النسخة التجريبية   

المدينة المنورة.. نورٌ يضيء الروح والذاكرة

مشاهدات: 47 2018/11/26 تعليق: 0

هيبت محمود

 

تختزن الروح صور الطفولة والمنبت الأول، وتعيدها في كل مرة، بمناسبة أو دون مناسبة. نمشي في هذه الحياة وعروق النشأة الأولى تحرِّك أفئدتنا، وتحاكي أخيلتنا.

لا تكاد تبرح ذاكرتي تلك الصور.. طفلةٌ تجري هابطةً بسرعة البرق سلالم عمارتنا التي تطلّ على الحرم النبوي الشريف في منطقة الرومية بشارع أبي ذر الغفاري.. طفلةٌ تسابق خيالها، وتنتظر أمها على باب العمارة؛ لتذهبا معاً إلى الصلاة في المسجد النبوي الشريف بينما صوت الأذان يغمر المكان والأرجاء والروح. ما أحلى تلك الخطوات التي تصل دار جدي بأجمل مسجد على سطح الأرض. 

لم تكن الصلاة في المسجد النبوي مثل الصلاة في غيره من المساجد. عرفت ذلك لاحقاً؛ كانت كل التفاصيل تعني احتفالاً حقيقياً بالإسلام. كل تلك الصور شكلت وعيي بألوانها وتراكيبها وروائح المكان وعبقه، وظلت معي.. وستظل. 

عندما كنا نفرغ من الصلاة كنت أركض مع والدتي في ساحات الحرم الداخلية عندما كان لون الطلاء الداخلي أحمر، قبل التوسعة؛ لأجلس على (دكّة الأغوات). ها هي الروائح الطيبة عادت وأنا أكتب الآن... كيف تفارق ذاكرتي تلك النسمات وسماحة الوجوه، حينما كان الأغوات يجولون لينظموا دخولنا إلى المسجد وقت الزيارة؟!
قديماً لم يكن هنالك جوالات أو كاميرات توثق الحدث أو الاجتماع، إلا أن القلوب كانت تحتفظ وتنسخ كل التفاصيل التي يجب أن لا تنسى. لا تفارق الصور مخيلتي أبداً، خاصةً في الاجتماعات العائلية التي كنت أشهدها في المدينة المنورة مع العائلة بما فيها من هيبة ولهفة وخير ومواساة ومحبة لا يقطع وصلها (موبايل)، ولا يعكر صفوها (تابليت)!
لم تكن الحياة قبل 20 عاماً كما هي عليه الآن من سرعة وركض متواصل وتكنولوجية تقطع الدرب نحو الأحبة! كانت الحياة هادئة، مستقرة، واضحة المعالم. وبالنسبة لطفلة كان أجمل ما تراه هو العائلة والأهل والأصدقاء. إنها ذكريات حقيقية لا تقارن بالوقت الحالي الذي يكاد يكون عالماً افتراضياً.

ولأنها المدينة المنورة؛ فأنت تخرج منها بمزيج من الثقافات؛ حيث تمتلئ بالزوار في وقت الحج والعمرة. لا أنسى كم كانت وجوه الناس البسيطة مبتهجةً ومستبشرةً بالغفران والقبول في سوق قباء، بجهتيه الطالع والنازل -كما كان يسمى- حيث يمتلئ بالمتسوقين؛ إذ كانت فكرة المجمعات التجارية (المولات) غير متوفرة كما هو الحال في الوقت الحاضر.

أكتب هذا المقال والمطر يهطل في الخارج بغزارة. جعله الله صيّباً طيباً. أكتب وأتذكر أيام هطول الأمطار في المدينة المنورة، والذي يعني نزهة إلى البساتين الخضراء المزدانة بالنخل الذي يملأ أرض المدينة ليطرح أطيب الرطب والتمر.

ومَن ينسى سدَّ العاقول الذي كان متنزهاً للجميع في الشتاء، يقضي الناس فيه أوقاتاً تزيد الذاكرة ألواناً ورائحةً ومخزوناً هائلاً من الوداد والألفة. سد العاقول هو أكبر سد بالمدينة المنورة. تفيض مياه قاع العاقول في وادي قناة بوادي العقيق، ويكوِّن مجرىً واحداً يُعرف بوادي الحمض. 

المدينة المنورة، هي مدينتي ومدينتك أيضاً، مدينة العالم بأسره، ولو استفضت لأخذت الكثير من صفحات مجلة “ترحال” العزيزة على قلوبنا.



التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview