النسخة التجريبية   

شارع الثميري حكايا اليوم.. والأمس

مشاهدات: 52 2018/09/04 تعليق: 0

تصوير : عبدالعزيز النزهة 

 

لما قَدِمت عائلة الثميري لتستوطن «المجمعة» في منطقة سدير في نجد، كان حسن الثميري أحد فرسانها الذين انضموا إلى جيش محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب في عام 1157هـ، في معارك توحيد المملكة ويقود معركة الدلقة عام 1160 هـ حيث لقي ربه على أحد أبواب الرياض الشرقية، لتُسمى تلك البوابة بدروازة الثميري، وعليها سُمي شارع الثميري أحد أشهر وأهم معالم مدينة الرياض التجارية والتاريخية حتى الآن.  

 

 

الثميري.. معلم وتاريخ

يمتد شارع الثميري من ميدان الصفاة «مركز البلدة» في الرياض القديمة إلى البوابة المعروفة بـ «بوابة الثميري» الواقعة شرقي مدينة الرياض، فالشارع يفصل بين أحياء الرياض شمالها وجنوبها، حيث يقع شماله «حلة الأجناب» و«الظهيرة»، أما في الجنوب فتقع «الحلة القديمة»، ويطل عليه مسجد الإمام تركي بن عبدالله الذي يقع جنوب حصن المصمك ومسجد الديوانية في قصر الإمام عبدالرحمن.

 

في وصفه القديم لوسط مدينة الرياض، يقول المستشرق البريطاني المسلم «جون فليبي» في إحدى مذكراته: «إن شارع الثميري كان هو الشارع الرئيس الذي يصل بين باب الثميري وقصر الحكم في خط مستقيم، مروراً بالسوق إلى باب البديعة ويتفرع منه شارع في الزاوية اليمنى لطرف السوق الغربي، يؤدي إلى باب الظهيرة». ويذكر في كتابه عن «تاريخ نجد»: «يبلغ طول الشارع 300 خطوة للجمل من باب الثميري إلى القصر».

 

 

تطور اقتصادي واجتماعي 

في صباح يوم الأربعاء الموافق للثاني والعشرين من شهر شعبان لعام 1377هـ، أعلن مكتب الإذاعة والصحافة في الرياض عن افتتاح الملك سعود طيب الله ثراه شارع الثميري في إطار مشروع فتح الشوارع المحيطة بقصر الحكم، ومنذ ذلك الوقت يشهد الشارع أول مظاهر التطور الاقتصادي والاجتماعي، إذ يسافر زائروه في رحلة عبر الزمن حيث عبق التاريخ وتراث الأجداد، في قصة حضارة تزيد عن 100 عام.

 

في كل خطوة يخطوها الزائر لشارع الثميري يُخيل إليه أنه يشاهد أسوار الرياض بطرازها القديم، وأزقتها المتعرجة، المحلات الصغيرة والتُجار العتيقون من كبار السن فطريقة البيع والشراء مختلفة تحمل في داخلها تعريف بقيمة الشيء المقلد والأصلي، فالشارع زاخر بفنون التجارة والبيوع ففيه أشهر محلات العود والعطور والمشالح والبُشوت، أيضاً محلات بيع الأحجار الكريمة والذهب والقطع التراثية ومنتجات الزل بمختلف نوعياتها وأفضل خاماتها، كما تُعرض فيه السلع الفاخرة من الساعات والأزياء والإكسسوارات والأحذية المستوردة في محلاته المصطفة على جانبيه.

 

 

نكهة التاريخ

يقف العم «أبوتركي»، عبدالرحمن المنيف، يرتب بضاعته في محله لبيع القطع التراثية ومشغولات من السجاد والمفروشات المزركشة بالألوان النجدية، يقول لـ «ترحال» إنه عاصر مراحل التطور في السوق على مدار ربع قرن، شاهد خلالها كثيراً من التحول العمراني الذي لم يغطي على الطابع التراثي في المنطقة الملاصقة لسوق البطحاء التجاري ومنطقة قصر الحكم التاريخية ومسجد الديرة، فعمله الذي استمر طيلة تلك السنوات بدأ كهواية أثقلها العمل لتصير احترافاً يسعى لتوريثه للأجيال من الأبناء والأحفاد كما ورثه وإخوته من أبائه.

 

يضيف العم أبوتركي أن لديه مقتنيات يزيد عمرها عن 50 عاماً جمعها على مدار السنين فهو ليس بائعاً فحسب، وإنما هو باحث عن التراث القديم والتحف والمعروضات التي لا يُقبل عليها إلا كل هاوٍ يحب اقتناء القطع النادرة، خاصة التراث النجدي الذي يجذب بعبقه ورائحته السائحين من الجنسيات المختلفة الذين يقبلون على السوق سواء بسواء مثلهم مثل المواطنين السعوديين.

 

بُشوت ومشالح

لا تستطيع الولوج إلى شارع الثميري قبل أن تمر على محلات بيع المشالح والبُشوت المكتظة بروادها من الرجال بمختلف أعمارهم، ففي أحد المحلات الجانبية، يجلس العم «أبو مشعل» صاحب الستين عاماً، بين الإبرة والخيط يطرز في واحدة من المشالح، فهو متخصص في بيع وصناعة المشالح الملكية إحدى السلع التي يشتهر بها شارع الثميري العريق.

 

يقول لترحال: «ورثت هذه المهنة عن والدي وجدي رحمهما الله كابراً عن كابر، فقد كانا يملكان ذلك المحل منذ السنوات الأولى للشارع وكنت وقتها في المرحلة المتوسطة من التعليم، لأشب بينهما على البيع والشراء، فأنا أعرف رغبة المشتري وأعرض عليه ما يطلب من كلماته الأولى، فالبيع فن كما هو صدق وأمانة».

 

يضيف: «المحلات في شارع الثميري قديماً كانت جميعها بنايات من الطوب واللبن حتى تكون متماسكة ولا تتعرض للأذى بفعل الأمطار كما كانت المعروضات قليلة يعمل بها كبار السن، بخلاف تلك الأيام أصبحت المحلات في حلل جديدة والمشالح والبشوت أنواع كثيرة، منها الحساوي هو الأفضل على الإطلاق فهو يتميز بالحياكة اليدوية، والنجفي بخفته وشفافية قماشه وتقدر أسعارهما ما بين ثلاثة آلاف ريال وثمانية آلاف ريال لأجود الأنواع، ويأتي في المرتبة الأخرى النوع الوطني الذي يتراوح سعره ما بين 1200 إلى 2500 ريال، وهو الأكثر رواجاً فهو يحاك بطرق صناعية ويشتريها المقبلون على الزواج من الشباب».

 

أحجار كريمة

 

بين معروضاته الثمينة يقف أشرف عبادة، مدير معرض للجواهر والأحجار الكريمة في محله القديم الذي ما يزال يحتفظ بعبقه وتاريخه منذ أكثر من 40 عاماً قائلاً لـ «ترحال»: «يعد شارع الثميري أهم الوجهات في المملكة لشراء الأحجار القديمة «الياقوت والزمرد والزفير والألماس الأسود» والخواتم القيمة والسبح التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمظاهر الفخامة، فصناعتها أصبحت مقصورة على فئة محددة، ذات مهارة وأدوات قد لا تتوفر عند كثير من أصحاب المجوهرات والإكسسوارات الأخرى، مما يزيد من ثمنها الذي يتراوح بين 2000 ريال و10000 ريال للسبحة الواحدة».

 

يضيف: «أكثر من 20 محلاً ومعرضاً متخصصاً في استيراد وتركيب وصياغة السبح الأصلية يعملون في سوق الثميري، يجمعون بين الشعبية والمعاصرة، ويقدمون بضاعتهم لكل من يطلبها من مختلف الفئات والطبقات خاصة في مواسم شهر رمضان والحج والأعياد».

 

رائحة البخور 

 

تنبعث من شارع الثميري رائحة العطور وبخور العود، ففيه توجد أشهر محلات العطور والعود بمختلف أنواعها، في محلات جزر العود بالشارع قال فارس الحيدري: «يعد شارع الثميري أشهر وجهات راغبي شراء العود والعطور الأصلية إذ تقصده كافة الجنسيات المقيمة في الرياض، كما يقصده أبناء المملكة على حد سواء خاصة في شهر رمضان والأعياد والمناسبات التي يمثل فيها بخور العود علامة من العلامات اليومية في كل بيت بخلاف المساجد، ليبقى الشارع معلماً سياحياً وتجارياً يقصده كل راغب في التعرف على تراث المملكة العربية السعودية ومراحل التطوير في تلك المنطقة التي تمثل حقبة هامة من تاريخها إضافة إلى دوره في الحركة الاقتصادية والاجتماعية.

 

عقودٌ تمر وسنواتٌ تمضي ويبقى شارع الثميري طريقاً يصل بين قصر المصمك وقلب المدينة، وشرياناً يفصل بين حقبتين من التاريخ، وسيرة لتاريخ المملكة وبناء الدولة السعودية. 


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview