النسخة التجريبية   

الرحالة الإنجليزي ديكسون (أبو السعود)

مشاهدات: 48 2018/09/04 تعليق: 0

رصد : عبد العزيز العنزي

 

حملت الجزيرة العربية منذ القدم الكثير من المقومات والامتدادات التاريخية والثقافية والتنوع الجغرافي والتضاريسي؛ مما جعلها محل اهتمام كثير من الرحالة العرب والأجانب على حد سواء. ومنذ أقدم العصور، كانت واحة يتطلع الكثير من الرحالة إلى سبر أغوارها، والغوص في كنهها، واستنطاق معالم الجمال فيها، بحيزها البيئي الواسع، وبإنسانها الذي تربى على التعايش مع بيئته بشموخ وأنفة.

 

وقد ساهمت كتابات أولئك الرحالة في الكشف عن الكثير من أوجه الحياة في الجزيرة العربية، وتجلياتها المتعددة، وعن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية، وعن تفاصيل الحياة اليومية لإنسان الجزيرة العربية في الحقب والفترات الزمنية المختلفة. وتعد كثير من تلك الكتابات التي تضمنت مشاهدات حية للجزيرة العربية وإنسانها، بمثابة وثائق تؤرخ وتوثق لتلك الجوانب التاريخية، خصوصاً مع عدم انتشار الكتابة والتعليم وحركة التأليف في الجزيرة العربية في فترات تاريخية متقدمة.

ومن هؤلاء الكاتب والرحالة البريطاني هارولد ديكسون (1881م-1959م) الذي يعد واحداً من أشهر مَن عرفتهم الجزيرة العربية، ولا سيما الخليج العربي؛ حيث قضى ردحاً من الزمن شاهداً على الأحداث والتواريخ، وواصفاً للجغرافيا والبيئة والتراث والعادات والتقاليد لشعوب المنطقة، وهو من الرحالة الأوروبيين الذين ساهموا برصد انطباعاتهم عن الإنسان والمكان في تلك الفترة.

 

تدوين الثقافة والعادات

 

عاش الرحالة والضابط والدبلوماسي هارولد ديكسون سنوات طويلة في الجزيرة العربية، وقد ساهمت ولادته في بيروت عام 1881م، ومخالطته للإنسان العربي، في تمكنه من اللغة العربية ولهجات البادية، والتفاعل الحي مع الصحراء والإنسان العربي، ورصد كثير من الجوانب الاجتماعية والثقافية.

 

وقد نشر مشاهداته في عدد من المؤلفات مثل (عرب الصحراء) الذي خصَّصه للبحث في سكان الجزيرة العربية، راصداً قيم أبناء الجزيرة العربية، وتقاليدهم، وعاداتهم، وأخلاقهم، وتراثهم، وأنماطهم المعيشية، وتعاملاتهم الاجتماعية. وبلغ من تأثره حداً أن تكَّنى بـ(أبو سعود).

 

وقد زار ديكسون المملكة العربية السعودية، وبحكم عمله الدبلوماسي، تسنى له ، مقابلة المغفور له الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود. وأورد في كتابه (عرب الصحراء) جوانب من لقاءاته معه، أظهر فيها إعجابه الكبير بموحد الجزيرة العربية، وبحنكته السياسية، وحزمه في المواقف المتعددة، وكذلك بكرمه وحسن استقباله للضيوف ومواقفه الإنسانية النبيلة مع الآخرين، ومن ذلك ما أورده ديكسون في قصة لشاب من البادية تقدم لخطبة فتاة أثقل أهلها عليه المهر؛ حيث طلبوا خمساً من الإبل و500 ريال مهراً؛ فقرر الشاب أن يلتمس مساعدة الملك عبدالعزيز من أجل الزواج بتلك الفتاة؛ فقام الملك عبدالعزيز بمساعدة ذلك الشاب، وأعطاه نقوداً ومنحه ذلولاً عمانية من أجود إبله مزودة بحلقة فضية في منخرها دلالةً على أصالتها، وقال له: «اذهب الآن يا بني واحصل على فتاتك، وقل لأهلها إن الملك عبدالعزيز نفسه يطلب منكم هذا المعروف، وقد أرسل لكم أحسن ما لديه!». وبالفعل تحقق للشاب ما أراد.

 

وعلى هذا المنوال يورد ديكسون صوراً أخرى من صور نبل وشهامة الملك عبدالعزيز، وتعامله الرائع والإنساني في كثير من المواقف، كما أنه لم يخفِ إعجابه الكبير بالملك المؤسس عبدالعزيز؛ حيث وصفه بأنه «أكبر استراتيجي عرفته الجزيرة العربية في هذا القرن».

الرياض وطريقها

كما تحدث ديكسون عن طريق رحلته التي قام بها للرياض في كتاب له يحمل عنوان (الكويت وجاراتها)؛ حيث زار الرياض في عام 1937م وقضى بها أربعة أيام، برفقة زوجته (فيوليت)، ورصد مشاهداته في الطريق، ومن ذلك تنوع وغزارة الكائنات الفطرية، ومنها الغزلان، وطيور الحبارى.

 

كما تحدث عن مشاهداته للمباني وطريقة بنائها في تلك الفترة، وتطرق أيضاً إلى الحديث عن الفلكلور التراثي، ومنه العرضة السعودية.

 

ويتناول الرحالة الإنجليزي ديكسون بالوصف والسرد ملامح وصفات وأخلاق الإنسان العربي، وبدو الصحراء، حيث يصفهم بحسن الضيافة والكرم رغم شح الموارد وقلة الإمكانات في تلك الفترة.

 

كما يشيد بشجاعتهم وإيمانهم العميق بخالقهم تعالى. وفي ذلك يورد ديكسون صوراً متعددة عن صنع وإعداد القهوة العربية، وطريقة احتسائها، والفرش وألوان السجاد التي يغلب عليها اللون القرمزي، كما يصف أنواعاً أخرى تفرش للضيوف، وتسمى الحصير.

 

وعلى هذا النحو، نجده يسترسل في وصف التقاليد العربية في الضيافة، وكذلك في طريقة طبخ لحم الضأن مع الأرز، وكذلك أقسام الخيام أو بيوت الشعر التي يسكنها البدو الذين يصفهم بكثرة التنقل واقتناء المواشي والإبل على نحو خاص، والتي يهتمون برعايتها ويفتخرون باقتنائها. وكذلك يسرد صوراً لطريقة معيشة البدو في الصحراء، وتعاملهم مع متغيرات الطبيعة.

 

وبلغ من كثرة اختلاط ديكسون بإنسان الجزيرة العربية وحديثه معه، أن تطرق إلى طريقة تفسير الرؤى المنامية لدى الإنسان العربي، وفي ذلك يقول: «إن تفسير الأحلام -وفقاً للتقاليد العربية- يكون غالباً بالضد؛ فإذا حدث ورأى الحالم أمراً يدعو إلى التشاؤم؛ فإن الحلم يكون بشيراً بالخير، والحلم الذي تُقتل فيه الأفاعي يعني دوماً أن المرء سينتصر على أعدائه، والحلم الذي يجري فيه إطفاء النار يبشر أيضاً بالخير، والخنجر في الحلم يعني المرأة، أما السيف فيعني الرجل، وهكذا. ويوجد من الأشخاص مَن يُعرفون بأنهم يملكون موهبة خاصة لتفسير الرؤى والأحلام، وأمثال هؤلاء الأشخاص يحظون دوماً بالاحترام عند مَن يروون أحلامهم».

 

ومن كل ما مضى؛ نجد أن ديكسون واحد من أولئك الرحالة الغربيين الذين جالوا في أرجاء الجزيرة العربية، ووثَّقوا لفترة زمنية غنية بمشاهداتها وتنوعها.


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview