النسخة التجريبية   

الجنبية ترصيع التراث بالجواهر

مشاهدات: 68 2018/10/17 تعليق: 0

تصوير: دحيم الدحيم وهادي آل دويس


الجنبية جنب الرجال
تبرز صناعة الجنبية كواحدة من أهم الحرف والمهن القديمة التي تُعبر عن براعة الصانع وثقافة المجتمع في تشكيل فني يجسد  بالعزيمة والشجاعة، وينسجم مع البيئة والعادات والتقاليد. وبغض النظر عن كونها سلاحاً، فهي تعدُّ مقياساً للسمات الشخصية، ورمزاً للأناقة التقليدية؛ فقد جرت العادة على حملها كمظهر من مظاهر التزين عند الرجال على اختلاف فئاتهم وأعمارهم. 
وسُميت الجنبية التي يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام  بهذا الاسم؛ لأنها تقف إلى جانب الرجل وتلازم جنبه؛ فهي تستخدم للدفاع عن النفس، وأثناء الاحتفالات التي تشتمل على الحركة؛ فالعرضة في المنطقة الجنوبية تشتهر بلوحاتها الحركية التي تستخدم فيها الجنبية تعبيراً عن الزهو والقوة والرجولة. 

زخارف ونقوش
تُعد الجنابي من أبرز المقتنيات التراثية في المملكة العربية السعودية، كما تعد جزءاً أصيلاً من الحضور اليومي في المناسبات الرسمية والاجتماعية؛ لذلك تفنن الصُّنَّاع المهرة في زخرفة مقابضها وأغمادها وأحزمتها التي تشد على الخاصرة بالحُلي والنقوش، وهي تختلف بحسب تراث المنطقة الجغرافية وثقافتها؛ فتكون على أشُدها في الجنوب، وتقل شيئاً فشيئاً كلما اتجهت إلى الشمال.
ويُكتب على الجنبية أحياناً أسم صاحبها إلى جانب عباراتٍ تشير إلى الشهامة والعزة والشجاعة، وقد يكون عليها رسوم لفارس يرتقي صهوة جواده، كما تُرصع الجنابي بالذهب والفضة ويضاف إلى غِمدها الأحجار الكريمة التي تزيد من قيمة وهيبة وفخار مَن يتزين بها.

الجنبية النجرانية قيمة اجتماعية 
التراث الشعبي في صناعة الجنابي له دلالات مختلفة؛ فلكل منطقة موروثها الخاص، وفي نجران تعد الجنابي علامة للشهامة، ورمزاً للأصالة، ومصدراً للفخر، وزياً للمناسبات. وقد عُرفت عبر مراحل التاريخ المختلفة بما لها من قيمة اجتماعية كبيرة، وهي الهدية الأغلى عندهم يتوارثونها جيلاً بعد جيل، وتكون من نصيب الابن الأكبر بعد وفاة والده كنوع من (الكبارة).
في جولة فريق تحرير «ترحال» توجهنا إلى سوق الجنابي الشعبية التراثية الواقعة في حي البلد القديم في نجران، فهو وجهة جاذبة لكل زائر وسائح، حيث التقينا العم عبدالعزيز آل شيبان، وهو بائع ذائع الصيت في السوق يقصده كل عابر. تعرفنا منه على صناعة الجنابي في تلك المنطقة الجنوبية، فأوضح قائلاً: «الجنبية علامة من علامات الثقافة النجرانية؛ فقد وجدت على النقوش الأثرية في جبال نجران؛ مما يؤكد استخدامها منذ مئات السنين»، متابعاً: «الإقبال على شراء الجنابي يزداد بشكل واضح في الأعياد والمناسبات؛ كونها الهدية المفضلة لدى الكثيرين، وهي تتكون من المقبض والرأس والنصل أو السلة، ويعرف الجيد منها من المقبض الذي يتحكم في سعرها ويحدد قيمتها؛ فنجد من أنواع الرأس: الزراف، والصيفاني، والوتر، والصيني، والحضرمي، وأيضاً العُماني، والحدادي، والقرن الذي يُصنع من قرن حيوان وحيد القرن. وكل تلك الأنواع يتم تزيينها بالذهب والفضة بأعمال فنية تزيد من جمال (الجنبية)، وتجعل منها قطعة متكاملة للزينة والتباهي”، ويُكمل متابعاً: «نَصْل الجنبية قطعة معدنية حديدية بالغة الحِدة مائلة إلى اليمين يتوسطها خط مجوف يسمى العاير أو المعيرة. وكلما ثقل وزن الحديد زاد وزن الجنبية وقوتها، والجزء الأخير في الجنبية هو الصَب أو الغِمد، ويُصنع من شجر العشر وخشب البرقوق أو العنبر أو الثالوث، وهو مُجوف الشكل، وتوضع داخله الجنبية لحمايتها من التلف، وهما يشكلان معاً شكلاً فنياً رائع الجمال. وأيضاً يَستخدم المشتري حزاماً مصنوعاً من الجلد الملون المطرز أو المُزين بقطع الفضة؛ لربط الجنبية حول الخاصرة».
يضيف العم عبدالعزيز: «وجود أسواق متعددة للجنابي في المملكة جعل الأسعار في تفاوت واضح بين 150 ريالاً حتى ألف ريال، وتزيد على ذلك بحسب الرغبة؛ فالكثير من الناس يشتري رأس الجنبية ويجهز لها نصلاً ويصنع لها صباً بحسب الحاجة والاستطاعة وسبب صناعتها، سواء لهدية أو للتفاخر».  
يتواصل الحديث على لسان حمد اليامي من أبناء نجران، قائلاً: «الجنبية النجرانية تكون حاضرة في الأعياد والمناسبات، ولا سيما الزواج؛ فنجد ذات الفصوص المتعددة، والجنبية الذرور، والجنبية الدرما، والتي تكون ضمن مظاهر الفخر والاعتزاز في حفلات الأعراس المرتبطة بتراث المنطقة الأصيل».

جنابي عسير وتميز الحرفة 
إبداع الصناعة وتميز الحرفة كان غالباً في سوق الجنابي بمحافظة خميس مشيط في منطقة عسير، ومن داخله قابلنا العم عوض بن علي بن شويل المُكَنى بـ«أبو سعيد» في دكانه لبيع الجنابي. بضاعته الجنابي وصناعة الصَب (الغِمد) إلى جانب بيع السيوف والغدارات (السكاكين). يقول أبو سعيد: «تعلمت صناعة الجنابي والأسلحة من والدي وأنا في سن السادسة من عمري، وأخذت عنه أصول الحرفة وعرفت أسرارها، وعملت بها لما يزيد على 55 عاماً؛ حتى أصبح لي اسم فيها، وأصبحت صناعتي علامة تجارية موثوقاً بها»، ويُتابع قائلاً: «نقوم بصناعة الصب (الغِمد) على الشكل العُماني، مرصعاً بالذهب والأحجار الكريمة، وعلى أطرافه تصاميم من فضة وبعض النقوش لحروف وتعابير عربية تدعو إلى الزهو والفخار. وقد يكون (الصب) مطلياً باللون الأبيض أو يترك على لونه الطبيعي».
ويضيف العم أبو سعيد: «يستغرق الصب الواحد في صناعته بين أربعة أيام وخمسة عشر يوماً، وتتراوح أسعاره بين 50 ألف ريال ونصف مليون ريال، بخلاف قيمة الجنبية التي تتجاوز الآلاف أيضاً»، مُردفاً: «الكثير من زبائني يأتون من دول الخليج، وفي إحدى المرات طلب أحدهم صناعة (صب) تكلف مليوناً ومئتي ألف ريال؛ لدقة مواصفاته وفخامة الأحجار الكريمة التي تَزين بها؛ فالجنبية هدية الوجهاء والأمراء، والكنز الثمين الذي لا يقتنيه إلا كل صاحب ذوق رفيع».
يواصل العم أبو سعيد حديثه قائلاً: «في سوق الجنابي تتعدد الأنواع والأشكال والأسعار، وقد ساعد وجود العمالة الآسيوية على تعدد المعروض، بحسب قدرة كل راغب في الشراء؛ فتوجد جنابي بأسعار متوسطة تتراوح بين 400 و500 ريال، «وصبّ» مصنوع من نحاس مَطلي بالفضة يتراوح بين 800 وألف ريال».

ماضي الرياض ومستقبلها
تحتفظ الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية بعبق الماضي؛ فلا تزال منطقة قصر المربع في الرياض القديمة وأسواقها المتخصصة في بيع القطع التراثية تحافظ على بضاعتها التي تمثل إرثاً يرغب في اقتنائه كل زائر. من بين ذلك الخناجر؛ ففي شارع الثميري القديم يوجد عدد من محال بيع الخناجر والقطع التراثية، كما يشهد حراج الرياض عرضاً لبعض التجار، وبضاعتهم الجنابي والأحزمة المصنوعة من الجلد.
خلال جولة فريق «ترحال» التقينا محمد رضا ذلك البائع الآسيوي الذي قال: «الجنابي أحد الأنواع التي يتم عرضها في محال بيع القطع التراثية، ويوجد لها زبائنها الذين يأتون لطلبها، وأسعارها تتوسط بين 150 ريالاً و500 ريال في الأنواع العادية، وقد تصل إلى أربعة آلاف وخمسة آلاف ريال. كما توجد نوعيات للأطفال تكون صغيرة ومؤمَّنة؛ حتى لا تُسبِّب لهم الأذى»، ويضيف قائلاً: «توجد الكثير من محال إصلاح الجنابي وأحزمتها؛ فكثير من الحرفيين تخصصوا في ذلك، ولهم زبائنهم».

تنتشر الجنابي في أنحاء المملكة تذكرنا بتراثنا كلما لمع نصلها.. تحافظ على تراثها وتحفظ عبق ماضيها وتظل على مرِّ الزمن إرثاً يقتنيه الأبناء عن الآباء فهي رمز الفخار والشهامة والحفاظ على العادات والتقاليد العربية الأصيلة.


 

 

 

 

 

 

 

 


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview