النسخة التجريبية   

عكاظ.. سراة الشعر أفصحهم

مشاهدات: 323 2018/06/30 تعليق: 0

“لا تحضروا سوق عكاظ إلا محرمين بالحج” يروي الأزرقي. كان عكاظ موسماً من مواسم الحج عند العرب في جاهليتها يسبق الوقوف بعرفة. هو التجمع الكبير وسوقهم الأدبي والتجاري. حقق في ذاته حلم الخلود؛ فعاشت فيه لغة العرب وشعرائهم، وذاع من خلاله شعر الخنساء والنابغة وحسان بن ثابت، وانطلق منه شعر المشجرات والمُعلقات؛ فكان في حاضره وماضيه علامة واصلة بين العراقة والمعاصرة. 


مسيرة عبر التاريخ

لم تكن 13 قرنا من التوقف كافية لطمس معالم سوق عكاظ ومكانه في مدينة الطائف، بل بقي مُحدداً في مكانه قدماً بقدم وذراعاً بذراع، يتناقل أخباره المؤرخون. يقول ياقوت الحموي في كتابه (معجم البلدان)، إن عكاظاً اسم سوق من أسواق العرب في الجاهلية، كانت القبائل تجتمع فيه كل عام، يتفاخرون فيه، ويحضره الشعراء؛ فيتناشدون ما أحدثوا من الشعر ثم يتفرقون؛ فهو أعظم أسواق العرب وفخرها، إلى جانب سوق مجنة الذي كانت تقيم فيه العرب عشرين يوماً من ذي القعدة، ثم تنتقل إلى سوق ذي المجاز حتى بداية موسم الحج.


لم يكن اسم السوق ومكانه محل خلافٍ بقدر معناه. يقول الليث إن عُكاظٌاً بضم أوله، سُمي بذلك الاسم لأن العرب كانت تجتمع فيه فيَعكِظ بعضهم بعضاً بالفخار؛ أي يدعك. ويحكي السهيلي قائلاً: “كانوا يتفاخرون في سوق عكاظ إذا اجتمعوا؛ فيقال عكظ الرجل صاحبه إذا فاخره وغلبه بالمفاخرة”. وعلى الرغم من اختلاف أهل اللغة في معاني الاسم المختلفة بين القهر والحبس وردِّ الفخر والتجادل والتحاج، إلا أن كلها معانٍ للعكظ، وكلها صالحة لأن تُعلل بها التسمية.


بقي سوق عُكاظ في ذاكرة العرب راسخاً كرسوخ جبال مكة. يقول الأصمعي عن مكانه: “هو نخل في وادٍ بينه وبين الطائف ليلة، وبينه وبين مكة ثلاث ليالٍ، وبه كانت تقام سوق العرب في مكان يعرف بالأُثَيداء”، مضيفاً: “كانت في عكاظ صخور يطوفون بها ويحجون إليها”.

 



أقدم ملتقى للشعر

كان سوق عكاظ معرضاً بمعناه العصري؛ حيث يعرض كل صاحب بضاعة بضاعته، فهو المكان الأكبر للبيع والشراء واجتماع القوافل في الجزيرة العربية. كما كان معرضاً للشعر والمبارزة بالفصاحة واللغة، وذلك منذ بدايته التي ذكرها بعض أهل الأخبار مثل الألوسي في (بلوغ الأرب)، بأن سوق عكاظ موسم عظيم من المواسم، وقد اتُخذ سوقاً بعد عام الفيل (570 - 571م) بخمس عشرة سنة، لكن تعارض الروايات التي دحضت ذلك جعل تأريخ السوق ليس بعيد العهد عن الإسلام؛ فهو قبله بنحو ربع قرن، وقد أقيم وعمر الرسول آنذاك 15 عاماً. أو أنه قد عمّر أكثر من قرنين ونصف القرن في الجاهلية والإسلام؛ حتى تضاءل شأنه وخرب بعد سنة 129هـ، عندما ظهر الخوارج الحرورية مع المختار بن عوف في مكة؛ فنهبت هذا السوق، وخاف الناس على أنفسهم من الذهاب إليه، فتُرِك.

 

تختلف عادات العرب ويجمعهم السوق

جمع السوق على منصته عادات العرب، والتَعرف على أحوالهم السياسية والاجتماعية، وحتى عرض أفكارهم ومعتقداتهم. ويذكر التاريخ القصة المشهورة عن قس بن ساعدة وهو يخطب الناس، ويذكرهم بالخالق بكلماتٍ بقيت عبر التاريخ، ويعظهم بمَن كان قبلهم، ويأمرهم بفعل الخير. وفيه كان عمر بن الخطاب إبان الجاهلية يصرع مَن ينافسه.


قال المرزوقي: “كان في عكاظ أشياء ليست في أسواق العرب؛ فكان الملك من ملوك اليمن يبعث بالسيف الجيد، والحلة الحسنة، والمركوب الفاره، فيقف بها وينادي عليه: “ليأخذه أعز العرب” يريد بذلك معرفة الشريف والسيد؛ فيأمره بالوفادة عليه ويحسن صلته وجائزته”. وكان كسرى يبعث في ذلك الزمان بالسيف القاطع والفرس الرائع والحلة الفاخرة فتعرض في تلك السوق, وينادي مناديه: “إن هذا بعثه الملك إلى سيد العرب” فلا يأخذه إلا مَن أذعنت له العرب جميعاً بالسيادة؛ فكان آخر مَن أخذه بعكاظ حرب بن أمية.


 


الإسلام وسوق العرب

لسنوات طويلة كان عكاظ سوق العرب الأول في الجاهلية، وكان النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- يذهب إليه، ويُروى أنه عندما قَدِم وفد إياد قوم قس بن ساعدة يبايعونه على الإسلام، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “كأني أنظر إليه “يقصد قساً” بسوق عكاظ على جمل له أورق، يتكلم بكلام عليه حلاوة ما أجدني أحفظه”، فقال رجل من القوم: “أنا أحفظه يا رسول الله، فتلاه عليه، فلما انتهى قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: يرحم الله قساً، إني لأرجو أن يبعث يوم القيامة أمة وحده”.


 


وعندما جاء الأمر الإلهي بأن يصدع النبي صلى الله عليه وسلّم برسالة الإسلام وتبليغها جهراً بعد أن كانت سراً، ذهب إلى سوق عكاظ يستقبل القبائل ويعرض عليهم دعوته. يقول أستاذ السيرة النبوية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور عبدالعزيز بن إبراهيم العمري في مؤلفه (رسول الله وخاتم النبيين.. دين ودولة): “كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متردداً على تلك الأسواق قبل البعثة وبعدها، وقد حاول كفار قريش التنقص منه كما ورد في سورة الفرقان: “وقالوا مالِ هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق”.


وقد كان انتشار الإسلام والحرص على موسم الحج، بدايةً لتراجع الإقبال على أسواق الجاهلية، حيث تتوافد القوافل على مكة للبيع والتجارة، كما كان مكوث الصحابة في المدينة سبباً آخر في انفضاض الناس عن السوق.

 

لقد كان سوق عكاظ على مرِّ التاريخ اجتماعاً إنسانياً ومعرضاً للبيع والشراء ومنصة للمبارزة بالشعر واللغة.. لم يغب يوماً عن ذاكرة العرب حتى عاد في حلة جديدة بجديد الملتقيات والمسابقات التي تكشف عاماً بعد عام عن الفصحاء والشعراء ورواد الأدب.







التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview