النسخة التجريبية   

الطائف بأقلامهم... زاروها وافتتنوا بها

مشاهدات: 329 2018/06/30 تعليق: 0

بقلم: أشرف أبو اليزيد


إن استثنينا مكة المكرمة والمدينة المنورة، فإنه لم تحظَ حاضرة من حاضرات الحجاز بما حظيت به الطائف من اهتمام ووصف وتوثيق وكتابة؛ وذلك لخصوصيتها الشديدة تاريخاً وجغرافيا؛ فهي محلة شهدت الكثير من الأحداث قبل الإسلام وبعده، وامتلكت مفردات لم تمتلكها مدينةٌ أخرى؛ فهي مدينة العنب والورد الطائفي ومصيف الملوك منذ الجاهلية حتى اليوم؛ لطيب هوائها، وبرودة جوها.


وقد أفرد لها ياقوت الحموي في كتابه الشهير (معجم البلدان) تفصيلاً شديداً، وأولاها عناية تأريخية؛ لأهمية المكان وكثرة أحداثه. ومن جملة ما يقول: “الطائفُ، بعد الألف همزة في صورة الياء ثم فاء، وهو في الإقليم الثاني، وعرضها إحدى وعشرون درجة، وبالطائف عقبة وهي مسيرة يومٍ للطالع من مكة ونصف يوم للهابط إلى مكة، عمّرها حسين ابن سلامة، في حدود سنة 430 هـجرية، فعمّر هذه العقبة عمارة يمشي في عرضها ثلاثة جمال بأحمالها، وقال أبو منصور: الطائف العاسّ بالليل، ومنه قوله تعالى: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ من رَبِّكَ، فلا يكون الطائف إلا ليلاً ولا يكون نهاراً، وقيل في قول أبي طالب بن عبدالمطلب: نحن بنينا طائفاً حصيناً، والطائف: هو وادي وجّ وهو بلاد ثقيف، بينها وبين مكة اثنا عشر فرسخاً”.

 

ويصفها الحموي بقوله: “الطائف ذات مزارع ونخل وأعناب وموز وسائر الفواكه، وبها مياه جارية وأودية تنصبّ منها إلى تبالة، وجلّ أهل الطائف ثقيف وحمير وقوم من قريش، وهي على ظهر جبل غزوان، وبغزوان قبائل هذيل، وقال ابن عباس: سمّيت الطائف لأن إبراهيم -عليه السلام- لما أسكن ذرّيته مكة وسأل الله أن يرزق أهلها من الثمرات أمر الله -عز وجل- قطعة من الأرض أن تسير بشجرها حتى تستقرّ بمكان الطائف فأقبلت وطافت بالبيت ثم أقرّها الله بمكان الطائف؛ فسمّيت الطائف لطوافها بالبيت، وهي مع هذا الاسم الفخم بليدة صغيرة على طرف وادٍ، وهي محلّتان: إحداهما على هذا الجانب يقال لها طائف ثقيف، والأخرى على هذا الجانب يقال لها الوهط”.


 


أرض القصص والعنب

كانت الطائف تحت جباية بني عامر إلى أن جاء عامٌ من الأعوام منعتهم ثقيف عما تعوّدوه من جباية؛ فجرت بينهم حرب انتصرت فيها ثقيف وتفرّدت بملك الطائف؛ فضربتهم العرب مثلاً؛ فقال أبو طالب بن عبدالمطلب:

منعنا أرضنا من كل حيّ... كما امتنعت بطائفها ثقيف

أتاهم معشرٌ كي يسلبوهم... فحالت دون ذلكم السيوف

 

وقال بعض الأنصار:

فكونوا دون بيضكم كقوم... حموا أعنابهم من كل عادي

 

وللطائف خصوصية جغرافية هائلة جعلتها محل حسد العرب، وقد ذكر المدائني أن سليمان بن عبدالملك لما حجّ مرّ بالطائف فرأى بيادر الزبيب؛ فقال: ما هذه الحرار؟ فقالوا: ليست حراراً ولكنها بيادر الزبيب، فقال: لله درّ قسيّ بأيّ أرض وضع سهامه وأيّ أرض مهّد عشّ فروخه!

وقال مرداس بن عمرو الثقفي:

فإنّ الله لم يؤثر علينا... غداة يجزّئ الأرض اقتساما

عرفنا سهمنا في الكف يهوي... كذا نوح، وقسّمنا السهاما

فلما أن أبان لنا اصطفينا... سنام الأرض، إنّ لها سناما

وأسفلها منازل كلّ حيّ... وأعلاها ترى أبداً حراما

 

ومنذ القدم اتُخذت الطائف مصيفاً للملوك والخلفاء والوزراء؛ فهذا معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- يقول: “أغبط الناس عيشاً مولاي سعد؛ يتربّع جدّة، ويتقيّظ الطائف، ويشتو بمكة”. وقد وصف محمد بن عبدالله النّميري زينب بنت يوسف أخت الحجاج بالنعمة والرّفاهية فقال: “تشتو بمكة نعمة... ومصيفها بالطائف”.

 

ومن غريب ما ذكر في الطائف ما قاله الأزرقي أبو الوليد عن الكلبي؛ إذ قال: “لما دعا إبراهيم -عليه السلام-: فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات؛ استجاب الله له؛ فجعله مثابة، ورزق أهله من الثمرات؛ فنقل إليهم الطائف، وكانت قرية بالشام، وكانت ملجأ للخائف إذا جاءها أمن”.

 

وذكر الدكتور جواد علي في كتاب (العرب قبل الإسلام) أنالطائف كانت، ولا تزال، مصيفاً طيباً يقصده أهل مكة مراراً من وهج الشمس”.

وقال المؤرخ عبدالقدوس الأنصاري: “من ثمار حضارة الطائف واهتمامات أهله من ثقيف أنه نبت منهم فيه أبطال مغاوير، وزعماء عظام، ورجال كبار، وقواد أجلاء، وشعراء بارعون، وأطباء متفوقون، وسياسيون دهاة محنكون، ومحاربون أبطال”.

أما الأمير عبدالله الفيصل فقد ذكرها في ديوانه (وحي الحرمان):

أوتذكرين بوادي وج وقفتنـا... وقد أفاضت علينا الطهر عيناكِ

 



أمير البيان شكيب أرسلان كان قد أصابته الحمَّى والتهاب شديد في الشعب الرئوية بسويسرا، ووُصفت له الطائف؛ فذهب إليها استطباباً؛ فقال:”... فما مضى عليَّ في الطائف إلا قليل حتى ذهب هذا الزكام بتمامه، وصار الهواء يجري في رئتي كأنه في الصحراء. ولما رجعت إلى أوروبا قال لي الأطباء بعد المعاينة إنه لم يبقَ هناك أثر لشيء يقال له زكام في شعب الرئة. ولا أقول إن هواء الطائف شفاني، بل إن الله هو الذي شفاني بهذا الهواء”.

 

ونُقل عن الأصمعي أنه قال: “وصلنا الطائف فكأني كنت أبشر، وكأن قلبي ينضج بالسرور، ولا أجد لذلك سبباً إلا انفساح حدها، وطيب نسمتها”.

 

وأورد المقدسي في (أحسن التقاسيم) أن الطائف مدينة شامية الهواء، باردة الماء، كثيرة الفواكه، إذا تأذى ملوك مكة بالحرِّ خرجوا إليها؛ حيث كانت مصيفاً لهم، بينما تقول (دائرة المعارف الإسلامية) إن الطائف كانت مركزاً فريداً بين مدن الحجاز؛ لجوها المنعش.

 

الدكتور محمد حسين هيكل دوّن في كتابه الشهير (منزل الوحي) قوله: “فلا عجب إن أدركك من جو الطائف شيء من البرد، ولكن لا تخف؛ فهو مصح لا يضره جوه”.

وقال الأصطخري: “الطائف مدينة أكثر ثمارها الزبيب، وهي طيبة الهواء، وأكثر فواكه مكة منها”.

 

 


الطائف في كتب الرحالة الغربيين

لقد ذُكرت الطائف في كتب الرحالة الأوروبيين في أكثر من موضع؛ وذلك لقربها من مكة التي كانت ممنوعة على غير المسلمين؛ فتقف عندها الرحلات، وتعرج على عقباتها القوافل.


ولعل رحلة الطبيب الفرنسي موريس تاميزيه سجلت أوصافاً وتفاصيل مهمة في الطائف منتصف القرن التاسع عشر، وكانت المدينة مدمَّرة بسبب تفشي وباء الطاعون فيها؛ فقال: “إنها مدينة محزنة بسبب الدمار الذي أصابها، وذلك بسبب انتشار وباء الطاعون فيها، وهو داء قضى على عدد كبير من السكان، إلا أن الرقعة الخضراء التي تغطي هذه المنطقة لم تنحسر عنها أبداً”.

 

وفي عام 1854م، أقام المستشرق شارل ديدييه Charles Didier في جدة مدة، ثم غادرها إلى الطائف؛ لمقابلة الشريف عبدالمطلب بن غالب الذي كان يقضي إجازته في قصره بالطائف. وكتب كتابه الشهير (إقامة في رحاب شريف مكة)، ويصف فيه الطائف جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً معتبراً إياهاعروة التجارة في الحجاز”.

 

وكتب د.محمد بن عبدالله آل زلفة عن أول رحالة أوروبي يدخل الطائف، وهو الرحالة المشهور لويس بوركهارت السويسري الأصل، الإنجليزي الثقافة والجنسية، يقول: “وصل بوركهارت إلى الطائف في اليوم التاسع والعشرين من شهر أغسطس 1814م، ومكث بها حوالى عشرة أيام قال فيها: “معلوماتي عن الطائف قليلة جداً، ولم أدوّنها في ورق حتى بعد مغادرتي لها، ولم أكن أبداً بمفردي خلال إقامتي فيها، ولم أعرف أحداً يمكن أن آخذ منه بعض المعلومات. وخلال صيام رمضان لا يتحرك رجال الطبقة العليا الذين أعيش بينهم من بيوتهم خلال النهار. وتقع مدينة الطائف في وسط سهل رملي محيطه حوالى أربع ساعات، وينمو فيه كثير من الشجيرات الصغيرة، وتحيط به جبال منخفضة تسمَّى جبل غزوان، وهي متصلة بسلسلة الجبال الكبيرة التي تستمر على بُعد أربع أو خمس ساعات ناحية الشرق ثم تنتهي في السهل. والطائف عبارة عن مربع غير متناسق محيطه لا يزيد على مسافة تستغرق خمساً وثلاثين دقيقة من السير السريع، ويحيط به سور وخندق بناهما عثمان المضايفي، وللسور ثلاثة أبواب ويحميه عدد من الأبراج، ولكنه أقل متانة من أسوار جدة والمدينة وينبع، ويبلغ سمكه في أماكن عدة أكثر من ثماني عشرة بوصة. وفي غرب الطائف تقع القلعة على مكان صخري مرتفع وتشكل جزءاً من السور، وقد بناها الشريف غالب، ولا يمكن لمثل هذا المبنى أن يحمل اسم قلعة لولا أنها أكبر مباني الطائف، وجدرانها الحجرية أقوى من جدران المباني الأخرى”.


ويضيف بوركهارت: “معظم منازل الطائف صغيرة، لكنَّ بناءها قوي من الحجارة. وتقع غرفة الاستقبال في الدور العلوي، ولم أرَ غرفة استقبال في الطابق الأرضي. كما أن شوارع الطائف أفسح من معظم شوارع مدن الشرق، وليس فيها ميدان عام سوى ذلك الذي يقع أمام القلعة، ويقام به سوق المدينة. ويمدُّ الطائف بالماء بئران غزيرتان؛ واحدة منهما داخل السور، والأخرى أمام أحد أبوابه مباشرة، وماؤها عذب، لكنه ثقيل. وتشتهر الطائف في كل الجزيرة العربية ببساتينها الجميلة، لكنها تقع في أسفل الجبل الذي يحيط بالسهل الرملي. ولم أرَ بستاناً واحداً، بل لم أرَ شجرة واحدة داخل السور، وقد أحصيت الدكاكين؛ فكان عددها حوالى خمسين”.


وممَّن سجلوا ملاحظاتهم عن الطائف أيضاً الشاب الإيطالي جيوفاني فيناتي الذي قال: “كان الوقت عند بزوغ الفجر عندما بدأنا نرى أول مشهد للطائف التي كانت سارّة ومنعشةً لنا جميعاً، ومع أنها كانت صغيرة في حد ذاتها فإنها كانت محاطة بالحدائق والنباتات ذات الروائح المنعشة، حيث كان الهواء عبقاً ومعطراً تماماً ومن على بُعد مسافة لا يُستهان بها”.

 

* كاتب مصري ومدير تحرير مجلة العربي الكويتية سابقاً.

 





التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview