النسخة التجريبية   

عكاظيون عرب لمجلة ترحال.. البردة أصبحت علامة فارقة لنا

مشاهدات: 316 2018/06/30 تعليق: 0

عكاظيون عرب لمجلة ترحال 

"البردة"

أصبحت علامة فارقة لنا

 

منذ انطلاقة مسابقات شاعر عكاظ بحلتها الجديدة فتحت الباب على مصراعيه لشعراء الوطن العربي وجميع الناطقين بلغة القرآن الكريم، لغة الضاد الساحرة والعبقرية ليتنافسوا أيهم الأبلغ والأكثر شاعرية، فشارك كبار شعراء الوطن العربي من محيطه إلى خليجه وفاز ببردة القصيدة شعراء من السعودية والعراق ومصر ولبنان وسوريا وتونس والسودان.


أسماء كثيرة وكبيرة تنافست فيما بينها لنيل هذا اللقب الرفيع، وهل أحلى من أن يكون الشاعرشاعر عكاظ؟

مجلة ترحال حاورت ثلةً من أصحاب بردة عكاظ في حديث ذي شجون عن الجائزة ولحظات الفوز وما بعدها. وسجلت انطباعات شعراء كبار عن الملتقى وتغييره على مسيرتهم الأدبية. سألناهم أسئلةً موحدة وطلبنا منهم رسم ملامحهم بريشتهم وتركنا لهم تسجيل شهادتهم بأقلامهم الرفيعة.

 


صاحبة البردة عام 2012 روضة الحاج:

الخنساء باركت لي.. وجليلة ابتسمت

أنا امرأةٌ من بسطاء أهل السودان، تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، عشقها الكلمة وروحها الشعر الذي منحها بعض سره فعرفها بذلك الناس، عاشقة لوطني حد الوله ومؤمنة بفرادة إنسانه حد الإعجاب. درست اللغة العربية والإعلام وعملت في المجال الأخير قبل تخرجي في الجامعة، وأنجزت جزءاً من دراساتي العليا في المجالين.

جربت مؤخراً أن أنوب عن بعض أهل بلدي؛ فمثلتهم في البرلمان السوداني، وما زلت فيه. أسست وترأست تحرير مجلةالسمراءالتي أفخر بإنجازها ومواصلة صدورها.

أنظر إلى عكاظ كأنجح محاولة لإعادة الروح إلى جسد المكان وإلى روح المكان، وهو طريقة مبتكرة وباذخة لإعادة إنتاج العبقريات والتاريخ بأدوات جديدة، وقد نجح في ذلك أيما نجاح، وما الاحتشاد الذي يشهده سنوياً والتدافع الكبير لحضور فعالياته إلا دليل على وصوله ونجاحه، ويبقى الشعر هو روحه وعينه المبصرة. أما الجائزة فقد كانت من أجمل ما وقع معي خلال مسيرتي كلها؛ فقد شعرت بابتسامة الخنساء بنت عمرو، وسعادة جليلة بنت مرة، ورضا فدوى طوقان، ومباركة لميعة عباس، ومسرة سعاد الصباح.

كنت سعيدة جداً بهذا السبق الذي شعرت بأنه يخاطب كل المبدعات ويؤكد ويعترف بإضافتهن إلى كتاب الإبداع العربي، أما تسلمي للبردة من يد الأمير الشاعر، والشاعر الأمير خالد الفيصل، فقد كان جائزة أخرى لا تقل بهاءً وحضوراً عن جائزة عكاظ نفسها.

يظل حبل ودٍ متينٍ يربط أرواحنا بالمملكة ويشدنا إليها يتصل بالروح والقلب والهوى، فضلاً عن أواصر الجوار الجغرافي والأصول القديمة؛ فمن المعلوم أن معظم القبائل ذات الأصول العربية في السودان جاءت من الجزيرة العربية وامتزجت مع الإنسان الأفريقي فتكون الشعب السوداني الذي هو مزيج رائع للعرب والأفارقة. الناس في هذا البلد هم أيضاً لوحات منوعة وجميلة تؤكد قيم السماحة والنبل وتجسد مثل الدين القويم؛ فحيا الله المملكة وأهلها الكرام.

 

 

مقتطفات من النص الفائز بالبردة

 

انعتاق

 

ﺃﺟﺮﻱ ﺗُﻘﻴِّﺪُﻧِﻲ ﺧُﻄﺎﻱ

ﻓﺴﻴﺤﺔٌ ﺭﺅﻳﺎﻱَّ

ﻟﻜﻦَّ ﺍﻟﻤﺪﻯ ﻗﺪ ﺿﺎﻕَ ﺑﻲ ﺫﺭﻋﺎً..

ﻓﻀﺎﻕْ

ﺃﺟﺮﻱ

ﻭﺳﺪﺭﺓُ ﻣﻨﺘﻬﻰ ﺭﻭﺣﻲ

ﻛﻮﻯَّ ﺑَﺮَﻗﺖْ

ﻭﻟﻴﻼﺗﻲ ﻣﺤﺎﻕْ

ﺃﻗﻀﻲ ﻓﺄﻣﺴﻲ ﻗﺎﺿﻴﺔ، ﺃﻫﻮﻯ ﻓﺄﺿﺤﻲ ﻫﺎﻭﻳﺔ

ﺃﺣﻴﺎ ﻓﺄﺻﺒﺢُ ﺣﻴﺔ، ﻭﺇﺫﺍ ﺃﺻﺒﺖُ ﻣُﺼﻴﺒﺔ

ﻭﺇﺫﺍ ﺃﻧَﺒْﺖُ ﻓﻨﺎﺋﺒﺔ

ﻳﺎ ﺷﻌﺮُ

ﻓﺄﺣﻜﻢْ ﺑﻴﻨﻨﺎ ﺑﺎﻟﻌﺪﻝ

ﻗﺪ ﻇﻠﻢَ ﺍﻟﻄِﺒﺎﻕ

ﻫﺎ ﻗﺪ ﺩﺧﻠﺖُ ﺇﻟﻴﻚَ ﻳﺎ ﻣﻌﻨﻰ

ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺎﺏِ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﺟﺘﻨَﺒَﺘﻪ ﺭﺑَّﺎﺕُ ﺍﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ ﺍﻟﺪِﻗﺎﻕ

ﻭﺣﺪﻱ ﺃﻧﺎ ﺩﻭﻥَ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀِ ﺷﻘﻴﺖُ ﺑﺎﻟﻮﺭﺩِ ﺍﻟﻤُﻌﻠَّﻖ ﻓﻲ ﺷﺒﺎﺑﻴﻚِ ﺍﻟﻜﻼﻡ

ﻭﺣﺪﻱ ﺃﻧﺎ ﺩﻭﻥَ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀِ ﺑﻜﻴﺖُ ﻣﻦ ﻭﺟﻊ ﺍﻟﺨﻠﻴﻘﺔِ ﻓﻲ ﺗﺮﺍﺗﻴﻞ ﺍﻟﺤﻤﺎﻡ

ﻭﺣﺪﻱ ﺍﻧﺘﺒﻬﺖُ ﻟﻮﻣﻀﺔٍ ﺳﻄﻌﺖ ﻭﻛﺎﻥ ﺍﻟﻜﻮﻥُ ﻳﺴﺒﺢُ ﻓﻲ ﺍﻟﻈﻼﻡ

ﻭﺣﺪﻱ ﺍﺧﺘﺒﺮﺕُ ﻭﻋﻮﺭﺓَّ ﺍﻟﻮﻗﺖِ ﺍﻟﺤﺮﺍﻡ

ﻭﺃﻧﺎ “اﻟﺠﻠﻴﻠﺔ” ﻓﻲ ﺍﻟﺘَﻤَﺰَّﻕٍ ﺑﻴﻦ ﻣﻦ ﺗﻬﻮﻯ ﻭﻣﻦ ﺗﻬﻮﻯ ﻭﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﺿﺮﺍﻡ

 ﻳﺎ ﻟﻴﻠﻬﺎ ﺍﻟﻤﺸﺤﻮﻥَ ﺑﺎﻟﺜﺎﺭﺍﺕِ ﻭﺍﻟﺘﺮﺣﺎﻝِ ﻭﺍﻟﻤﻮﺕِ ﺍﻟﺰﺅﺍﻡ

ﻳﺎ ﻗﻠﺒَﻬﺎ ﺍﻟﻤُﻠﻘﻰ ﺭﺣﻰَّ ﻟﻠﻐُﺒﻦ ﻭﺍﻷﺣﻘﺎﺩِ

 

 

 

 

 

 

 

 

 


صاحب البردة 2014 المنصف الوهايبي:

تموت اللغة وتضمر دون الشعر.. وعكاظ معني بهذا 

أنا أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة في الأدب والنقد والترجمة. حاصل على دكتوراه الدولة برسالة فيصناعة الشعر عند أبي تمّام، ودكتوراه الحلقة الثالثة عن شعر أدونيس. كما أنني رئيس كرسي الأدب التونسي بها، وعضو قارّ بالمجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون: بيت الحكمة.

أكتب الشعر والرواية والمقالة، وأترجم إلى العربيّة. جرّبت كتابة السيناريو، وشاركت في فلمين قصيرين هما: (يا بلداً بشبهني) عن رحلة الرسام بول كلي إلى القيروان عام 1914م، بالاشتراك مع المخرج هشام الجربي، وفيلم (بانتظار ابن رشد) مع المخرج نفسه.

أما عن عكاظ ومعناها اليوم، فلا شك أنها تقليد راسخ في ثقافتنا العربيّة؛ لأسباب لعلّ من أهمّها: أنّ الشعر هو أمّ العربيّة، وأنا أعني جيّداً ما أقول. والعربيّة بعبقريّتها ولطائفها التي تتكشّف لي، في كلّ مرّة، خزّاناً هائلاً لم يُستنفَد، لغة رياضيّة كنهها وأصلها (الجذر التربيعي) الذي ترجع إليه كلّ مشتقّاتها تقريباً. والفصحى لغة فنّية مقدّسة أو (لغة عليا) نشأت في رحم الشعر. ومثل هذا الملتقى يحفظ للعربيّة مقامها، في فنّ هو فنّها أساساً.

وينبغي أن لا ننسى أنّ الحدود تتقوّض اليوم بين الفنون في العالم بأسره، وهناك اضطراب في تلقّي الشعر. وربّما أمكن، في سياق التّلقّي أن نتكلّم عن أمرين: أحدهما أنّ اللغة هي التي تحتاج إلى الشعر أكثر من الناس. واللغة تموت وتضمر إذا لم يُرفدها الشعر بمائه وإيقاعاته. وما العربيّة أو أيّة لغة لو محونا منها شعرها؟

والثاني أنّ العربي هو مثل أيّ مواطن في عالم اليوم، يُعنى بالشعر، ولكن في حدود ذاكرته الموشومة، فلا يتقبّل الشعر إلاّ إذا انطوى على مطابقة الواقع، أو أمكن له تصوّره وإدراكه. أمّا وقد بدأ الشّعر عند قليل أو كثير منّا يخرج إلى (الممتنع) و(المستحيل) أو (اللاّمتصوّر)؛ فلا نستغرب أن تفتر علاقة المواطن العادي به. والأمر موكول إلى الشعراء في تحقيق معادلة صعبة تجمع بين الجمالي والفنّي ولغة المعيش واليوميّ، مثلما هو موكول إلى ملتقى كبير استثنائي مثل عكاظ.

لقد سعدت بفوزي بجائزة شاعر عكاظ. وعكاظ اسم عزيز علينا؛ فهذه العربيّة لغة الشعر والقرآن الكريم إنّما نشأتْ ودرجتْ منذ غابر العصور في عكاظ حيث نقل شعراء الجزيرة العربيّة، المفردةَ من سجلّ اللهجة إلى سجلّ اللغة. والعربيّة كما أسلفت تدين للشعر بنحوها ومجازها وأخيلتها وتراكيبها. وهذا ما حاولت أن أتمثّله في قصيدتي الفائزة (قيروان/ سيرة الهلاليّ الصغير). فشكراً لإخواني بالمملكة الذين شرّفوني بهذه الجائزة التي تردّ الاعتبار للشعر، وتعزّز الصلة بين شرق البلاد العربيّة وغربها، برباط الأدب والشعر، وهو نسبنا الأبقى

وأحتفظ بالبردة في بيتي؛ فهي رمز عزيز عليّ.

زرت المملكة ثلاث مرّات منذ عام 2000م: في مهرجان الجنادريّة، وفي عكاظ بالطائف. وفي كلّ مرّة أكتشف كيف تتغيّر بخطى محسوبة طبيعةً ومعماراً وبشراً وثقافةً، وهي تؤاخي بين رمزيّتها الدينيّة العميقة، وطبيعة هذا العصر الذي نعيشه بكلّ مفارقاته. وأقدّر أنّ ما يحدث هناك من تجديد منابع الفكر والثقافة، هو الذي سيغيّر ما بنا نحن العربَ والمسلمِينَ، وينقلنا إلى ما تصبو إليه أمّتنا؛ فنكون أوفياء لحضارتنا بكلّ قيمها الأصيلة، وأوفياء لعصرنا الذي يحفّنا في كلّ مسالك العيش. والإسلام طريق سالك لبلوغ هذا كلّه. ولكن شريطة أن نأخذ بالحسبان حجب الزمان والمكان، ونراعي المعادلة الصعبة بين الخاصّ والعام. والوعي التاريخيّ أعني وعي المستقبل أو الاتجاه الذي يتّجهه التاريخ. وصنع التاريخ قد لا يجري إلاّ على هذه الوتيرة حيث ينطوي الاتجاه على رغبة في التغيير. وهذا ما تفعله المملكة.

 

 

مقتطفات من النص الفائز بالبردة

 

سيرة الهلاليّ الصغير

 

 

“أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ”

(سورة إبراهيم، الآية 24).

 

فكّرتُ يوما في المدينةِ.. قلتُ أزرعُ رسْمَهَا:

حرْفًا هنا.. حرْفًا هنالكَ..

كنتُ طفلا وقتهَا..

خالي الوِفاضِ أقولُ لي: لا شيءَ يُعْوِزنِي..

وللكلماتِ مثلُ حروفِها قَمَرِيَّةً.. شَمْسِيَّةً..

إبَرُ النباتِ.. وكلُّ حرْفٍ طيّبٌ؛

فلعلّها تُؤتِي ثماراً مثلهُ

ولعلّهُ..

 

 

 


صاحب البردة عام 2015

هزبر محمود: أنا العراق وابن العراق وأبوه!

شعرياً، أنا بين أن أكون العراق وبين أن أكون ابنه وبين أن أكون أباه، وبين أن أكون أنا أنا بعيداً عنه؛ فقد كنت العراق في قولي:

تقاسمْ معي موتي لنصبح دولةً رئيسٌ بها قبري وقبركَ نائبُ

وأما كوني ابنه، فتجلّى بقولي:

وأنـت يا أبتـي ما زلـت تـقـنعني بأنّ أرضـك تحتي لـم تكن شـبحا

إذن! لماذا جذور النخل قد خسرت رعاية الطين لما غيرها ربحا؟!

 

وأما كوني أباه، ففي قولي متحدثاً عن القلم:

تبنيته زلفى إلى قلب أمه ففاق بها ابني الذي هو من صُلبي

 

وأما أنا بعيداً عن العراق فقولي بعمر 24 عاماً:

أجوب ضجيج الدهر أبحث عن فمي بأرضٍ من الأغلال أغرس معصمي

وقــلت لأشعاري: أمــامـكِ أبحرٌ فـقالت: جهـلـتُ الغوص، قـلـتُ: تعـلمي

وقـد عـلمـوا أني حـضوري غـيابـهم فـماذا أعـدوا مـن دمــوعٍ لمـقـدمي؟!

 

إنسانياً أنا تلك الخرزات السمر التي يشدها خيط من الالتزامات العائلية والوظيفية والاجتماعية والدينية في محاولات مستمرة لعدم التقصير في كل ذلك.

بالنسبة لي، فإن عكاظ كلٌ متكاملٌ مفهوماً ومعنىً ومبنىً، عكاظ هي تجاوز قمر الشعر العالي عن أخطائي باللعب بحصى الغدران (كما تقول لميعة عباس عمارة في قصيدتها - لو أنبأني العراف). وما قصرت بحق القصيدة، ولن أقصر مستقبلاً. وعكاظ هي المنزلة التي لم ينلها شاعر إلا مَن نال عكاظ كونها تختلف عن المنازل الأخرى بحقيقتها قبل كل شيء، عكاظ هي النبض ذو القياس الفعلي على قلب مَن يلبسه، والفوز بتلك الجائزة أعطاني فسحةً من الكتابة.

تسألني عن شعوري عندما أعلن فوزي وتسلمت البردة؟ حسنٌ.. لقد كان عيداً مبكراً وحقيقياً؛ كون النتائج أعلنت يوم العشرين من رمضان في ذلك العام بكلمة واحدة وصلتني على الهاتف من المشرف على سوق عكاظ مكتوب بها (مبروك)؛ كوني كنت في العمل، ولا يوجد عندي نت ولا تلفاز. لم أفهم معناها تماماً في البداية؛ حيث أخذت احتمال أنها موافقة على حضور حفل ختام عكاظ؛ حيث أخبرني قبلها أني قد أكون من المدعوين لهذا الحفل، ثم توالت عليّ الاتصالات من صحافة المملكة العربية السعودية خاصةً، والصحافة العربية عامةً، تبارك وتطلب سبقاً صحفياً وتصريحات لي. حقيقةً هي ساعات من أطيب ما حصل لي صالحت بها الشعر وصالحني يومها، ولطالما كنا نعاتب بعضنا. أما ارتداء البردة فتلك وحدها قضية. أنا واثق أن امرأ القيس كان سيكتفي بها ملكاً من دون أن يموت فيعذرا، هي صهوة المجد التي سعى لها كبار الشعراء قديماً وحديثاً.

أما كيف وجدنا البلاد والعباد، فإننا لم نجد البلاد إلا على العظمة التي توقعناها، والعباد إلا على السمو الذي سمعناه تأريخاً وحاضراً؛ فطرة الصحراء التي لم تنل منها المدنية إلا نسبة العشر من القشر. كان الأمر شيقاً وأنا أحاول ربط ما قرأت وسمعت عن تلك الأرض بما أراه. ما لفت نظري هو أن أهل المملكة عانقوا فيّ العراق الذي كنت أحرص أن أقدمه صافياً نقيّاً، وعانقت بهم أجدادي الذين مروا بتلك الأرض ثم آثروا بفتوى الماء اللحاق بالرافدين؛ فأنعم وأكرم بالأرضين، وبمَن بقي، وبمَن غادر. ما يميز الإنسان السعودي أنه يجعلك تعيش فروسيتك الشعرية دون أن يحاول إيقافك، وما هذا إلا من ثقته بنفسه وبفروسيته. القلوب مفتوحة بشكل عجيب، والضحكة مرسومة بعمق، والخدمات تقدم لك قبل أن تطلبها بل وكلما حاولت التراجع إلى الخطوط الخلفية للسكون الذي يحبه الشاعر سحبت الأيادي إلى الواجهة قائلةً: ليس هذا وقت الانزواء. وقد ولدت هذه الزيارة العكاظية زيارةً أخرى للمملكة بعد عام واحد إلى ملتقى حاتم الطائي الثالث بحائل الذي أنجب قصيدتي (ضيفاً على حاتم الطائي) التي قلت من بين ما قلت فيها:

عُكاظُ ورائيْ مُنْذُ شِعْرٍ سَمِعتَهُ ولي مِنْهُ ما اسْتَعْصى على الإِنْسِ والجِنِّ

ولـيْ حُبُّ هذي الأَرضِ إِمَّا لِـقُرْبِها مِـن اللهِ أَو قربِ النَّخيلِ إلى حُزْنيْ

 

 

مقتطفات من القصيدة الفائزة بالبردة

 

فَـــلٌّ لِنَســيــجِ الـذَّاكِرَة

 

هَذِيْ الخُيُوْطُ رُؤوْسُهَـا أَخْـطَـائيْ هِـيَ مِهْبَطِيْ، مِنْ بَعْدِ كُلِّ سَمَـاءِ

أَلْـوَانُهَـا تَعْـنِيْ زَمَــانَاً مَـيِّـتَـاً أَهْـلُــوْهُ مَـا زَالُـوْا مِــن الأَحْـيَـــاءِ

هُـمْ خِيْـرَةُ النَّـاجِيْنَ مِنْ تَعَـبِيْ بِهِمْ مِنْ بَيْنَ كُلِّ مَدَائنِيْ وَنِسَائيْ

أَنْوِيْ الرُّجُوْعَ، وَكُـلَّـمَـا حَاوَلْتُ طَحْنَ مَسَافَةٍ، أَخَذَ الرَّحَـى أَبْنَائي

أَنَاْ مَا كَبُرْتُ عَلَى النِّدَاءِ !فَمَـنْ رَآنِيْ مَرَّةً أَخْطَأتُ فِيْ الأَسْـمَاءِ؟

 

هَذِيْ الخُيُوْطُ، هيَ الفَـتِــيْـلُ، فأَيُّ نَوْعِ قَنَابُلٍ فِيْ بَاحَةِ الإِصْغَـاءِ؟!

فَلِكُـلِّ نَوْعٍ بَاقَةٌ، مِمَّـا وَجَدْتُ مِن الْلَـظى وَفَـقَدْتُ مِنْ أَعْـضَـائيْ

أَمْـشِيْ لِتِـلْكَ الذِّكْـرِيَاتِ مُؤلِّفَاً بَيْـنَ الدُّعَــاءِ وَحَـاجَـةِ الصَّحْــرَاءِ !

أَنَــا رِزْقُهَـا، لَكِـنَّ بَعْـضَ سَحَائبِيْ تَحْـتَاجُ مِـنْهَا دَمْـعَةَ ٱسْتِسْقَـاءِ

لَوْ كَانَ مَا تَبْكـِيْهِ مَا أَبْكـِيْهِ كُنْـتُ، أَضَفْـتُ كُلَّ بُكَائِهَـا لِـبُـكَـائـيْ !

لَكِنـَّـهَـا بَكَـتِ انْهِدَامِيْ دُوْنَ أَنْ تَـدْرِيْ بِهِ !وَ أَنَا بَكَيْـتُ بِنَـائيْ

قَـدْ تَلْتَـقِيْ العَـيْنَـانِ فِيْ دَمْـعٍ لَهُ سَبَـبَـانِ يَخْـتَلِفَانِ فِيْ الأَجْزَاءِ

وَهُوَ اخْـتِلافٌ مِثْلَ فَوْزِيْ أَوْلاً بِالعِطْرِ وَالوَرْدُ الضَّرِيْرُ وَرَائيْ

وَلِذَاكَ لَمْ أَغْلِبْ أَنَا وَرْدَاً سُوَى  وَرْدٍ يَنَافِسُنِيْ عَلَى الإِيْحَاءِ

فَغَلَبْتُهُ فِيْ شَرْحِ عِطْرِ حَبِيْبَةٍ رَدَّتْ عَلَى شَرْحِيْ لَهَـا بِغَـبَاءِ !

قَالَتْ: كَذَبْتَ !فَقُلْتُ: إِنِّيْ شَاعِرٌ، وَالصِّدْقُ أَصْغَرُ مِنْ فَمِ الشُّعَرَاءِ !

* * * *

هَذِيْ الخُيُوْطُ مَوَائدٌ لِعَنَاكِبٍ وَجَدَتْ بِرَأَسِيْ فُرْصَةً لِـلِـقَاءِ

إِذْ إِنَّ فِيْ رَأسِيْ نَوَابِضَ حِكْمَةٍ تَمْتَصُّ ضَغْطَ تَعَدُّدِ الآراءِ !

هَذِيْ الخُيُوْطُ بَنَاتُ شَمْعٍ ذَابَ أَوْ هُوَ شَابَ بَعْدَ مُحَاوَلاتِ ضِيَاءِ !

يَمْضِيْ الهَوَاءُ بِنَارِهِ وَيَردُّهَـا لا نَارَ تَغْفُوْ فِيْ سَرِيْرِ هَوَاءِ !

الشَّمْعُ فِيْ أَعْيَادِ مِيْلادِ البِلادِ تَحِيَّةٌ تَمْشِيْ عَلَى اسْتِحْيَاءِ

فِيْهِ الحَرَارَةُ ذَاتُهَـا فِيْ قَدْحَةِ الإِشْعَالِ أَوْ فِيْ نَفْخَةِ الإِطْفَـاءِ !

 

 


صاحب البردة 2016 محمد العزام:

عكاظ وعي العرب المبكر ومصنع إنتاج العباقرة

أنا شاعر أردني من ضواحي مدينة إربد في شمال الأردن، بالتحديد من قرية صغيرة اسمها قَمْ، حيث كل التفاصيل تقطر شعراً، أهلي يكبرون مع القمح والزيتون، ويضبطون توقيت أعمارهم على مواسمهم، كمصحف الله كان القمح ينقشهم في حَبّهِ؛ فلهم في الحَبّ أعمار تدنوالمهابيشمن خيل بخاطرهم كم رقّصتها.. وهم للحن مضمارُ الشمس تسكبهم في حضن دلّتها هم بنّها وبنوها، حيثما ساروا فتحت عينيّ على صوت مهباج جدي ورائحة قهوته المرّة المخمرة بالهيل، وأول شعر سمعته كانتراويدجدتي وأغاني الرعاة مع ناياتهم. كانت الدلعونا والجفرا تحدّان عالمي وتطلقان الخيال في كل تفاصيله. آمنت بالشعر منذ طفولتي المبكّرة، وأدركت أنه المكان الوحيد الذي يمكنني أن ألجأ إليه هرباً من قسوة هذا العالم. أصدرت مجموعتين شعريتين هما: (رقصةٌ للنخيل) عام 2002م، و(أرى في الماء غير الماء) عام 2015م، والثالثة قيد الطباعة.

فزت بجوائز عدة قدمتني لجمهور الشعر. أنا مثل جدّي في بيادره ما زلتُ أركض خلف سنبلتي على المستوى الشخصي. أنا مهندس أعمل في الإمارات العربية المتحدة. أبٌ لثلاثة أطفال (أوس ورشا ولجين).

ماذا يعني لي عكاظ وجائزتها؟ عكاظ وسوقها هي ثقل التاريخ وعبقه يمثل وعي العرب المبكر بقيمة الكلمة عندما جعلوا لها سوقاً ينقدون جيدها من غثّه، والاتكّاء على هذا الموروث حديثاً يشكل التفاتة مهمة للشعر والشعراء وللثقافة عموماً في المملكة العربية السعودية. ونتمنى لهذه الفكرة دوام النجاح والتوفيق والتطوير. وفوزي بجائزة شاعر عكاظ أهم محطة شعرية في مسيرتي الأدبية؛ فللجوائز اليوم دورها الكبير في تسويق الشعراء وتعريف الجمهور بهم. ومن المؤكد أن جائزة عكاظ فاصلة تاريخية فما قبلها لن يشبه بالتأكيد ما بعدها.

لفني شعورٌ عارم بالفرح، وكيف لا وقد تحصلت على تقدير لما أكتب من مؤسسة مهمة كمؤسسة سوق عكاظ ولجنة النقاد الكرام الذين اختاروا قصيدتي لتكون العمل الفائز بالجائزة للموسم العاشر؟! وكانت لنا فرصة أن نُكرّم من سمو الأمير خالد الفيصل. ومن جديد، لا بد من أن أشكر كل القائمين على تظاهرة سوق عكاظ الثقافية على ما يبذلونه من جهود قيمة.

علاقتي بالمملكة العربية السعودية بدأت قبل الجائزة بسنواتٍ عدة، وتحديداً في عام 2012م عندما انتقلت للعمل في مدينة ينبع على البحر الأحمر، حيث مكثت هناك عامين قبل أن أعود إلى الإمارات عام 2014م. لي أصدقاء ومعارف كثيرون من أهل السعودية الكرام، غمروني بكرمهم أثناء إقامتي بينهم وبعد مغادرتي لها. هناك وسط ثقافي مهم في المملكة العربية السعودية يشتمل على أسماء مهمة جداً في الشعر والرواية وغيرهما.

 

مقتطفات من النص الفائز

 

نشيد الصعاليك

 

كـأنّـكَّ لا تـدري.. وأنــتَ بها أدرى غـــريبانِ في بحـرٍ يَعــيثُ بـنا قفرا

نـفـرُّ من الفـقــرِ الـذي نحـنُ نـزدري إلى سَعَةٍ في العيشِ زدنا بها فقرا

بـلادٌ تــوضّـأنا عـلى حـدِّ سـيـفها وقـلـنـا نصلّي في مـقاصِـلها عَــشْرا

فلا هي أرختْ في وصالٍ أَكفّها ولا من خشاشِ الحبِّ جادتْ لنا أُخرى

وقــلـبـي رغـيـفٌ من دعـاءٍ قـسَـمتـهُ لـكـلّ كَسيرٍ قـدْ جـبرتُ به كَسْرا

ليُمطرَ غيمُ الشعر في سفحِ أضلعي وينمو نخيلاً.. كم نضجْتُ به تَمْرا

صَـعـاليـكُ مـن كـلّ الـقـبائـلِ أْحـرفي جَعـلتُ لهـا في كـل تهلكةٍ وِترا

ذَرَعـتُ بهـا الصَّحراء كانتْ ذئابَها طريدتُها المعنى وقطعانُه الكُبرى

إذا شـبعـتْ.. ألـقيتُـها في رمـالها تلـوّتْ وسـالتْ في مَــفاوزها نَهـرا

وأوثـقـتُ قـلـب الشـنفـرى من حنينهِ ولقّـنته في الحب لاميّةً سَكْرى

أجَـرتُ بها النعمان من جـنـد فارسٍ وجـرّدتُها سَيـفاً يـذلّ له كِسْرى

وجُبتُ بها أرضاً لبلقيس هُدْهداً رجعتُ وفي جَنبيّ من عَرشها خُبْرا

أنـا لغـةٌ مـن كـلّ حَــدْبٍ تنـاسَلتْ وخلـقٌ كثـيرٌ لا أُطـيقُ لهُ حَـصْرا

تـجـلّـيْتُ في حقلٍ من القمحِ أخضرٍ وأفشيتُ سرّي في سنابلهِ جهرا

وسافرْتُ من يومي على ظهر دهشتي إلى غدي الآتي فصلّيتهُ قَصرا

سألتُ غصونَ اللوزِ في باب بيتنا عن الله.. فازدانت على خجلٍ زهْرا

 

 


جاسم الصحيح:

أناشد أكتافي أن تليق بهذه البردة!

أنا ابن هذا الوطن المعطاء، ابن الأحساء بنخيلها ورطبها وسليل إرث شعري تجده في كل تفاصيل المكان، لم أترك الشعر منذ أن عرفته ولم يتركني، لاحقته في كل الدروب ولاحقني، أضاء لي ما كان معتماً وحملت فانوسه بيدين واثقتين باللغة والمجاز والحب والخير والوطن.

لقب شاعر عكاظ يعني لي الكثير وقد حاولت أن أفوز به وشاركت خمس مرات متتالية وكنت أفشل لشراسة المنافسة بين الشعراء الكبار وكأننا حقاً أعدنا معنى عكاظ ومراده. إن فوزي هذا العام يؤكد لي أنني على جادة الشعر، إنه اعتراف جديد وكبير من الاسم الأكثر بلاغةً وهيبةً، عكاظ وما أدراك ما عكاظ.

المكان؟ ماذا سأخبرك عن المكان؟ عن الإحساء الشديدة الخصوصية، عن بيوت الطين والأزقة الترابية والأعين والنخيل، أنا ابن هذا المكان وسمتي سمة أهله الذين لا يخرجون من هذه الأرض إلا أمواتامتمسك بكل تفصيل فيها، زرت العالم وأعود دوماً إلى الأحساء. أنا من قال فيها:

كالأبجدية بعد حرف (الياء)

متشرد أنا خارج (الأحساء)

 

متشرد حتى اشتباه هويتي

 متشرد حتى التباس دمائي

 

وإذا تجاوزت النخيل أخالني

جاوزت في قدري حدود قضائي!

 

أنا ابن عكاظ أيضاً، صديق النابغة الذبياني قديماً وصديق محمد الثبيتي رحمه الله حديثاً، لم أنقطع عن هذه الاحتفائية منذ دورتها الأولى عندما فاز الثبيتي الكبير رحمه الله، وقرأت في حضرته قصيدة وتأثرت كثيراً أنه فاز بالدورة الأولى من عكاظ قبل وفاته بعامين على ما أذكر.

إنني في سعادة بالغة لا بسبب فوزي ببردة عكاظ وحسب، بل لأن هذا السوق أصبح اليوم منارة أدبية وثقافية حقيقية، تستهدي بها سفن الباحثين ويشارك تحت رايتها كبار الشعراء والأدباء. وتضم الشباب المبدع لدينا في المسرح والتشكيل والخط العربي وغيرها من الفنون التي تشكل سمة بارزة من سمات مملكتنا الحبيبة.

شعوري حينما تسلمت خبر الفوز فيه الكثير من الفرح الهائل المشوب بهم المسؤولية، إن هذا اللقب ليس مجرد اسما مضافاً لي، وإن تلك البردة حقاً تحتاج إلى أكتاف تحمي اسمها وتناسب قيمتها المعنوية. ويتضاعف هذا الاحساس ان كنت ابن المكان، وهذا بالضبط يجعلني أشعر بالفخار إذ أنني حملت هذا اللقب وأفرحت أهلي وأخوتي في الوطن.

 

أصدرت 12 ديواناً شعرياً فاز معظمها بجوائز عربية كبرى، لتأتي هذه الجائزة تتويجاً لي ولمسيرتي التي أتمنى الاستمرار فيها إلى آخر حرفٍ يقع من قلبي.

 

 

مقتطفات من القصيدة الفائزة بالبردة

 

صورةُ (امرئ القيس) على مرآةِ (عكاظ)

 

(حواريَّةٌ جادَّةٌ مع مَلِكِ القوافيامرئِ القيسفي رحاب سوق عكاظ)

 

عَرَفْتُكَ من صهيلِكَ في خيالي

فـقِفْ لـنُضِيءَ مصباحَ الجِدالِ

(عكاظٌ) من مرايا الأمسِ عادتْ

بِـما حَمَلَتْهُ من ماءٍ وآلِ

كأنَّ (القَوْمَ) قد عَقَدُوا بـرَأسـي

لَـهُمْ (سُوقًا)، وجاسوا من خِلالـي!

هُنا (الخنساءُ) تحدو بالمراثي

مَطِيَّتَها على طُرُقِ الليالي

و(طَرْفَةُ) ها هُنا مُهْرٌ مُقَفًّى

يُرَقِّصُ كلَّ عصرٍ بالصُّهالِ

هنا (الأعشى) يصبُّ الشِّعرَ زيتًا

على نارِ القِرَى أعلى الجبالِ*

وهذا أنتَ يا (مَلِكَ القوافي)

تُتَوِّجُكَ المعاني بالمعالي

أَنِخْ كلَّ القصائدِ؛ ثُمَّ هَيِّئْ

لنا يا (صاحِ) مائدةَ السِّجالِ








التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview