النسخة التجريبية   

مدينة تبوك.. سجلٌ حيٌّ لـ 6 حضارات

مشاهدات: 722 2018/11/25 تعليق: 0

تدلُّ الآثار الباقية في مدينة تَبُوك على الماضي المُوغِل في القدم، وتمثل شواهد للحضارات التي تعاقبت على المدينة وما حولها من مدن وبلدات في المنطقة؛ فموقعها على مسارات طرق التجارة القديمة وتقاطع الكثير من الحضارات حولها جعلها جزءاً منها، كما جعل منها سجلاً حياً لهذه الحضارات؛ فإلى الغرب منها قامت حضارة المَدْيَنِيِّين، والتي يبعد مركزها البدع عن تَبُوك 220كم، وإلى الجنوب قامت حضارات الثَّمُودِيِّين والديدانيين واللحيانيين، والتي اتخذت من العلا على بُعد 250كم من تبوك مركزاً لها، وإلى الشمال قامت حضارة النَّبَطِيِّين، ويبعد مركزها البتراء عن تَبُوك 300كم. أما إلى الشرق فقد اتصلت المنطقة بحضارة البابِلِيِّين؛ إذ كانت تيماء التي تبعد عن تَبُوك 260كم محوراً مهماً في العهد البابلي. 
 
وموضع تبوك صالح للاستيطان البشري منذ القدم؛ وذلك لتوفُّر المياه الغزيرة، وخصوبة الأراضي، ووفرة المراعي فيها، وقربها من جبال السليطية وامتداداتها التي توفِّر موقعاً دفاعيّاً استراتيجيّاً قويّاً للمدينة. وهذا ما يُشاهد في الرجوم الكثيرة على التلال والمرتفعات حول المدينة القديمة مثل رجوم شوهر، ونقاط المراقبة على الطرق الرئيسة كما في قصير التمرة، إضافة إلى توفر مصادر المياه التي تقوم حولها الحضارات. وكانت تبوك قديماً تعتمد على جريان بعض الأودية والسيول، وبتأثير التغيّرات المناخية والدورات المطيرة الطويلة أصبحت تعتمد على العيون التي لا تزال تُشَاهَدُ آثار قنواتها في عِدَّة مواقع.

 


تبوك.. شواهد ومعالم
قامت مدينة تَبُوك في الفترة التي سبقت ظهور الإسلام جنوب موقعها الحالي على ضفاف وادي أبو العجيّجات قرب جبال السليطية، حيث يتوسط المدينة القديمة جبل شوهر الذي يوجد في أعلى قمته رجم كبير، وأسفله الكثير من الرجوم التي تسمى (رجوم شوهر)، وهي مبنية بأحجار من دون مونة، ومسقوفة بأحجار كبيرة. وتمتد الرجوم باتجاه الشرق حتى وادي نعام مقابل (طويّل النبيّة). كما تمتد باتجاه الغرب، ولكن بشكل متقطع حتى (قصير التمرة). وتشرف هذه الرجوم على المدينة كمواقع حراسة لها.

 

وإلى الغرب والشمال من جبل شوهر تقع مباني المدينة، والتي يضمها موقعان: الأول يقع على بُعد ثلاثة كيلومترات من الجبل، ويضم سوراً يحيط بالمباني له أبراج في زواياه الأربع، وبوابة في جهته الشرقية. كما توجد داخله مبانٍ يتكوِّن كل مبنى منها من عِدَّة غرف، بعضها منعزل، وبعضها الآخر متصل بعضه ببعض، ومعظمه مُغطَّى بالرمال.
أما الموقع الآخر فيقع شمال الأول على بُعد حوالى كيلو متر واحد منه، ويضم غُرَفاً وأسواراً أقل تنظيماً.

تقع القلاع إلى الشرق من مباني المدينة، وتشمل قلعتين كبيرتين، وقلعتين صغيرتين، وحجارة هذه القلاع كبيرة، وبعضها مزخرف.
وإلى الشرق من هذه القلاع، وتحديداً على بُعد 1500 متر، توجد تبَّة مغطَّاة بالرمال التي زحفت عليها، وتظهر على سطحها وداخل تربتها قطع عظام صغيرة وكبيرة منتشرة على مساحة الموقع؛ ممّا يَدلّ على أَنَّ هذا الموقع كان مقبرة قديمة.

 

وتَمتَدُّ الحقول الزراعية حول المباني وخارجها بطول 25كم من طويّل النبيّة حتى عين السِّكْر الواقعة وسط مدينة تبوك الحديثة، وبعرض يتفاوت من مكان إلى آخر يبلغ أقصاه عند رجوم شوهر، ويقل في بعض المواقع؛ نظراً إلى وجود أماكن صخريّة. وتظهر أكوام الحجارة الناتجة من تنظيف سطح التربة وتجميع الصخور والأحجار الصغيرة، والتي يمكن مشاهدتها في مُعْظَم المواقع. كما تظهر في هذه المواقع صخور كبيرة على شكل سلاسل توضح حدود الملكيّات، وغرف منعزلة مبنية بشكل دائري، وبطريقة منتظمة لها علاقة بالاستخدام الزراعي. في آخر المشهد توجد قنوات ريّ وعيون، والآبار الموجودة في أبو العجيِّجات، والقنوات الموجودة عند مرتفع شوهر، إضافة إلى القنوات الموجودة في رايس القديمة.

 

وفي العصر الإسلامي انتقل موقع المدينة إلى البلدة القديمة حول عين السكر التي نزل عندها الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وفيها مسجده الذي يسمى الآن مسجد التوبة. وقد نشأت البلدة ومزارعها حولها، وأورد ذكر هذه البلدة الجغرافيون المسلمون حيث وصفها الإصطخري في القرن الرابع الهجري بحصن به عين ونخل وحائط يُنسب إلى الرسول -عليه الصلاة والسلام-. وفي القرن السادس وصفها الإدريسي وذكر أنَّها مدينة في نحو نصف طريق الشام، ولها حصن يطوف بها، وشرب أهلها من عين ماء خرَّارة، وبها نخيل كثير. وفي القرن العاشر الهجري بنى الأتراك قلعةً قرب عين السكر، وهي باقيةٌ إلى الآن.

وفي عام 1325ه‍ الموافق 1905م، تمّ إنشاء محَطَّة سِكَّة حديد الحجاز التي تشمل قلاعاً لخدمة المحَطَّة. كما ونشأ حيٌّ جديدٌ وسوق المدينة الذي يتَكوَّن من شارعٍ فسيحٍ تحفُّه من الجانبين بناياتٌ جميلةٌ تُستَغلُّ للأغراض التجارية. كما تَمَّ إنشاء مستشفى ومكان حجرٍ صحِّي للحجّاج من الجهة الشرقية للسوق، إضافة إلى تجديد بناء مسجد التوبة.

وفي عام 1344ه‍ انضوت المدينة تحت حكم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله-، وبدأت تشهد نموّاً وزيادةً في عدد السُّكَّان مع استتباب الأمن والاستقرار.

 

خلال العقود الثمانية الماضية، ونتيجة للأمن والاستقرار والدعم السخي من قيادة المملكة العربية السعودية؛ شهدت تبوك قفزات من النموّ الزراعي، بدايةً بتوزيع الأراضي الواقعة جنوب تبوك بين حي الخالدية وهجرة رايس في سبعينيات القرن الماضي ومنحها للمزارعين، ثُمَّ بدء مشروع توطين البادية؛ حيث تم توزيع أراضي دمج والهجيرة ورايس وأبو العجيجات، وأعقبها صدور نظام استثمار الأراضي البور، وتوزيع الأراضي الزراعية منها لاستثمارها؛ فشهدت الزراعة قفزات نوعيَّة، واتَّسعت الرُّقعة الزراعية في المنطقة، وتحوَّلت الصحراء الجرداء إلى مروج خضراء مُلِئَتْ جِناناً تُنتِج الحبوب ومحاصيل الأعلاف، والفاكهة بجميع أنواعها، والخضراوات والزهور، وتحقَّق حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك حينما قال مخاطباً معاذ: “يوشك يا معاذ إنْ طالت بك حياة أنْ ترى ما ها هنا قد مُلِئَ جِناناً”. رواه مسلم.

تاريخ المدينة
عُرفت تَبُوك بهذا الاسم قبل الإسلام، وقد شهدت إحدى غزوات الرسول -عليه الصلاة والسلام-، والتي سُميت بغزوة تبوك، أو غزوة العسرة.

ويُرَجَّح أن تعود التسمية إلى ما أورده موزل من أنَّ “بطليموس ذكر اسم بلدةٍ تُعرَف بـ تباوا Thapaua تمتد على الحدود الشمالية الغربية لبلاد العرب السعيدة. وإنِّي أعتبر هذا الاسم تحريفاً لكلمة تبوكا أو تَبُوك Thapaucua؛ إذ ينطبق المكانان كلٌّ منهما على الآخر”.

والمعلومات عن تاريخ تبوك في الفترة التي سبقت الإسلام شحيحة، لكن آثارها الباقية تدل على تاريخها القديم الذي يظهر بصورة جلية بعد أعمال الدراسات والتنقيب.

في العام التاسع الهجري نزلها النبي –صلى الله عليه وسلم- حينما علم بتحركات الروم وأحلافهم من القبائل العربية لغزو المدينة المنورة، واستخدمها قاعدة عسكرية؛ حيث أرسل جيشين: الأول إلى الشرق بقيادة خالد بن الوليد لفتح الجوف، والآخر إلى الغرب بقيادة زيد بن حارثة لفتح مدين.

كما نزلها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في طريقه إلى بيت المقدس، وفيها بنى الخليفة عمر بن عبدالعزيز بين عامي 99هـ و101هـ مسجد التوبة في الموقع الذي اتخذه النبي –صلى الله عليه وسلم- مصلى في غزوته لها.

وفي العصور الإسلامية أصبحت تبوك منزلة من منازل الحج الشامي، وورد ذكرها في كتب رحلات الحج كثيراً خلال العصور الإسلامية المتعاقبة. ومن أشهر الرحالة المسلمين الذين زاروها وكتبوا عنها ابن بطوطة الذي زارها عام 727هـ.

وفي عام 967هـ أسَّس فيها الأتراك قلعة تبوك ضمن مجموعة من القلاع على طريق الحج الشامي.

تنشيط سياحي مختلف
يأتي الحديث عن تبوك في الوقت الذي تشهد فيه المدينة والمنطقة تطبيق استراتيجية وخطة جديدة لتنشيط السياحة فيها. وفي هذا يقول مدير عام فرع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بمنطقة تبوك الدكتور مبروك محمد الشليبي: “إن استراتيجية وخطة النشاط السياحي في مدينة تبوك هي ضمن منظومة الاستراتيجية السياحية العامة للمنطقة، والتي تهدف إلى تطوير أماكن الجذب السياحي بالتعاون مع المجتمع المحلي والشركاء الآخرين لدعم الفرص الاقتصادية، وتطوير النواحي الثقافية والاجتماعية، وعقد شراكات مع الجهات ذات العلاقة كجامعة تبوك وأمانة المنطقة والداعمين، وذلك بإقامة شراكة فعالة تحت مظلة مجلس السياحة في المنطقة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان أمير منطقة تبوك. وجاء تجسيد هذه الشراكات على الواقع بإقامة مهرجان سنوي هو مهرجان الورد والفاكهة، والذي حقق الكثير من الفوائد. كما أن هناك مهرجاناً آخر للحرف والصناعات اليدوية، ومهرجان تبوك للتسوق، إلى جانب عدد من الفعاليات”.

 

وأضاف: “إن لمدينة تبوك مساراً سياحياً مميزاً تدعمه المواقع الأثرية مثل قطعة تبوك وعين السكر ومسجد التوبة، وكذلك جادة الأمير فهد بن سلطان، وهذه تقع في وسط تبوك التاريخي الذي تسعى الأمانة -بالشراكة مع هيئة السياحة ووزارة الشؤون الإسلامية- إلى تطويره. كما تضم المدينة متحف تبوك، ومحطة سكة الحجاز، والسوق المركزي، ومتحف الكناني، ومتحف ناصر هجهوج العطوي، ومركز الأمير سلطان الحضاري، وجامع الوالدين، وبرج مياه تبوك”.

وبيّن الدكتور الشليبي أن “الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني ساهمت مع المجتمع المحلي بإقامة ورش العمل المتنوعة في مجالات الاستثمار السياحي، وتأهيل المرشدين والمرشدات السياحيين، وتنظيم الفعاليات السياحية المتنوعة. وعملت الهيئة على تنمية الحرف والصناعات اليدوية لتأخذ مكانتها في المنظومة السياحية؛ حيث بلغ عدد الحرفيين والحرفيات المسجلين بالمنطقة ضمن برنامج بارع 383 حرفياً وحرفية في صناعة السدو والخوص والتطريز والنحت والأكلات الشعبية والكورشيه والخرز. كما عملت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني على تطوير الإرشاد السياحي حتى وصل عدد المرشدين السياحيين المعتمدين لدى فرعها في تبوك إلى 40 مرشداً سياحياً”.

وأكد أن “الهيئة تسعى إلى تطوير مرافق الإيواء السياحي بمدينة تبوك التي بلغ عددها عشرة فنادق و84 وحدة سكنية، ومرفقين سياحيين تحت مسمى شقق فندقية، وهناك فندقان من فئة خمسة نجوم يجري العمل على تنفيذ أحدهما، والآخر جاهز للتشغيل. كما أن هناك نشاطاً لتنظيم الرحلات من خلال حافلات مناسبة للنقل السياحي”.

 


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview