النسخة التجريبية   

في فرسان.. حيث نعلّق الفرح فانوساً على شراع

مشاهدات: 131 2018/09/04 تعليق: 0

بقلم: عبدالمحسن يوسف

 

أتنزه في (ذاكرتي)؛ إذ طالما أردتُ الكتابة عن الفرح والمرح والمباهج والأعراس في (جزيرة فرسان)، أن أرسم المشاهد كما رأيتها في طفولتي ومراهقتي وظلت حيّةً، طازجةً، أنيقةً، مبهجةً حتى شارفتُ الخمسين..

كثيرة هي المناسبات المسكونة بالفرح والغناء والرقص والشعر؛ الشعر في (الجزيرة) ليس ذلك الذي يُختزل في اللغة، في الكتابة والقوالب الجامدة كالتوابيت! في (فرسان) يكمن الشعر في التفاصيل اليومية الصغيرة التي تعني حياةً كاملةً، وأجمل تمثيل له ما كنا نلمسه في أعراسنا وأفراحنا التي يتجاسر بها الفرسانيون على مكائد العزلة التي تقترحها تلك الزرقة الضاربة بقسوتها وجمالها معا!

سأتحدث عن طقوس (الحِمْل) بكسر الحاء وسكون الميم، حينما يتمُّ نقل دبش أو عفش العروس إلى بيتها الجديد ليلاً على ظهر جمل، يتمُّ ذلك تحت ضوء (الأتاريك)، فيما يتألق الجمل في كامل زينته، زينة على الرأس، زينة على السنام، وثمة أجراس صغيرة تتدلى من العنق والأطراف، وكلما تحرّكَ ترنُّ تلك الأجراسُ الصغيرةُ كأنها الأعياد قادمةً من مكانٍ بعيد.. 

الرجال يحملون (الأتاريك) على أكتافهم كمن يحملُ أحلاماً وليدة. مهمةُ تلك المصابيح ذات النور الكسول إشاعةُ فرحٍ صغيرٍ في ردهةِ القلب، وتبديدُ حشود الظلام التي تتكدس في أزقة (الجزيرة) كالكوابيس الأنيقة. أما النساء (أقمار الليل وفراديس الوقت) فتكمنُ مهمتهنَّ الفاخرةُ في حشوِ قمصانِنا بالغيوم وأوهامِنا بالمطر؛ يغنين كما لو كُنَّ يقطرن الهديلَ والندى والشذى في قوارير أعمارنا العصية على الأفول، وبإمعانٍ شديدٍ يذهبن إلى الرقص؛ كي تذوبَ النجومُ على الأصابع، وكي تهبطَ السماءُ قليلاً ملامسةً أهداب الروح. وبعذوبةٍ آسرة يغردن ويرقصن على إيقاعِ طبلةٍ تدقُّ عليها امراةٌ سمراء تُدعى (زعفران)، الإيقاعُ السريعُ المرِحُ يحثُّ الجسدَ على اكتشافِ كنوزهِ الخبيئة وكامل أسراره الناضجة المعلقة على شجرة الفرح. وفي ذات لحظة مفصلية يصدح الحاضرون والحاضرات تباعاً بهذه (التيمة) الغنائية الفاتنة على إيقاعٍ كأنه السحر والجنون:
«برَكْ، بركْ.. والله ما بركْ 
يقومْ، يقومْ.. والله ما يقومْ»
في إشارةٍ إلى الجمل الذي كلما هَمَّ أن يبرك حثّه (الجَمّالُ) على النهوض كفجرٍ؛ ليستمر هذا (الطقس) المدهش وقتاً طويلاً مفعماً بالمتعة العصية على الوصف.. يا لضالةِ اللغة، ويا لبؤس آنيةِ الكلام؛ كون هذه اللحظة من تلك اللحظات الممتعة التي تُعاش فقط..

كل هذا يحدث في الشارع أمام بيت العروس، الرقص يكون محتدماً والفرح يملأ القلب والمكان معاً، بينما رائحة الفل والكادي والبعيثران والطيوب النسوية الأخرى تعبق في ليل (الجزيرة).

هنا تحديداً، لا أنسى هذا النص الذي بدا لي -وأنا أكتبه- كما لو كان اختزالاً كاملاً للفتنةِ ذاتها وهي تمشي وئيدةً إلى عرسٍ من أعراس (جزيرة فرسان)؛ إذ كلما شممتُ عبق الفل والكادي والبعيثران مالئاً الشوارع أيقنتُ عميقاً أن ثمة نساءً عبرن من هنا، عبرن بهدوءٍ يشبه هدوء نسائم البحر، عبرن بنعومةِ حريرٍ يتلكأ، عبرن في خفةِ أجنحةٍ لنوارس غير مرئية، عبرن إلى ضفاف العرس؛ كي ينتجن المسرّات والفرح العصيّ على الخذلان.. نعم تذكرتُ هذا النص، وذابت كلماتي كالشموعِ التي أدمنت السهر:
بفستانِها (الميل) تمضي إلى العرس
تتدفقُ في الدربِ موجةً من نعاسٍ
في جيبِها قمرٌ وعقدٌ من الفُلِّ
وحولَ خصرِها النحيلِ يلمعُ الذهب
فوقَ هامتِها إكليلٌ من (شماسٍ)، (بعيثران)، و(كادي)
طيوبُها تضوع..
...
من فرطِ عبقِها
ثمّةَ هواءٌ يثملُ
وشارعٌ يترنّح.. 



• شاعر وصحافي من فرسان



التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview