النسخة التجريبية   

سوق الخميس في القطيف.. نافذة على التاريخ

مشاهدات: 572 2018/11/26 تعليق: 0

(سوق الخميس) من المعالم التراثية التي لا تخطئها العين في محافظة القطيف شرق المملكة؛ فهي من أقدم وأهم الأسواق التاريخية في الخليج العربي، وقد ورد ذكرها في غالبية المصادر والوثائق التي تناولت الشأنين الاجتماعي والاقتصادي في هذه المنطقة الضاربة جذورها في عمق الحضارة والتاريخ.

ولا تزال هذه السوق العتيقة تحتفظ بالكثير من ملامحها ومعالمها التراثية رغم طول عمرها الذي يمتد إلى مئات السنين. وقد وصفها الرحالة البريطاني الشهير جورج فوستر سادلير قبل قرنين من الزمن في كتابه (يوميات رحلة عبر الجزيرة العربية)، والذي كان على شكل مذكرات تفصيلية سجل فيها يوميات مغامرته التي انطلق فيها من القطيف في عام 1819م، مخترقاً الصحراء في رحلة طولها 1200 كيلومتر. ويقول في وصف هذه السوق: “خارج بوابة القلعة الجنوبية للقطيف، تُعقد سوقٌ كل يوم خميس، تُجلب إليها البضائع من اللحم والأرز والتمور والسمك، والبطيخ بحجم كبير جداً، والحنطة والشعير، والتين والمشمش والرمان والعنب والليمون والباذنجان والبصل واللوبيا. وهي تمتد إلى مسافات كبيرة، ومحاطة بالصحراء في جانب، وبساحل البحر من الجانب الآخر، ومظللة بأشجار النخيل”.

كانت سوق الخميس عبارة عن عدة أسواق تعرض البضائع والمنتجات المختلفة، وسُميت بهذا الاسم؛ لأنها كانت تُقام في يوم الخميس، وقد تحوّل مكانها في العقود المتأخرة من القرن الماضي إلى قلب مدينة القطيف، وتحديداً حول حي مياس وما جاوره من أحياء، وفي بداية الثمانينيات الميلادية انتقلت إلى مقرها الحالي على امتداد شارع الملك فيصل غرب مدينة القطيف.

السوق.. يوم وموعد
مع تسلل ضوء الفجر صبيحة كل يوم سبت على مدار العام، يتوافد أهالي وزوار القطيف من المحافظات الأخرى ودول الخليج المجاورة إلى سوق الخميس التي لا تزال محافظةً على اسمها التاريخي، رغم تبدّل موعدها ليوم السبت؛ تماشياً مع تغيير الإجازة الأسبوعية منذ عام 2013م؛ لتُصبح هذه المفارقة الظريفة محل تندُّر كل زوار هذه السوق العريقة التي تُعدّ المعلم السياحي الأهم في محافظة القطيف.

الملمح الرئيس
على مساحة تتجاوز 20 ألف متر مربع، تنتشر أكثر من 500 بسطة شعبية موزعة على جنبات السوق. هنا تشكل البساطة والعفوية الملمح الرئيس لمشهد السوق، وما تجري فيها من تعاملات. هذا هو ديدنها عبر تاريخها العريق. كما تمتاز بأسعارها الزهيدة التي يجد فيها المتبضعون فرصة سانحة لشراء ما يحتاجون إليه دون الحاجة إلى الكثير من التفكير والتردد، والمساومات؛ فسوق الخميس هي الكرنفال الأسبوعي المفضل الذي يحرص سكان وزوار القطيف على ارتياده؛ لأنه يُحرضهم على تصفح دفتر الزمن الجميل بكل ملامحه العذبة وحكاياته الجميلة.

 في هذه السوق العتيقة تجد كل شيء تقريباً، من إبرة الخياطة إلى النخلة التي يتجاوز طولها أربعة أمتار. 

 هنا في هذه السوق التي تنسج حكاية عشق القطيفيين للأمس الجميل بكل تفاصيله المدهشة، تتعالى الأصوات في كل مكان، وتمتزج الأحاديث بالضحكات التي تستقبل الزوار؛ فالسوق أشبه بحفلة باكرة من الفرح والسعادة والألق. تتوزع البسطات وتتنوع البضائع، ويختلط البائعون بالمتبضعين، وتتناغم النظرات العاشقة للتراث والتحف والصور والعملات والطيور والأسماك والزهور والعطور والتوابل وغيرها من البضائع. وبشكل عفوي أنيق، تنتظم البضائع والمنتجات على الأرض أو على تلك الطاولات الخشبية العتيقة التي تنتظر المارة بكل شوق؛ ففي سوق الخميس، لا يمكن حصر أو رصد أو تصنيف البضائع؛ فهي متناثرة هنا أو هناك، لكن ثمة حقيقة يعرفها كل زوار هذه السوق الكبيرة، وهي: “كل ما تُريده تجده في سوق الخميس”.

 وسوق الخميس عبارة عن عدة أسواق مصغرة؛ فهناك سوق للتحف والعملات والصور القديمة والخواتم والأحجار الكريمة والمسابح، وأخرى للطيور والحيوانات الأليفة والزواحف والأسماك، وسوق للفخاريات والمشغولات التقليدية، ورابعة للحدادين، وسوق للبضائع والمنتجات الحديثة، ومثلها للأسماك والفواكه والخضراوات، وسوق للنخيل والزهور والشتلات الزراعية، وأخرى للأدوات والأجهزة المستعملة، وسوق للتوابل والبهارات والسمن البلدي، وسوق لمشغولات السعف والخوص. في هذه السوق الكبيرة ثمة تحدٍّ يحلو لأهل القطيف أن يعقدوه فيما بينهم، وهو أن الزائر لهذه السوق لن يُغادرها ويداه خاليتان.

 رغم وجود الكثير من المراكز والأسواق التجارية في محافظة القطيف التي تتكون من 15 مدينة تتوزع على مساحة تتجاوز الـ800 كيلومتر مربع، ويتجاوز تعداد سكانها الـ700 ألف نسمة، إلا أن سوق الخميس لا تزال هي المفضلة لدى غالبية سكان وزوار القطيف؛ ذلك لأنها تُمثّل قيمة تاريخية وتراثية وإنسانية لا نظير لها.
منتجات من البيئة والتراث

تشكل سوق الخميس فرصةً لأهالي القطيف وما يحيط بها من قرى لتسويق وبيع منتجاتهم التي تمتاز بها هذه البلدات؛ فيتسابق القطيفيون إلى عرض بضائعهم ومنتجاتهم الشهيرة التي تُعرف بها بلداتهم وقراهم؛ فهناك مستحضر (الطين الخويلدي) الشهير الذي يُستخرج من أرض بلدة الخويلدية القطيفية، والذي كان ولا يزال يُستعمل لتنظيف وتنعيم الشعر. كما يوجد باستمرار بائعو (الطماطم الرامسي) الشهير الذي تُشتهر به بلدة العوامية في القطيف. وفي زاوية أخرى من السوق تجد الحرفيين المهرة من جزيرة تاروت يعرضون أعمالهم الخشبية ومشغولاتهم التقليدية؛ فسوق الخميس ليست مجرد ساحة لبيع المنتجات والبضائع فقط، ولكنها تظاهرة إنسانية فريدة يُعرض فيها التراث والإبداع.

ولسوق الخميس مواسم ذروة تكون عادةً في الإجازات والمناسبات وأثناء الأجواء المناخية الجيدة. ورغم تضارب الأرقام والإحصاءات حول المبيعات اليومية والسنوية لسوق الخميس، إلا أن معدل المبيعات اليومي قد يتراوح بين 200 و400 ألف ريال في اليوم، وبمعدل قد يصل إلى 15 مليون ريال في العام الواحد تقريباً.

علي المخرق أو (أبو حسن) -كما يعرفه كل زوار السوق- ستيني عاشق للتراث بكل تفاصيله. على مدى أكثر من 45 عاماً يعرض أبو حسن ويبيع ويشتري القطع والمقتنيات التراثية والعملات القديمة والأحجار الكريمة. يتحدث بلهجته القطيفية الجميلة عن سوق الخميس التي يعرفها جيداً منذ كان في الـ13 من عمره، ويؤكد أن سوق الخميس ستبقى مهما تعرضت لمنافسة شرسة من الأسواق الحديثة أو من تلك الأسواق المتنقلة التي يراها الأخطر على سوق الخميس، كما يتمنى أن يُعاد بناء سوق الخميس بشكل حديث، شرط احتفاظها بتفاصيلها العتيقة التي عُرفت بها، تماماً كما حدث مع قيصرية الأحساء.

عباس الجارودي ذو الـ75 عاماً يتحدث عن سوق الخميس التي يعرفها منذ نصف قرن، ويعتبرها جزءاً من حياته، ويتذكر كيف كان ينتظر فجر يوم الخميس من كل أسبوع، تماماً كما لو كان ينتظر موعداً مع الفرح. ويبيع العم عباس المنتجات المنزلية والمستحضرات الشعبية، ولكن الطين الخويلدي هو بضاعته الشهيرة التي يبحث عنها زوار السوق، ولا سيما النساء اللاتي يُفضلن هذا الطين؛ للمحافظة على شعرهن من التلف أو الخشونة. العم عباس الذي لا تكاد تُفارقه الابتسامة التي يرسمها على وجوه المارة والمتبضعين، والذي يعقد صداقة مع كل مَن يمر ببسطته، حتى وإن لم يُفلح في إقناعه بشراء بضاعته؛ فهو -على حد قوله- يعتبر سوق الخميس، إضافة إلى كونها مصدر رزق له، مصدر سعادة أيضاً، لا يجدها إلا في هذه السوق التي قضى فيها جُلّ حياته.

فتحي البنعلي المتقاعد منذ سنوات، وصاحب متحف دارين التراثي الذي يُعد ضمن المسار السياحي في محافظة القطيف، يحرص على زيارة سوق الخميس منذ أكثر من 40 عاماً؛ فهو يشتري التحف والعملات القديمة والصور والمشغولات من هذه السوق ليُزيّن بها أروقة وجدران متحفه الذي يطل على قلعة محمد بن عبدالوهاب الشهيرة في دارين؛ وهو بذلك يفعل عكس ما جاء في بيت الشعر الشهير لشاعر العصر الأموي أعشى همدان المتوفى في عام 83 هجرياً، وهو يصف ازدهار دارين بتجارة التوابل والعطور والمسك:
يَمُرُّونَ بِالدَّهْنَا خِفَافًا عِيَابُهُمْ .. وَيَرْجِعْنَ مِنْ دَارِينَ بُجْرَ الْحَقَائِبِ 
أم علي إحدى السيدات اللاتي يحرصن على الحضور لهذه السوق منذ سنوات طويلة، وهي قادمة من بلدة البحاري لتبيع السلال والحصر والمديد والسفر والمهفات وغيرها من المصنوعات التقليدية من سعف النخل. وتذكر أم علي أنها تعلمت هذه الحرفة القديمة من جدتها التي كانت أفضل من (يسف) الخوص -على حد قولها-. أم علي لا تزال تتذكر جيداً تلك السنوات التي كانت بضاعتها تنفد كاملةً؛ فقد كانت منتجاتها تتصدَّر قائمة زوار سوق الخميس، ولكنها تراجعت الآن بسبب البضائع والمصنوعات الحديثة التي أصبحت تُغرق الأسواق.

زوار من مختلف الجنسيات
 تحظى سوق الخميس باهتمام كبير من قبل الزوار الأجانب الذين يعتبرون زيارتها تجربة رائعة؛ فهي بالنسبة لهم نافذة مطلة على حضارة وتاريخ وتراث هذه المحافظة الجميلة. كريستا وكارمن وجوليا من أمريكا، وميريم من ألمانيا، وهن أكاديميات في إحدى الجامعات السعودية بالمنطقة الشرقية، يزرن سوق الخميس للمرة الأولى. ورغم المحاولات الحثيثة لإقناعهن بأن التسمية الشهيرة لهذه السوق هي (سوق الخميس)، رغم كونها تقام يوم السبت، إلا أنهن اكتفين بتمرير الابتسامات فيما بينهن.
 


كريستا التي تتحدث بعض المفردات العربية، وتبدو كما لو كانت المتحدثة بالنيابة عنهن، تقول: “منذ مدة كنا نُخطط لزيارة هذه السوق التراثية القديمة التي عرفنا بها من طالباتنا القطيفيات اللاتي يتحدثن عنها دائماً، وهي -كما وصفن لنا- رائعة، رغم بساطتها، وتشكّل أرشيفاً حياً لتاريخ القطيف، والسعودية بشكل عام”. 

سوق الخميس. قصة من قصص التراث السعودي، نحتفي بها كما نحتفي بكل مكونات هذا التراث الذي يعكس أصالتنا، ويجسد روح أنتمائنا الوطني.
     
    

    
 

 
 


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview