النسخة التجريبية   

عكاظ.. الحلم الذي ( تحقق ) ؟

مشاهدات: 75 2018/06/30 تعليق: 0

حمّاد بن حامد السالمي(*)

يا سبحان الله.. كنا ونحن على مقاعد الطلب قبل خمسة عقود، نخرج من الطائف إلى فضاء هذه الأرض. إلى عكاظ الباحة الجرداء من شمال شرقي الطائف. نقضي نهاراتنا بين تلة وتلة، وبين جُبيل وجُبيل، وبين صخرة وصخرة، نحاول جاهدين العثور على أثر مما تركه الشعراء في معلقاتهم عن هذا المحفل الشعري الثقافي الكبير.


كنا وكنا.. في حلم جميل، إلى أن صرنا نحتفل ونحتفي بعكاظ في كل عام. ها هي أرض عكاظ ومعالمه تتحرك.. تنمو.. إنها تقول ما لم يستطع قوله البشر منذ ثلاثة عشر قرناً. من قال إن الأرض خرساء لا تعرف الكلام..؟! جربوا أن تستنطقوا (الأثيداء، والخَلص، والغِيران، وشِرب، والأخيضر)، وغيرها من المعالم الجغرافية على صعيد عكاظ. إن كل حجر وشجر حولنا ينطق بما كان عليه البشر في غابر زمان عكاظ الذي كان منبراً لشعر العرب وفصاحتهم، وسوقاً لتجارتهم وسباقاتهم، وهيئةً إنسانيةً للمناصحة والمناصفة.


بعد مئين من السنين، فاق العرب إلى حقيقة سوقهم الذي كان؛ فولد السوق بعد مخاض عسير جداً، في ظل غياب جملة من الحقائق التاريخية. هذا الغياب أو التغييب هو الذي أخّر بعث سوق عكاظ من رماد التاريخ.


لم يكن سوق عكاظ جاهلياً محضاً كما يحاول البعض تصويره لغرض في نفسه. ولد السوق في العصر الجاهلي بسنوات لم يتفق عليها المؤرخون، ثم ظل قائماً في الإسلام 129 عاماً. هذه حقيقة أولى مهمة.


الحقيقة الثانية: أن منشأ سوق عكاظ على مقربة من مكة لم يكن لولا الحج؛ فهو إذن قد ارتبط منذ البدء بشعيرة دينية؛ فالظرف الديني أوجده على ملتقى طرق الحج الجنوبية والشرقية والشمالية، ثم تنوعت بعد ذلك وتعددت أغراضه وأهدافه.


الحقيقة الثالثة: أن لا أحد في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا في زمن الصحابة أو التابعين أو مَن جاء من بعدهم إلى سنة 129هـ، كان ينتقد السوق أو يدعو لوقفه؛ فالرسول -صلى الله عليه وسلم- وقف به أكثر من ست مرات في الجاهلية وفي الإسلام، وفعل عمر بن الخطاب والصحابة -رضوان الله عليهم-، وغيرهم من التابعين.


الحقيقة الرابعة: أن وقف السوق سنة 129هـ، كان على أيدي فئة متطرفة ضالة هم الحروريون الخوارج.


إن بعث سوق عكاظ من مرقده الذي دام عدة قرون، يشي بوعي حضاري متميز لدولة ناهضة، ومجتمع راق. وعي كامل بقيمة هذا الرمز الشعري والثقافي الذي كان يُجمع عليه العرب، ويعرفه ويرتاده العجم.


بعد مرور اثني عشر عاماً أصبح عكاظ قيمة ثقافية وتاريخية تضاف إلى قيم السعوديين والعرب، وهو إذ يبحث عن الريادة الشعرية والفنية في شاعر عكاظ، وعند الشعراء الشباب، والمصورين، والرسامين، والمبدعين في كل ميدان، إنما يبحث عن التميز في دنيا الشعر والأدب والثقافة على مستويات عالمية؛ ولهذا.. فعكاظ يسير على طريق الإثراء المعرفي، ويرفع من القيمة الثقافية للعرب بشكل عام.


توجد فوارق واختلافات كثيرة في كل نسخة سنوية من عكاظ؛ فنحن نلمس تراكمات جديدة من الخبرات الواعدة في التنظيم والإدارة وتنوع الطرح،


إلى جانب التوسع في بناء البنى التحتية التي تصل بنا في النهاية إلى مدينة ثقافية وسياحية اسمها عكاظ، تستمد قوتها من مكان عكاظ، ومن مكانته، على حدٍّ سواء، وتجعل من عكاظ في المستقبل، ملتقى لكل المواسم، ولكل الأطياف، وليس الذي يفتح أبوابه مرة واحدة في العام، ثم يقفلها بعد أسبوعين.

 

(*) كاتب، وباحث، وصاحب منتدى السالمي الثقافي بالطائف.

 
























التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview