياليها جابوا فيها أرجاء المحميّة وما حولها من الآثار والوديان والتكوينات الطبيعيّة، وقضوا أماسيها بالمسامرات والندوات تحت ضوء القمر، وبجوار الدفء المنبعث من حطب السَّمْر المجلوب من خارج المحميّة، وسط جوّ قاريّ بارد ليلاً دافئ نهاراً.

عوالمٌ مجهولة ومدنٌ تحتاج إلى اكتشاف
قبل الحديث عن الربع الخالي المعروف بمساحاته الصحراويّة الشاسعة والواقع في الزاوية الجنوبيّة الشرقيّة من الجزيرة العربيّة، إذ يقع معظمه في السعوديّة وتحاذي الإمارات وعُمان واليمن أطرافه الشرقيّة والجنوبيّة بمساحة إجماليّة تقدّر بستمئة وخمسين ألف كيلومتر مربع، أي بما يقارب ثلث مساحة السعوديّة، ويُعتقد أنه ثاني أكبر صحراء في العالم، قبل هذا، لا بد من التعريج على قرية تراثيّة تاريخيّة مطمورة مجاورة، نوَّهت عنها كتابات الهمداني ورحلات فيلبي الاستكشافيّة المبكّرة، ثم قام على أثر ذلك فريق علمي أثري من قسم التاريخ والآثار بجامعة الملك سعود بقيادة د.عبدالرحمن الأنصاري بحفريّاتها، منذ ثلاثين عاماً، فاكتشف التنقيب من القرية نحو نصفها، وهي لا تزال تنتظر من هيئة الآثار ومن الجامعة مزيداً من الحفريّات واستظهار النقوش والخدمات السياحيّة، فيما يمكن النظر إليها باعتبارها من أهم المحميّات الأثريّة في جنوب السعوديّة، والتي يعود تاريخها إلى مملكة كندة العربيّة الجنوبيّة التي امتد نفوذها إلى نجد شمالاً قُبيل ظهور الإسلام.

تلك الرمال الملهمة
صحراء الربع الخالي، إنه ذلك المستودع المتنوّع بعمقه الحضاري والإنساني، وبحياته الفطريّة الحيوانيّة والنّباتيّة المحميّة من الرعي والصيد، وبثروته الاستراتيجيّة برماله المتحرّكة، وبمخزونه المائي عبر القرون، وبأوديته وتكويناته الطبيعيّة الصحراويّة العجيبة التي تغري بإقامة رياضات التّزلّج على الرمل والراليّات العالميّة التي لم تستثمر بعدُ، تلك الرمال التي عبرها أعلام كثر مثل توماس وفيلبي وتسيجر بين عامي 1930 و1950، ثم تلا ذلك رحلات علميّة سعوديّة وأمريكيّة جيولوجيّة وبيئيّة عدة، وقد أنجز مؤخّراً طريق برّي من اتجاهين يربط لأول مرّة بين شرق السعوديّة وغرب سلطنة عُمان مباشرة بطول ستمئة كيلومتر مروراً بحقل الشيبة الآنف الذكر، ويختصر المسافة بين البلدين بأكثر من ألف كيلو متر، لو كان المرور بينهما عبر الإمارات أو اليمن.

وقد صدرت عن الربع الخالي كتب جغرافيّة وانثربولوجيّة عدة، لعل من أهمها وأشملها ما ألّفه فيلبي عام 1931 بعنوان «الربع الخالي» وترجمه صبري محمد حسن، ثم أعادت مكتبة العبيكان نشره عام 2001 بترجمة للأستاذ حسن عبدالعزيز أحمد، وهناك كتب تطرّقت إلى الربع الخالي من خلال دراسة إنسان الجزيرة العربيّة أو عبر الاقتصاد أو الطبيعة والمناخ، لكنه يبقى، - خلال الدراسات الجيولوجيّة والمسوحات الجيوفيزيقية، وبالرغم من بعده الجغرافي عن الخدمات، وقسوة ظروفه المناخيّة -، مستودع الاقتصاد الواعد لمستقبل الدول الأربع المحيطة به، وبخاصة فيما يتعلّق بأمنها المائي وبثروة الطاقة والمعادن.




التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview