النسخة التجريبية   

بيوت عسير.. ألوانٌ لم يأتِ عليها الزمان

مشاهدات: 218 2018/09/04 تعليق: 0

إن أول ما سيلفت نظرك وأنت تتجول في منطقة عسير هو بيوتها المعلقة على الجبال والمنتصبة في السهول كلوحات فنية بديعة التكوين والخطوط. إنها -كما وصفها الرحالة الإسباني خورخي لوي- «مَن أراد أن يعرف ثقافة المنطقة وإرثها عبر السنين، فليتأمل بيوت عسير» التي تزخر بعبق دافئ من الماضي والحاضر معاً، ويتأملها وهي شامخة مثل الجبل الذي بُنيت عليه وكأنها تبعث برسالة للعالم عن أصالتها وثباتها في وجه الزمان، وجمالها الذي يستحوذ على القلوب، وألوانها المبهجة التي تريح العين، وتنعش الروح.

يقال إن للبيوت أرواحها وسحرها الذي يمنحك مشاعر قوية من الاطمئنان والراحة؛ ولهذا أوسع العرب البيوت وصفاً ومدحاً وأشعاراً. وما عليك حقاً إلا أن تتأمل بيوتات عسير إن أردت أن تختبر وتترجم قول المهندس المعماري الفرنسي لو كوربوزييه: «البيوت لها عيونٌ تنظر، وأصوات تنادي بها، والبيوت قفص الذاكرة، وركن أساسي من أركان المستقبل».

 

وقد حافظت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني على خصوصية منطقة عسير وإرثها المعماري؛ حيث أولت عنايتها للكثير من المناطق التي تحمل هذا الإرث الهندسي الخاص، كمدينة رجال ألمع وحي النصب وحي البسطة في أبها، ولا تزال الهيئة مستمرة في المشاريع التي تخدم المنطقة معمارياً وتاريخياً.

خصوصية البيت العسيري
من المعروف أن منطقة عسير من أقدم المناطق المأهولة في شبه الجزيرة العربية والعالم، على حد سواء، إلا أن المثير في الأمر أن منطقة عسير حافظت على خصوصيتها بشكل لافت للنظر، خصوصاً في طريقة عمرانها وبناء بيوتها؛ فحتى اليوم تجد من يبني بيته بالأيدي دون أي تدخل للصناعات الحديثة والطرق الجديدة. كما تختلف هندسته وأدوات بنائه بين مناطق عسير المختلفة.


إن معظم البيوت العسيرية التقليدية أصبحت وجهات سياحية اليوم لمحبي الآثار والتراث؛ حيث تكمن أهميتها في أنها بُنيت بكل هذه الدقة والجمال في زمان لم تكن الهندسة الحديثة والمعدات الجديدة قد عُرفت بعدُ، وبُنيت بسواعد وأيدي رجال المنطقة، ولعل هذا مكمن أهميتها؛ إذ إن كل شيء فيها صنع باليد، وهذا ما يثير الدهشة إزاء جمالها وذكاء تصميمها.

تبدأ تفاصيل الجمال قبل دخولنا إليها، بدءاً من الأبواب الملونة الصغيرة والكبيرة، مروراً بالجدران التي زُينت بثيمات هندسية مكررة، وانتهاءً بالسقف المصنوع من الأعواد الخشبية. وعادةً تُبنى هذه البيوت من الطين والحجارة والتبن، وهي المواد الأساسية لتكوينها. وإن أردنا تفاصيل أكثر؛ فيمكننا ان نصنفها كما يلي:
• البناء الحجري الخالص: ويتم بنيانه برص الحجارة التي تؤخذ من جبال عسير بعد تهذيبها وترتيبها ثم يُثبت بعضها فوق بعض، وتلصق بواسطة الطين. ويُعد هذا النوع أقوى أنواع البناء في عسير. 

• بناء الحجر والطين: بحيث يجعل الحجر أساساً للبناء ثم يوضع فوقه طين يطلق عليه (طين الخلب)، وهو مخلوط بالتبن المتبقي من القمح. وفيه يُوضع الطين على شكل طبقات، وكلما جفت طبقة توضع الأخرى حتى ينتهي الجدار. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الشدة والمتانة في البناء العسيري تسمحان له بالوصول إلى خمسة طوابق أحياناً.

• بناء بالطين الخالص: ويستخدم هذا النوع من البناء في الجبال الصخرية؛ إذ لا بدَّ أن تكون الأرض صلبة؛ ليُستغنى عن الأساس الحجري، وتُرص الصفائح الصخرية الرقيقة خلال بناء الجدران؛ وذلك لتحمي الطين من زخات المطر وحبات البَرَد الكثيرة. أما الأسقف فلا يختلف بعضها عن بعض كثيراً؛ فقد استخدمت الموارد الطبيعية والبيئية فيها، وتتكون من خشب العرعر وحزم من شجر الطباق والعرفج مع الطين المخلوط بالصمغ المأخوذ من بعض الأشجار؛ مما يكفل أن يكون السقف عازلاً للمياه في أوقات المطر. ثم يأتي دور الأبواب والنوافذ التي لها أفراد مختصون بصناعتها، وتصنع من جذوع الطلع والعرعر، وتفصل إلى شرائح، وتصنع منها الأبواب والنوافذ ثم تنحت وتزخرف؛ ليشتريها صاحب البناء جاهزةً ويتم تركيبها.

تقسيم البيت العسيري وأدواته
يمر بناء البيت العسيري بمراحل عدة، أولاها جلب الخشب من الأشجار والوديان شتاءً؛ حيث ينزع عنه لحاؤه؛ كي تحتفظ الأخشاب بجودتها وصلابتها، وهذه طريقة معروفة للمحافظة على جودة الأخشاب لا تزال متبعة في عسير. ويستعمل هذا الخشب في بناء الجدران والسقوف ودعائمها؛ وهو ما يكون عادة خارج فصل الشتاء، كما يصلح هذا الخشب لصنع الأبواب والمعدات الزراعية. وتجمع القطع الحجرية الرقيقة، وتسمى الواحدة منها النطف أو الرقف، وترصف جنباً إلى جنب؛ لبناء هيكل المنزل. 

أما الطين فهو خليط من التبن والماء والأعشاب مع التراب؛ حيث يتم خلطه ويترك كي تدوسه الأقدام وحوافر الحيوانات أسبوعاً أو أكثر؛ وذلك لعجنه وتقليبه وإكسابه التماسك اللازم، ثم يقطع باليد إلى قطع صغيرة تشكل مداميك البناء. كما يستخدم الطين في تغطية الجدران من الداخل، وأرضيات الغرف والممرات والأدراج.

تمتلك بيوت عسير الأثرية خصوصية جميلة في تصميمها من الداخل؛ فإن دخلت إليها ستجدها مكونة من طابقين على الأغلب أو أكثر، وقد جعل الطابق الأرضي في الماضي للماشية وحفظ الحبوب والأدوات الزراعية. أما الدور الآخر فهو للمعيشة، ويتألف من غرفة جلوس يومي ومجلس لاستقبال الضيوف وغرفة للطعام ومنامة الضيوف يقال لها (مقلط). أما المطبخ فيقال له (المهلب)؛ نسبة إلى الموقد والنار التي يُطبخ عليها الطعام، ويكون بشكل دائم في الطابق العلوي؛ وذلك حتى لا يمتلئ البيت بالدخان ورائحة الطعام.

دور المرأة في بناء البيت العسيري
يعمل الرجال على تزيين البيوت من الخارج وزخرفة الشرفات والنوافذ والأبواب بالحجر الأبيض، وهو ما يسمى بفن (المرو). أما عند دخولك إلى البيت فيلفت نظرك بشكل مباشر تلك الرسوم والنقوش الجميلة التي تعكس بزخارفها وألوانها لوحة فنية معمارية معبرة عن ذوق الإنسان في هذه المنطقة. ويقال لهذا الفن (القَط) بفتح القاف، وهو اختصاص المرأة العسيرية التي برعت فيه على مر العصور، تلونه وترسمه بحسب ذوقها وتبعاً للألوان التي تحبها لتضفي لمستها على أساس وتكوين البيت، وتشارك في تأسيسه، ليس اجتماعياً فقط بل وعمرانياً أيضاً، وهذا سبب وجيه لأن تشعر بحجم ما تحتويه جدرانه من محبة وألفة. 

تعود إلى الذاكرة مقولة «الفنون ابنة التاريخ»، وهذا ما يؤكده العمران الجميل لبيوت عسير؛ فقد تأثرت بالتاريخ والجغرافيا والثقافة الخاصة لهذة المناطق والفريدة من نوعها. ولا ننسى المناخ أيضاً وتأثيره في طريقة بناء البيوت؛ فهو مناخ دائم الأمطار على مدار العام في الغالب، مدعم بالرياح الشمالية شتاءً والرياح الجنوبية صيفاً؛ لنجد هذا التنوع الجغرافي والبيئي والمناخي، بالإضافة إلى تنوع الطراز العمراني والتصاميم وأنواع البناء والمواد المستخدمة.. كل ذلك جعل من هذه البيوت القديمة الجميلة رمزاً للأصالة والتاريخ في عسير، وعنواناً لفن متفرد بجماله وجمال معماره وتصميمه؛ ما أضفى على المنطقة هيبة عمرانية وفنية جعلتها رمزاً لمنطقة عسير بالكامل.


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview