النسخة التجريبية   

الاهتمام بسوق عكاظ يتجاوز البعد السياحي إلى البعدين التاريخي والحضاري

مشاهدات: 293 2018/06/30 تعليق: 0

يمثل سوق عكاظ قيمةً وأهميةً تتجاوز دوره الثقافي كنشاط موسمي، والسياحي والتراثي كفعالية وطنية مهمة، إلى أدوار أعمق تتمثل في مكانته التاريخية والحضارية؛ ما يجعل إحياءه والاهتمام به اليوم إبرازاً للبُعد الحضاري للمملكة. وهذا هو أحد الأهداف الرئيسة للهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني التي جعلت سوق عكاظ أحد المشاريع الأساسية في برنامج خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري الذي تنفذه الهيئة، ويحظى برعاية ودعم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز يحفظه الله.


ويُعد سوق عكاظ أكبر أسواق العرب في الجاهلية والإسلام، وهو أشهر ملتقى للتجارة والفكر والأدب والثقافة المتنوعة للقبائل العربية، والوافدين إلى السوق من أنحاء الجزيرة العربية؛ إذ كان يحضره فحول الشعراء، والخطباء، والأدباء، ويمارس فيه رواد السوق الألعاب الرياضية، ومنها: الفروسية، والعدو، والرمي؛ حيث كان للعرب أسواق موسمية في أوقات محددة بمواقع مختلفة في أنحاء الجزيرة العربية.

 

معرض التجار وأرض الفخار

وفي بحثٍ له عن سوق عكاظ ذكر الدكتور سعد بن عبدالعزيز الراشد مستشار رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني للتراث، أن أسواق العرب في الجزيرة العربية كانت من مظاهر التطور الثقافي والاقتصادي والاجتماعي، مشيراً إلى أن سوق عكاظ تفرّد عن بقية الأسواق التجارية؛ لكونه أكثر تأثيراً وحضوراً وجاذبيةً؛ حيث تميزت البقعة الجغرافية المختارة للسوق بفضائها الواسع الذي تلتقي فيه مسارات طرق التجارة القادمة من اليمن وعمان واليمامة وشرق الجزيرة العربية. كما طَرقتْها قوافل قبائل العرب بتجاراتها محملةً على ظهور الإبل، وتحط كل قبيلة رحالها في المكان المخصص لها من السوق. ويشهد السوق حضور النساء والذراري، ومعهم الأزواد، والدواب، والخيول، ووفر لهم الموقع سهولة الوصول إلى المراعي وموارد المياه في المنطقة المحيطة.


وأضاف: “في مواسم سوق عكاظ كانت أعداد المتسوقين تصل إلى ألوفٍ مؤلفة، بلغت في أحد مواسمها تسعين ألفاً من قريش، وأحلافها فقط، عدا سائر القبائل الأخرى. وكانت عكاظ معرضاً تجارياً شاملاً تُجلب إليه أنواع البضائع المختلفة من كل صقع؛ فكانت تأتيه السلع من هجر، والعراق، والشام، وفارس، واليمن، ومن البوادي يجلب إليها السمن، واللبن، والإقط، والأغنام، والإبل، ومن الشام السلاح، ومن فارس الطيب والحرير، ومن الطائف الجلود، والزبيب، والعنب. واشتهرت عكاظ ببيع الأُدم، حتى قيل: “أديم عكاظي، منسوب إليها مع أنه لم يكن منتجاً في السوق، بل لكثرة ما يرد من أنواعه إلى عكاظ من مختلف الأنحاء. ودعت أهمية عكاظ التجارية أن يجلب إليها كسرى تجارته من فارس، وعرفت تجارة كسرى باللطيمة وهي العير المُحمَّلة بالطيب، والبزّ، وقد كان يبعثها عن طريق رجل شريف من أشراف العرب يجيرها له ويحميها من كل معتد؛ حتى تصل آمنة إلى عكاظ؛ فتباع هناك ويشْتري بثمنها ما يحتاج إليه من السلع التي تُعرض في سوق عكاظ؛ فترجع العير مُحمَّلةً بالعُصب والبُرُد، والأدم، والحرير، وغير ذلك”.

 



موسمٌ للملوك وملتقىً للقبائل

كان كسرى يرسل بالسيف القاطع، والفرس الرائع، والحلة الفاخرة؛ فتعرض في سوق عكاظ، ويُنادى ألا يأخذها إلا مَن أذعنت له العرب، ومن أولئك القادة العرب المشهورين حرب بن أمية.


وكان الملك من ملوك اليمن يبعث بالسيف الجيد، والحلة الحسنة، والفرَس الأصيل؛ ليأخذه أعز العرب، فإذا عرفه دعاه؛ ليفد إليه؛ ليحسن صلته وجائزته.


ويؤكد الدكتور سعد الراشد أن هذه المعلومات التاريخية تظهر أن عكاظ احتل مكاناً جغرافياً يستوعب التجارات المحلية والإقليمية والقوافل التي ترد من خارج حدود جزيرة العرب، وشكل توقيت تنظيم السوق في فترة زمنية تسبق موسم الحج، في شهر ذي الحجة، مدتها 21 يوماً.


وعن تاريخ بداية سوق عكاظ أفاد بأن المصادر التاريخية والأدبية تُجمع على أن تاريخ بداية سوق عكاظ كان في حدود عام 501 للميلاد؛ أي قبل ظهور الإسلام بقرن من الزمان. وفي ضوء التقييم والتحليل لأحوال العرب قبل الإسلام، يمكن استنتاج فترة تاريخ ظهور سوق عكاظ؛ حيث كانت طرق التجارة قد انتظمت وتقاطعت على جزيرة العرب مع تطور الممالك العربية في مختلف أنحاء جزيرة العرب. وكانت مكة المكرمة محجةً للعرب منذ آلاف السنين، كما كانت مدن القوافل قد أخذت مكانتها التجارية والاقتصادية، ومنها الطائف وما ولاها، ويثرب (المدينة المنورة)، وخيبر، والحجر، وتيماء، ودومة الجندل، وغيرها.


ومن الشواهد على قِدم سوق عكاظ الارتباط الوثيق بينه وبين إيلاف قريش؛ وبذلك استقرت تجارة قريش مع الممالك المجاورة. وبناءً على هذه الشواهد نستطيع الاستنتاج أن سوق عكاظ انتظم عقده، وإدارته، قبل سقوط مملكة حمير سنة 525م؛ وبهذا كانت أسواق العرب وحركة التجارة مستقرة، وانتظمت على نسق محكم، قبل سقوط الممالك العربية المتأخرة. ومن ناحية أخرى فإن قريشاً -وفقاً لروايات الإخباريين العرب- لا تتاجر إلا مع مَن يرد إليها في مكة المكرمة، ومن خلال الأسواق الثلاثة (عكاظ، ومجنة، وذي المجاز)، وهي الأسواق المرتبطة بالأشهر الحرم، وموسم الحج إلى الكعبة تحديداً. وجاء الإيلاف لقريش بتجارتها إلى الممالك المجاورة. وهذا يرجح قدم تاريخ سوق عكاظ، وأن نشأته لا تقل عن القرن الثالث الميلادي.

 

بين الرسول صلى الله عليه وسلم وسوق عكاظ

وأبان الدكتور الراشد أن سوق عكاظ ارتبط بنشأة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ونشر الإسلام بين قبائل العرب، والدعوة إلى دين الله. وقد احتضنت ديار بني سعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حينما أتت به حليمة السعدية -رضي الله عنها-؛ ليقضي طفولته في مرابع قومها في أرض رعوية إلى الشمال من مكة المكرمة، وليست ببعيدة عن موقع سوق عكاظ. وقد جاءت به حليمة السعدية إلى سوق عكاظ عندما كان في حضانتها.


وكانت العرب قاطبةً ترد مكة أيام المواسم، وترد أسواق عكاظ ومجنة وذي المجاز، وتقيم هناك الأيام الطوال.


وشهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- في سوق عكاظ حرب الفِجار، وفيه يقول -صلى الله عليه وسلم-: “حضرت مع عمومتي، ورميت فيه بأسهم، وما أحب أني لم أكن فعلت”.

وحضر الرسول -صلى الله عليه وسلم- سوق عكاظ صبياً، وحضره شاباً، وحضره بعد البعثة.

وقد ذهب الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع عمه العباس إلى عكاظ؛ ليريه منازل أحياء العرب؛ فكان بعد هذا يتردد على مَن يتوسم فيهم مساعدته أو الاقتناع بدعوته لهم إلى دين الإسلام.

قابل الرسول -صلى الله عليه وسلم- في عكاظ قبائل عدة كان يعرض عليهم الإسلام، ويبحث عن من يمنعه حتى يبلغ رسالات ربه؛ حتى بعث الله إليه الأنصار من أهل المدينة. وبعد انتشار الإسلام، وقد كره المسلمون في بداية الأمر القدوم على متاجر الناس في الجاهلية، ورأوا أن التجارة في المواسم تكسبهم إثماً؛ فنزل قول الله تعالى: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن ربكمفَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المشعر الحراموَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّين» (البقرة: الآية 198).

 

 


أرض البلغاء ومنجم الشعراء

وأشار الدكتور سعد الراشد إلى أن سوق عكاظ بقي مركزاً تجارياً خلال العصر الإسلامي المبكر، وكذلك محطة رئيسة على طريق الحج القادم من اليمن مروراً بنجران وعسير والحجاز، وتعرض للتخريب والنهب على أيدي الخوارج الحرورية بقيادة المختار بن عوف الذي سيطر على مكة سنة 129هـ/747م. لكن المصادر التاريخية والمكتشفات الأثرية تدلل على أن موقع سوق عكاظ استمر فترةً طويلةً محطةً للتجارة والحج حتى القرن السادس للهجرة، وعلى أرض عكاظ كانت تتم المصالحات، وتنتهي العداوات، وتصدر الأحكام الخلافية والتجارية، وتعلن التحالفات، والمعاهدات والإجارة، وفيه تفتقت قرائح عباقرة الشعراء ومنهم: النابغة الذبياني، والنابغة الجعدي، وحسان بن ثابت، وعمرو بن كلثوم، والأعشى بن قيس، والخنساء تماضر بنت عمرو، والسليك بن السلكة، وغيرهم كثير. وشهدت عكاظ نوعاً آخر من الأدب، وهو الخُطَبْ، وقد كانت للخطبة والخطباء عند العرب مكانة لا تقل أهميةً عن الشعر، ومن أشهر خطباء العرب في عكاظ: أكثم بن صيفي، وقس بن ساعدة الأيادي.


وبيَّن الراشد في بحثه أن احتكاك قبائل العرب في سوق عكاظ والأسواق التجارية الأخرى أدى إلى تقريب اللهجات العربية المختلفة، وتهذيبها وتوحدها. وحين نزل القرآن الكريم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نزل بلسان عربي مبين، وما كان للعرب أن يفهموه لو لم تكن لهجاتهم قد توحدت على لغة القرآن الكريم.


وبقيت ومضات من ذاكرة سوق عكاظ محفوظةً في بطون كتب التاريخ والشعر والأدب، وروايات وقصص يتذاكرها الأوائل ممَّن عرفوا سوق عكاظ قبل البعثة وبعد هجرة أوائل المسلمين إلى المدينة المنورة وانتهاء بفتح مكة.


أما موقع سوق عكاظ، المسرح الكبير، الذي شهد تجارات العرب، ووفد إليه قبائل العرب وزعماؤهم، وقادتهم، وشعراؤهم وخطباؤهم، وعاداتهم وتقاليدهم، وشهد على أحداثه النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، فقد بقي موضعه الجغرافي وآثاره شاهداً على تاريخٍ وماضٍ يتجدد في أرض الرسالات وأرض الحرمين الشريفين.






التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview