النسخة التجريبية   

متحف تاريخ العلوم والتقنية في الإسلام

مشاهدات: 576 2018/11/25 تعليق: 0

تقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها الشهير (شمس العرب تسطع على الغرب) إنه آن أوان اعتراف أوروبا بفضل العرب في نقل أسس العلوم التي تبني عليها أوروبا حضارتها اليوم. وهو ما يترجمه متحف تاريخ العلوم والتقنية في الإسلام في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ويقدمه لزواره.

يعد متحف تاريخ العلوم والتقنية في الإسلام منارة تسلط الضوء على ما كان قد طمس من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية ويعيد تصدير أكبر اختراعات علماء المسلمين لشبابنا اليوم، وما قدموه من إنجازات ولبنات أسهمت في مسيرة الحضارة العالمية حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن.

 ذلك أن المتحف الذي أنشأته جامعة الإمام محمد بن سعود بالتعاون مع معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية بجامعة فرانكفورت الألمانية، هو أول متحف متخصص في المملكة يتناول تاريخ العلوم والتقنية في الإسلام ما بين القرنين الثالث والعاشر الهجري. وقد شرفه بالتدشين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- أثناء رعايته الكريمة للمؤتمر العالمي الثاني عن تاريخ الملك عبدالعزيز، والذي كانت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قد نظمته في عام 2015م. 
 



هذه الخطوة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التي جاءت بمبادرة من معالي مدير الجامعة الدكتور سليمان بن عبدالله أبا الخيل كانت قد مهدت لها بإنشاء جهة حاضنة للمتحف هي (معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية)، وذلك بشراكة وثيقة مع معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في جامعة فرانكفورت في ألمانيا. 

المتحف الذي حصل على ترخيص من الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني. وأكد مدير الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بمنطقة الرياض المهندس عبدالعزيز آل حسن أن الترخيص يأتي في إطار التعاون والشراكة المميزة بين الهيئة والجامعة اللتين ترتبطان باتفاقية للتعاون المشترك تم توقيعها عام 1429هـ وتشمل عدداً من مجالات التعاون، خصوصاً بشأن الجهود المتعلقة بالتاريخ الإسلامي، واتفاقية التعاون بين قطاع الآثار والمتاحف بالهيئة ومعهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية التابع للجامعة التي وُقعت في عام 1436هـ وتهدف إلى تعزيز الاهتمام بتاريخ العلوم عند العرب والمسلمين.

 


المتحف رسالة وعنوان
يشغل المتحف ثلاثة طوابق، وتستغرق زيارته والتعرف على محتوياته قرابة الساعة ونصف الساعة. وللمتحف رسالته التي تهدف إلى تأكيد أن تاريخ العلوم والتقنية هو إرث مشترك للبشرية جمعاء، وتبيان إسهام الحضارة العربية والإسلامية في الحضارة الإنسانية؛ استشهاداً بما في المتحف من مقتنيات عمل العلماء العرب والمسلمون على صيانتها وتطويرها، مع عدم إغفال أن المسلمين لم يصنعوها من العدم، وإنما استلهموا نتاج ما سبقهم من حضارات، وعملوا على تطويره، والإضافة إليه، علماً بأن معظم معروضات المتحف هي من اختراعات العلماء المسلمين ما بين القرنين الثالث الهجري (التاسع الميلادي) والقرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي)، والتي كانت فترة ازدهار الحضارة العربية والإسلامية. وقد تم إعادة صيانة تلك المقتنيات بالتعاون والشراكة مع معهد العلوم العربية والإسلامية في جامعة فرانكفورت؛ استناداً إلى ما لديهم من أصول لتلك المقتنيات، إضافة إلى ما هو موجود في متاحف عالمية أخرى ومخطوطات.

ويسعى المتحف في جامعة الإمام إلى إظهار إسهام وإبداع العلماء العرب والمسلمين في مختلف المجالات العلمية، وذلك من خلال أقسامه المتنوعة، ومنها: قسم الإسطرلابات؛ إذ كان المسلمون أول من استخدم هذه الآله الفلكية في تعيين الأجرام السماوية وتحديد الاتجاهات، وكانت تستخدم في الملاحة وفي مجالات المساحة وتحديد مواقيت الصلاة، كما استخدموها في تحديد فصول السنة. 

وما وصل إليه علماء الفلك العرب والمسلمون لا يمكن غض الطرف عنه أو تجاهله، خصوصاً في ابتكارهم إسطرلابات عديدة دقيقة ومتطورة. 

وهناك قسم لآلات الرصد التي كانت تستخدم لمعرفة قياسات الأرصاد الفلكية المختلفة والمرتبطة بعلم يعد من أهم العلوم، ألا وهو علم الهيئة والميقات الذي اعتبره العلماء من أشرف العلوم منزلة؛ لما لهذا العلم من عظيم النفع عند المسلمين، ولما له من أهمية في معرفة مدد السنين والشهور والمواقيت وفصول السنة وعدد ساعات الليل والنهار ومراقبة الشمس والقمر والكواكب والنجوم وسائر الأفلاك من حيث استقامتها وتبدل أشكالها وحالها. وكذلك قسم المراصد الفلكية؛ فاهتمام المسلمين بعلم الفلك والميقات أدى إلى استخدام وابتكار آلات فلكية متعددة ومختلفة الأحجام. وكان لهذه الآلات مقر تجمع فيه لمباشرة أعمال الرصد والفلك المختلفة، وهو ما عرف بـ(دور الرصد الفلكية) أو (بيت الرصد) أو (الرصد خانة)، وكلها مسميات لشيء واحد، هو عبارة عن مؤسسة علمية كبرى تحوي ما يلزم لمباشرة وتطبيق أعمال الفلك. 

 

كما اهتم العلماء العرب والمسلمون بعلم الجغرافيا، شأنه شأن العلوم الأخرى. وقد ربطوا علم الجغرافيا بعلوم الفلك وغيرها من العلوم ذات الصلة. وكان للمصنفات الجغرافية العربية الإسلامية تأثير كبير في علوم الجغرافية في أوروبا. وما وصل إلينا من مصنفات مهمة في علم الجغرافيا يُنسب لعلماء العرب والمسلمين يمثل بلا شك نقلة متطورة في هذا العلم؛ فهذه المصنفات مهدت الطريق تماماً إلى المعارف الجغرافية الأوروبية التي ظهرت بعد ذلك بعدة قرون.
 
 

 
للملاحة مكانها ومكانتها
كما يضم المتحف قسماً خاصاً بعلوم الملاحة عند العرب والمسلمين، وهو واحد من أهم العلوم التي لاقت عناية كبرى من قبل العلماء العرب والمسلمين؛ نظراً إلى أهميته العظمى في استكناه خطوط السير في البحار. وقد استوجب الأمر من هؤلاء العلماء إجراء الدراسات الدقيقة؛ للوصول إلى الدراية التامة بعلوم البحار، وما يتعلق بها من فروع معرفية أخرى. وقد نتج من هذا الاهتمام علم جديد اختصت به فئة معينة من البحارة العرب المسلمين، وأطلق على هذا العلم (علم الملاحة الإسلامية). 

 

إلى جانب هذا القسم يأتي علم البوصلات، وهو ما عرفه علماء العرب المسلمين عن البوصلة، وما أطلقوا عليها من أسماء كـ(بيت الإبرة) أو (الحكة) أو (الديرة). والبوصلة ابتكار عربي خالص، وعالِم البحار العربي أحمد بن ماجد (821هـ-906 هـ) هو الذي ابتكر البوصلة ذات الـ22 درجة، والتي لا تزال تستعمل حتى هذا اليوم. 

 


ريادة إسلامية في الطب
 ومن أهم أقسام المتحف قسم الطب الإسلامي؛ ذلك العلم الذي برع فيه علماء العرب والمسلمين براعة لا يزال أثرها قائماً حتى هذا العصر؛ فقد بلغ اجتهادهم حد الوصول إلى اكتشاف الكثير من الأمراض واكتشاف علاجها؛ مما أذهل مَن تبعهم مَن علماء تعرفوا على اكتشافاتهم. ويكفي أن نعرف أن مدرسة (منبلييه) المهتمة بتدريس الطب ذكرت في إحصائية لها عما يُدرس من مراجع علمية، أنها وجدت أن ستة من مصنفات ابن سينا كان يتم تدريسها مقابل مصنف واحد أو اثنين لجالينوس أو أبو قراط.
كما يضم المتحف قسماً لعلم الآلات الحربية. والتراث الذي بين أيدينا يبين لنا مدى ما وصل إليه علماء المسلمين من تقدم علمي وتقني حربي مبهر لم يستطع أحد غيرهم أن يصل إليه في ذلك الوقت. 

ومن أقسام المتحف أيضاً قسم علوم العمارة، ولا أحد ينكر أن طُرز العمارة الإسلامية بأنواعها المختلفة، وتشكيلاتها البديعة، جذبت انتباه المختصين وغير المختصين؛ وذلك بفضل النظريات الهندسية المعمارية البديعة التي ابتكرها المعماريون المسلمون، والتي أنتجت في النهاية قطعاً فنية معمارية تجذب الأنظار بجماليتها وروعتها، فضلاً عن تحقيق الوظيفة العمرانية التي أُنشئت من أجلها. 
 


ومن العلوم التي برع فيها علماء الحضارة العربية الإسلامية، علم الهندسة الذي كانت كتابات علماء العرب المسلمين فيه تدل على باع طويل، وعلى أنهم استوعبوا جيداً ما سبقهم من علوم هندسية، بل زادوا عليها ببراعة تدعو إلى الفخر بما توصلوا إليه من نتائج هندسية. ويعد كتاب (معرفة مساحة الأشكال البسيطة والكروية) الذي كتبه موسى بن شاكر(اشتهر ومات صغيراً في عهد الخليفة المأمون الذي كفل أبناءه من بعده) شاهداً على ذلك.

 

 

البصريات والكيمياء
ومن هذه العلوم أيضاً علم البصريات الذي برز الاهتمام به في منتصف القرن التاسع، حيث سارت الترجمات العربية للنصوص اليونانية جنباً إلى جنب مع الأبحاث الأولى المكتوبة بالعربية مباشرة في علم أطلق عليه (علم البصريات والمناظر). ولم يسجل لنا المؤرخون أو المختصون أقدم من هذا التاريخ كبداية لانتشار هذا العلم، على الأقل من الناحية التقريبية. وأيضاً علم الكيمياء الذي كان للعلماء المسلمين دور عظيم في تطوره، لكن المجال هنا لا يتسع لرصد وتحليل أعمال الكيميائيين المسلمين جميعاً بطبيعة الحال، وإنما يكفي الإشارة إلى النهضة الكبرى التي حققها العلماء المسلمون في هذا المجال، خصوصاً أن تاريخ الكيمياء عند العرب جدير بالتدقيق. وإلى جانب الكيمياء يأتي دور علم الفيزياء والتقنية؛ إذ يعد العالم المسلم ثبت بن قرة من أوائل العلماء المسلمين الذين بحثوا خلال القرن التاسع الميلادي في الفيزياء، وله أعمال علمية في الاستاتيكا. كما أصبح كتاب (مفاتيح العلوم) للخوارزمي (توفي 847م) ذا مكانة علمية خاصة. 

وفي خاتمة العلوم التي برع بها العلماء المسلمون والعرب علم الفانكانات (الساعات)؛ حيث عُنوا بمسألة تحديد الوقت، خصوصاً مع براعتهم في علم الفلك واهتمامهم بتحديد أوقات الصلاة.



قصة البداية
أوضح الدكتور رائد بن حسين الهذلول عميد معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية والمدير التنفيذي لمكتب إدارة التحول بالجامعة، أنه تم افتتاح معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في جامعة الإمام بموجب الموافقة السامية الكريمة رقم (54727) وتاريخ 18-11-1432هـ، وقال: “يُعد إنشاء المعهد والمتحف مبادرة من معالي مدير جامعة الإمام الدكتور سليمان بن عبدالله أبا الخيل بعد زيارته لمعهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في جامعة فرانكفورت بألمانيا. ويشرف على أعمال المتحف معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، ويتم تشغيله والإشراف عليه كلياً من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية”. 

وأكد أن المتحف يسعى سعياً حثيثاً ومستمراً للتطوير والتحديث، وإلى أن يكون منارة علمية تاريخية ثقافية وفنية، وأن يحتضن الكثير من الفعاليات كالمؤتمرات والمحاضرات والندوات وورش العمل والمعارض التي تبرز جهود المسلمين في العلوم والتقنية. وأشار إلى أن زيارة المتحف حالياً مقتصرة على الزيارات المجدولة لمنسوبي الجامعة من طلبة وأعضاء هيئة تدريس وموظفين، بالإضافة إلى ضيوف الجامعة الرسميين. ويبلغ عدد الزوار حالياً قرابة مئة زائر يومياً.
وذكر الدكتور رائد أنه تلبيةً لتوجيهات معالي مدير الجامعة المشرف العام على المتحف فسيتم فتح باب الزيارات للجهات الحكومية والخاصة والجامعات والمدارس قريباً بإذن الله.


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview