النسخة التجريبية   

سوق عكاظ أن تشهد ما شهده العرب الأوائل

مشاهدات: 314 2018/06/30 تعليق: 0

يشكل سوق عكاظ معلماً سياحياً وتراثياً فريداً من معالم المملكة العربية السعودية، ورافداً مهماً من روافد السياحة التراثية فيها؛ إذ يقوم السوق في ذات المكان الذي يقع فيه سوق عكاظ التاريخي حيث كانت تتوافد عليه العرب والعجم. واليوم أصبح سوق عكاظ مقصداً للكثير من السياح من شتى أنحاء العالم؛ لمشاهدة السوق كمعلم تاريخي ضارب في جذور الماضي، ولا يزال يحتفظ بعبق التاريخ، وبريق الحاضر.


ولا يشكل سوق عكاظ أهمية للمملكة العربية السعودية وحسب، بل إنه رمز لكل العرب والناطقين بلغة القرآن. وفي أهميته كمعنى وحضور، يذكر مستشار رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني أ.د. سعد بن عبدالعزيز الراشد أن بداية سوق عكاظ كانت في عام 501م أي قبل ظهور الإسلام بقرن، وبعد انتشار الإسلام ضعف نشاط السوق حيث استعاض الناس عنها بأسواق مكة الدائمة، وسوق منى، إلى جانب تأسيس مدن الأمصار في البلاد التي فتحها المسلمون ما جعل الناس يستغنون بأسواقها. إضافة إلى نتائج الكشوفات الأثرية لفرق التنقيب الأثري التابع للهيئة التي أظهرت أن السوق شهد حضارات تعود إلى العصر الحجري. وتعد فصلاً مهما من تاريخ العرب قبل الإسلام فقد كانت تُمثل تجمعاً اقتصادياً، واجتماعياً، وثقافياً، تطورت فيه لغتهم، وشعرهم، وأدبهم، وذابت فوارق لهجاتهم، وعاداتهم، وتوحدت لغتهم نحو اللغة العربية الفصحى التي نزل بها القرآن الكريم.


كما أكد الراشد حضور الرسول صلى الله عليه وسلم سوق عكاظ،  سنة إلقاء قس بن ساعدة لخطبته، فقد روي عن قصة وفد قبيلة إياد أنه لما قدم الوفد إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ليعلن إسلام القبيلة سألهم رسول الله عن قس بن ساعدة الإيادي، فقالوا مات يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كأني أنظر إليه بسوق عكاظ على جمل له أوراق، وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة ما أجدني أحفظه»، فقال أحدهم إني أحفظه يا رسول الله، وتلا عليه بعض خطبة قس بن ساعدة.


أما عن التجارة فيه وأوقات عقده من كل عام، أوضح د.الراشد أن سوق عكاظ يبدأ في أول ذي القعدة من كل عام،ويستمر حتى 20 منه، ثم يرتحل الناس منها إلى سوق مجنة، فإذا أهلّ ذي الحجة ذهب الناس لسوق المجاز ثم إلى الحج. كانت عكاظ معرضاً تجارياً تُجلب إليه أنواع البضائع المختلفة من هجر والعراق، والشام، وفارس، واليمن، ومن البوادي، يجلب إليها السمن، واللبن، والأقط، والأغنام، والإبل، ومن اليمن البُرَد الموشاة، والأدم، ومن الشام السلاح، ومن فارس الطيب والحرير، ومن الطائف الجلود، والزبيب، والعنب، كما اشتهرت عكاظ ببيع الأدم حتى قيل أديم عكاظي منسوب إليها مع أنه لم يكن ينتج في السوق، بل لكثرة ما يرد من أنواعه إلى عكاظ من مختلف الأنحاء. وكانت عكاظ منتدى ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً للعرب يقصدونه ليبرزوا فيه أخبارهم، ويتفاخروا بأدبهم، وشرفهم، كما كانت عكاظ مكاناً يظهر فيه العرب مكارمهم شهامة أو طلبا للسمعة والشهرة، كما كانت عكاظ مكاناً يُشَهّر فيه بالأشخاص، والأحداث، فمن أُسدي له معروفاً، وأراد شكره حضر إلى مجتمع سوق عكاظ، وأعلن شكره لمن أسدى إليه المعروف، وعدد محاسنه. وأبرزت الدراسة أن في سوق عكاظ يتم الصلح، وإنهاء العداء، والحكم في القضايا الخلافية والتجارية، وكان الذي يقوم بالقضاء أناس من بني تميم، وكان قضاة السوق يحرصون على التأكد من مصدر البضائع التي ترد إليه حتى لا تفد على السوق بضائع مسروقة أو غير معروفة المنشأ. ولقد كان من أعظم آثار أسواق العرب قبل الإسلام توحيد لغة العرب، وعادتهم من عامة الأقطار، ونهضة الشعر (ديوان العرب). وأشارت الدراسة إلى أن أرض سوق عكاظ في الجاهلية، وصدر الإسلام كانت صحراء مستوية لا عَلَم فيها، ولا جبل، ولم تذكر المصادر أي إنشاءات أو مبانٍ في موضع السوق، بل كانت تنصب القباب أيام السوق لحكام عكاظ. وبينت الدراسة أن المنطقة لم تخل من دلائل الاستيطان لفترة ما قبل التاريخ؛ حيث وجد في الجنوب من سوق عكاظ بحوالي 5كم، مرتفعين جبليين يربط بينهما أساس جدار بطول 300م، وعرض 2م، وفوق قمة كل مرتفع مجموعة من الركامات الحجرية، كما عثر على ملتقطات سطحية عبارة عن شظايا من حجر الصوان، تظهر على بعضها آثار تقنية التصنيع.

 

مزايا عكاظ وفرائده

في سوق عكاظ التاريخي تتجلى مع الزمان مكانة المكان، وقيمة الإنسان، والشعر العربي قديمه وحديثه؛ ينقل إلينا بصدق وأمانة هذه الصورة الباعثة على الحنين إلى ماضي السوق، والدافعة إلى استحضار العهد الجميل لعكاظ، في الزمن السعيد الذي نعيشه.


كان سوق عكاظ في زمنه مدرسة نقدية متقدمة في دنيا العرب، تُعرض عليها أشعار الناس، وآدابهم، وحتى أخلاقهم، ومفاخرهم، وسلوكهم في السلم والحرب، يُعرف من خلالها جيد الشعر من رديئه، وكريم الناس من بخيلهم، وشجاعهم من جبانهم، إلى غير ذلك مما كان يُعكظ في سوق عكاظ، ويعرفه داني الناس وقاصيهم من عرب وعجم.


مثّل سوق عكاظ عند شعرائه الأقدمين واقعاً معاشاً يستحق التسجيل والتبجيل، لكنه تحول فيما بعد إلى قيثارة حب شجية على أفواه الشعراء الذين لم يشهدوا هذا السوق؛ قيثارة شجية باعثة على الوجد والحنين والشكوى، وهم لا يخفون محاولاتهم استرجاع صور متخيلة من ماضٍ بعيد لعكاظ.




أصبح عكاظ فيما بعد أثراً، وتحول الأثر فيما بعد إلى رمز ثقافي وتاريخي وشعار يرفع في المناسبات والمحافل الشعرية والأدبية، ثم يتمحور عند البعض إلى أمنية حبذا لو تحققت في ظل شتات العرب وفرقتهم، وفي زمن خفوت صوتهم الأدبي والشعري الذي كان يجمعهم ويوحدهم في سوق عكاظ.


إن لسوق عكاظ بعده التراثي الضارب بجذوره في الوجدان العربي منذ مئات السنين؛ فقد مثّل هذا السوق الفريد في جزيرة العرب في عصريه الجاهلي والإسلامي عند شعرائه الأقدمين ومَن تبعهم.


 إلى يوم الدين، واقعاً معاشاً يستحق التسجيل والتبجيل.


على الصعيد العربي هذا هو الشاعر حافظ إبراهيم يشبِّه دار الكتب المصرية -في حفل أقيم له- بعكاظ الذي يجمع العرب عليه من نجد والحجاز ومصر وغيرها، فيقول:

 

وخطبـــت أبكـار المعاني منكمـو

وزفـفتها بنفــائس الألــفـــاظ

فكأن نجـــداً والحجـاز عشــيرتي

وكـأن هذي الدار سـوق (عكـاظ)

 

وفي حفل أقامه صاحب جريدة عكاظ المصرية يوم 3 ديسمبر 1920م، وسماه (سوق عكاظ) يعيد حافظ إلى الذاكرة العربية أيام سوق عكاظ البهيجة، فيقول:

 

أتيـــــت (سـوق عـــكاظ)

أســعى بأمـــــر الرئيـــس

أزجــــي إلـيــه قــــوافٍ 

مـنكـــــســـات الــرؤوس

وليـلة مـــــن (عــــكاظ)  

ضـــمت حمــاة الــوطيــس

أحــيــا بــها ذكـــر عــهد 

آثــــاره فـــي الطـــروس

عهـد ســمـا الشــعـر فــيه       

إلـــى مجـالي الشـــــموس

وورده كـــــــان أصـــفى 

مـــن مــــورد القــامـوس

 

وفي الحفل الذي أقيم لمبايعة الشاعر أحمد شوقي بإمارة الشعر، وفي القصيدة التي ألقاها المحتفى به، سمَّى هذا الحفل عكاظاً؛ لما يرى في الاسم والمعنى من رمز لوحدة العرب الشعرية والثقافية التي لم ير من جذورها في الحجاز ما يذكره بها:

 

يا (عـكاظـــاً) تألـف الشرق فيه

مـــن فلســطيـنه إلى بغــدانه

افتقدنا الحجـــاز فـيـه فلـــم     

نعـثر على قِسِّـــه ولا ســحبانه

وإبان الدعوة بإحياء سوق عكاظ مكاناً وأثراً وشعراً وأدباً وتاريخاً، والتي انطلقت قبل أكثر من أربعين عاماً، هب شعراء المملكة ينظمون الشعر في الترحيب بهذه الفكرة التي ظلت تراودهم وتخالج مَن سبقهم؛ لما لعكاظ من ذكرى لا تُمحى مع مرور الزمن، وهذا الشاعر محمد حسن عواد يرحب بفكرة إحياء عكاظ، ويمجد تاريخه وأثره ودوره في الثقافة والأدب ويقول:

 

عكاظ!

تحية حرّى

تساوق وثبة كبرى

وتدعم لفتة التجديد والإحياء والتطوير

على متطلبات العصر

من التعمير والتزهير

إلى تاريخك الخالد في أرواح أبطاله

وفي أعمال مَن كانوا حماة الشعر والكلمة

مشيعي (فكفنينها) بفعل الفكر والنغمة

إلى (الخنساء) قد هزت روائعها

من التاريخ أخيالا

إلى (النابغة) الأعلى

إلى (الضلّيل)

و(الأعشى)

موائد من عطاء الفن نلمسها

 

يضيف الكاتب حماد السالمي: “إنه.. ورغم الغياب الطويل الذي سجله سوق عكاظ واستمر 13 قرناً، إلا أن علاقة العرب بهذا السوق لم تنقطع؛ لأن دور عكاظ الثقافي في زمنه الجميل كان هو الأبرز في المشهد الثقافي لهم، وكانت أشعارهم من المعلقات تحكم وتجاز؛ فتجتاز وتخرج إلى العالم من ساحة عكاظ؛ ولهذا كان عكاظ حاضراً في الحياة الثقافية العربية حتى وهو غائب.

لقد كان عكاظ حاضراً في الثقافة العربية شعراً ونثراً حتى بُعث من جديد قبل اثني عشر عاماً، وها هو اليوم يسجل الحضور الثاني عشر هذا العام؛ ليؤكد من جديد أنه عكاظ الذي لا يغيب ولا يخيب.. عكاظ الذي تجمع عليه ثقافة العرب، ويحلق به شعرهم، ويسمو به وجدانهم من المحيط إلى الخليج”.






التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview