النسخة التجريبية   

لكل مسلمٍ وطنان

مشاهدات: 50 2018/10/17 تعليق: 0

الدكاترة طه حسين عن زيارته إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة

لكل مسلمٍ وطنان... وطنه الذي نشأ فيه وهذا الوطن المقدس: السعودية

 

تحرير: هاني نديم

 

«سادتي... كان الفرنسيون في بعض أوقاتهم يتحدثون عن انتشار ثقافتهم في الأرض؛ فيقول قائلهم: لكل مثقفٍ وطنان؛ وطنه الذي وُلد فيه ونشأ، وفرنسا التي تثقف فيها أو تلقى الثقافة منها. وكنا نستمع إلى هذا الكلام ونرى فيه شيئاً من الحق وكثيراً من السرف. ولكن الذي أريد قوله الآن هو الحق كل الحق، لا نصيب للسرف فيه من قريب أو بعيد. أقول اليوم: لكل مسلم وطنان، لا يستطيع أن يشك في ذلك قوياً كان أم ضعيفاً؛ وطنه الذي نشأ فيه، وهذا الوطن المقدس (المملكة العربية السعودية) الذي أنشأ قوته وأمنه وكوّن قلبه وعقله وذوقه وعواطفه جميعاً».

 

هكذا استهل طه حسين كلمته التي ألقاها خلال زيارته لمكة المكرمة والمدينة المنورة عام 1955م.

بدايةً تطالعنا سيرة الرجل الذي شكل جزءاً لا يُستهان به من وجداننا الأدبي جميعاً، ذلك الضرير البصير، مَن وهب حياته للغة العربية مدافعاً عنها، ومطالباً بحمايتها من أي دخيل عليها، مَن زرع في أنفسنا وأرواحنا كلماته التي سكنت داخل الروح، هو واحدٌ من أهم النقاد العرب على مرِّ التاريخ، أديب ومؤرخ وتربوي وناقد ومترجم وروائي، مفكر سياسي ومحقق في التراث، وهو من مجددي الأدب والفكر والثقافة العربية، لُقب بالعميد (عميد الأدب العربي)، متسلقاً الصعاب في طريقه إلى أعالي قمم المجد والعلم، طه حسين الذي أثبت نفسه رغم كل الظروف التي كانت حوله من فقر ومرض وبؤس. ذلك الطفل الذي وُلد في صعيد مصر، ونال منه العمى وهو في الرابعة، لم يقنع بما دون النجوم؛ فوصلت شهرته الآفاق، وتخرج من فرنسا حاملاً معه جبالاً من الفلسفة والفكر.

 

العودة إلى الجذور

لقد شكلت زيارة طه حسين إلى أرض الحجاز نقلة نوعية في حياة أديبنا الكبير، وأثرت فيه أيما تأثير، حتى أن طه حسين لم يخفِ فرحه وسروره وهو يقصد أرض الحجاز التي ما فارقت اهتمامه في أدبها وثقافتها وأخبارها يوماً واحداً، فما من باحثٍ في الأدب العربي إلا وكانت الجزيرة العربية مبتدأه وخبره ومنتهاه.

وقد كتب طه حسين عن الجزيرة العربية في أكثر مقالاته وبحوثه اللغوية، وهو الذي عُرف عنه تعلقه باللغة العربية وشغفه بالأدب العربي القديم، وعلى نحو خاص تلك الأجزاء التي خصّها أبو فرج الأصفهاني في كتابه (الأغاني) الذي لا يكاد يفارق طه حسين في حله وترحاله، وقد كان أنيسه في كل الأوقات، وهو يقرأ أولئك الشعراء من أراضي نجد والحجاز.

لقد حمل طه حسين في جوفه وذاكرته كلَّ معلميه وملهميه من الشعراء والأدباء والرواة من الجزيرة العربية، وذهب إليها وهو يعرف حجم تلك الطاقة التي ستعتريه ما إن يطأ ترابها.

وبالمقابل فقد حظيت تلك الزيارة باستقبال رسمي وشعبي منقطع النظير، حيث اجتمع حشد كبير من رجالات الدولة والأدباء وطلاب المدارس والعامة في ميناء جدة الذي رست فيه سفينته، وقد بلغ الازدحام أشده في هذا الميناء؛ حيث تم استقباله بالهتافات والأناشيد التي اشترك بها الطلاب والناس مع عمّال السفينة ورصيف الميناء في مشهد حفظته ذاكرة جدة آنذاك.

 

يا زائري راما... النار ضرّامة

ولأنه العارف الفطن، ولأنه (الدكاترة) طه حسين؛ كان يعلم جيداً أي شطر يولي وجهه، وإلى أي مكان سيصل، فما إن بدأت أخيلة تلك الرحلة نحو مكة والمدينة في المملكة تتجسد حقيقةً حتى تهيّب طه حسين الأمر، وارتعدت أطرافه، وأصابته رعدة ورعشة، وامتلأ قلبه مهابةً وخشيةً؛ فكان يردد قصائد عن مكة، والقصائد التي قيلت في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم.

وفي طريق عمرته، وما إن وصل إلى الحديبية حتى أشار لسائقه أن يقف، وترجَّل من السيارة، وأخذ يقبض في يده تراب المكان ويشمه بعمق ثم أخذ يتمتم ودموعه تنساب على التراب، ويقول: «والله أني لأشم رائحة محمد -صلى الله عليه وسلم- في هذا التراب الطاهر».

ثم تابع مسيرته مع مرافقيه حتى دخل الحرم المكي من ناحية باب السلام، متوجهاً إلى الكعبة المشرفة يطوف ويسعى في خشوع العبد الفقير إلى رحمة ربه، وأكمل عمرته في خشوع وبكاء، حتى إذا طاف بالكعبة المشرفة وكان يودعها، توقف عند الحجر الأسود وأخذ يقبله ويبكي وأطال البكاء والتقبيل والتنهيد؛ حتى أن المعتمرين رقّوا عليه وصبروا حتى يشبع حبّاً هذا الشيخ الكفيف ويغادر المكان ليأخذوا محله، لكنه أطال، وبكى ثم بكى حتى أخذ المعتمرون يبكون ويجهشون معه.

 

الصمت في مدينة الرسول

أنهى طه حسين عمرته وأتبعها بزيارة إلى المدينة المنورة، وما إن وصل إليها حتى غشاه السكوت وأصابه الصمت من هيبة المكان وسطوة التفاصيل، ومما يدور في نفسه.

وتتحدث المراجع والصحف التي رصدت هذه الزيارة أن كثيراً من الصحافيين حاولوا انتزاع حوار معه أو تصريح ولكنه قال: «كيف أستطيع الكلام في بلد صاحب الرسالة محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ إنني أجد نفسي مأخوذاً بجلال الموقف وهيبة البلد المقدس وذكرياته العظيمة في تاريخ العالم. لا أستطيع أن أقول شيئاً إلا أنني أُحييّ صاحب الرسالة ثم المدينة وأهل المدينة».

وأعطت تلك التجربة إلى جانب ما كتبه طه حسين بعدها دفعةً قويةً لطلاب العلم من كل أنحاء العالم بعدما دعاهم طه حسين بلسانه وقلمه، بقلبه وبمشاعره، أن يزوروا تلك البقعة الخاصة من العالم.

يقول صحبه كما ورد في كتاب (طه حسين في المملكة العربية السعودية) للأستاذ محمد القشعمي: «كلمناه في المدينة كثيراً، وكان لا يجيبنا، وإن أجابنا أجابنا همساً، فسألناه: يا طه... لماذا لا تجيبنا؟»؛ فقال: «ما كان لي أن أتكلم في مدينة النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وما كان لي أن أرفع صوتي وقد قال الله تعالى: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ)».

 

 

 


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview