النسخة التجريبية   

البن الجازاني يعود إلى الواجهة

مشاهدات: 441 2019/01/17 تعليق: 0

تحقيق: عبدالعزيز الريثي

تصوير: حسن المالكي


 

مع المهرجان الذي رعاه سمو أمير منطقة جازان الأمير محمد بن ناصر بن عبدالعزيز في محافظة الداير الجبلية بجازان مطلع ديسمبر الجاري تحت شعار ( قهوة الكيف .. مرحب الضيف) دبَّت الحياة مجدداً في جنبات المدرجات الزراعية بجبال جازان، وعاد معه حماسالمزارعين ودفء علاقتهم التاريخية مع الأرض التي شكلت قصة عشق أزلية كثيراً ما تغنى بها شعراء المنطقة وزوارها، وأخذت فصولها تنمو يوماً بعد يوم مع أنفاس المزارعين، وأناشيد الفلاحين، ووجدان محبي القهوة؛ سيدة المزاج العالمي. 

 

 

 


ثمار البن على أطراف الأغصان

 

ألوان حبات البن قبل اكتمال نضجها.. لوحة تخلب الألباب

 

شكلت مبادرة (أرامكو السعودية) دفقة حياة لمزارعي البن في جبال جازان فقد أسهمت بمرحلتيها الأولى والثانية في زراعة أكثر من 18 ألف شتلة.. وستشهد المرحلة الثالثة قريباً إنشاء مصنع متكامل للبن.

 

تنتابك الدهشة وأنت تشاهد أشجار البن في جبال جازان تتمايل من على سفوح عالية في منظر بهيج يضفي على المكان نوراً، وعلى الزائر بهجة، وعلى الاقتصاد ثروة وطنية؛ فالبن أكثر سلعة متداولة عالمياً بعد النفط، وذو قيمة اقتصادية عالية، ويعد من مقومات الاقتصاد العالمي، خصوصاً أن سعر الطن من البن يفوق سعر طن البترول 60 مرة.


وتسعد أكثر، وأنت ترى طلاب مدرسة القعقاع في الداير يجرون التجارب العلمية على زراعة البن، وحققت تجربتهم في زراعة البن باستخدام الأحجار البركانية والمياه عوضاً عن التربة نسبة نجاح تجاوزت الـ 60%؛ وفق ما أبلغنا به الأستاذ يحيى بن علي حريصي مير مجمع مدارس جبل الحشر.


الذهب الأخضر

تنمو ثمار البن في مجموعات على أطراف الأغصان، في أحضان أوراق مستديمة الخضرة، تتحول عند نضجها إلى عقد جميل من الثمار، يزيدها جمالاً تعدد الأغصان على ذات الفرع بألوان طبيعية زاهية، منها الأحمر والأخضر والبني، بعد أن تكون قد كست المكان حلة بهيجة من أزهار البن البيضاء التي تذكي الأجواء برائحتها وشذى عبيرها الفواح.


ونطاق البن في جبال جازان يمتد على طول ست محافظات جبلية هي من الجنوب إلى الشمال: العارضة، وفيفا، والداير بني مالك، والعيدابي، وهروب، والريث. ويُزرع على حواف الشعاب الجبلية، وسفوح الجبال في مدرجات كنتورية تعمل على حفظ التربة والمياه والرطوبة؛ لتكون حضناً مناسباً لهذه الشجرة المعطاءة. وتختلف مساحات المدرجات بحسب وقوعها في منبسط الجبل أو منحدره وفي عمق الشعاب أو أطرافها؛ حيث تصل المساحة إلى مئة متر طولاً في أربعة أمتار عرضاً، وتتقلص في المنحدرات إلى عشرين متراً طولاً في عرض مترين.


جازان سلة الثمار

تمتلك منطقة جازان مقومات وثروات طبيعية متنوعة، وكما تشتهر سهولها بزراعة أجود أنواع المانجو والجوافة والموز والتين، تشتهر جبالها بإنتاج أجود أنواع البن العربي؛ وهو ما يعرف باسم (البن الخولاني) الذي تنتشر مزارعه على المدرجات الجبلية في مزارع متراصة. ويعتبر بن جازان -وفق تصنيف الخبراء- من أجود أنواع البن في العالم بعد فحص المنتج في أحد المراكز العالمية المتخصصة في القهوة. وقد تراوحت نسبة جودته بين 83 و90%، وهذه النسبة من النسب الأعلى عالمياً.


وتحتضن المحافظات الجبلية الست من العارضة إلى الريث أكثر من 100 ألف شجرة بن، ويبلغ عدد المزارعين الذين يحترفون هذه الزراعة أكثر من 700 مزارعٍ، وتحتل جبال الداير المرتبة الأولى في زراعة وإنتاج محصول البن، حيث يقدر عدد أشجار البن المزروعة فيها بنحو 70 ألف شجرة تنتج سنوياً ما يقارب 200 طن، ويتوقع أن يبلغ إجمالي المنتج من جميع المحافظات هذا العام 390 طناً، مع زيادة معدل الإنتاج السنوي.


 

محصول البن بعد جنيه

 

ثمار البن تُجنى يدوياً حبة حبة

 


 

يساعد هذا المِخْرَش (المشط) في فصل الحبوب عن القشر

 

زراعة البن

برودة الطقس واعتداله عامل أساسي ومهم لزراعة البن، وكذلك خصوبة الأرض ونوع التربة. كما تتأثر جودة البن بدرجة الارتفاع عن سطح البحر. وتتميز جبال جازان بأمطارها الموسمية وأجوائها المعتدلة، وخصوبة تربتها؛ مما جعلها مناطق مناسبة لزراعة البن منذ القدم. وللبن اشتراطات مناخية في المياه والرطوبة والشمس والحرارة. وتناسبه البيئة المدارية وشبه الاستوائية. وهو النطاق المعروف في العالم بحزام البن. وتقع جبال جازان ضمن هذا النطاق المداري، وتتوفر فيها طبيعياً البيئة المناسبة لشجرة البن التي لا تحتاج إلى المياه بشكل دائم، بل تكتفي بالأمطار الموسمية الصيفية والشتوية التي تهطل على هذه الجبال.


ويقول الباحث والمؤرخ في أشجار البن يحيى شريف المالكي: «إن العناية بهذه الشجرة تبدأ من اختيار التربة الطينية الصفراء الغنية حيث تبذر البذور الجيدة المنتقاة، ويُعتنى بها حتى يصل طول الشتلة إلى (20- 50 سم)، ثم تنقل إلى المكان المُعد لغرسها. ويتم الغراس في موسم البرد الذي يلي موسم الحصاد فيما يعرف لدى المزارعين بـ(المَرْكِد)، وهو نجم القلب الذي يبدأ في التاسع والعشرين من برج القوس الموافق للعشرين من شهر ديسمبر - كانون الأول من كل عام. ويراعى ترك مسافة بين كل (غريسة) وأخرى تتراوح بين ثلاثة وأربعة أمتار، ولا تُسقى الشجرة إلا عند غرسها، وتحتاج ما بين ثلاث إلى أربع سنوات؛ لتصبح شجرة مثمرة».


من الزهرة إلى (الدِلال)

وتعود زراعة البن في جازان إلى مئات السنين؛ ففي بعض المزارع أشجار بن معمرة لا يُعرف مَن زرعها؛ لقدمها. وشجرة البن تعمر طويلاً؛ إذ قد يصل عمر الشجرة إلى أكثر من مئة سنة. وعودها ذو لون بني مائل للصفرة، وتغطي الشجرة مساحةً قطرها أربعة أمتار، وقد يصل ارتفاعها إلى سبعة أمتار. وتصنف من الأشجار دائمة الخضرة، على أنها تحتاج إلى عناية خاصة بعد موسم الجني لتخليصها من الفروع اليابسة، وهو ما يعرف لدى المزارعين بـ(الحطب)؛ لإعداد الشجر لموسم جديد من الإثمار بأغصان أكثر قوة. كما تحتاج التربة إلى التقليب مرة واحدة في السنة لتفتيحها وتجديدها بما يعرف عند المزارعين بـ(الفَرْس). وتبدأ الشجرة دورة الإنتاج بمرحلة الزهر حيث تخرج أزهار البن بيضاء جميلة، لكنها سرعان ما تذبل؛ لتبدأ الثمرة في التشكل خضراء صغيرة تنمو لتتحول عند اكتمال نضجها إلى اللون الأحمر؛ فتكسو الشجرة جمالاً تتعانق فيه الثمار الحمراء بألوان الورق الأخضر في منظر بديع، لا يعرف سحره إلا مَن رآه».


ويضيف المالكي: «بعد نضج الثمار يتم جني المحصول يدوياً حبةً حبة بعناية للحفاظ على سلامة الأغصان؛ لتتمكن من حمل الثمار في الموسم المقبل. وتجمع الثمار في أدوات جلدية (جراب) ثم تنقل إلى أماكن تجفيفها التي عادةً ما تكون أسطح المنازل أو أماكن قد تكون أعدت لهذا الغرض؛ للحفاظ عليه من تأثير المطر والرطوبة، على أن يتم تعريضه يومياً لأشعة الشمس اللاهبة مدة أسبوعين؛ حتى تجف الثمار ويتحول لونها إلى البني الداكن أو الأسود؛ فيما يعرف لدى المزارعين بـ(التقفيل). يُجمع البن بعد جفافه، ويكال بالصاع المحلي، وهو ما يقدر بعشرة كيلوغرامات، وتتم تعبئته في أكياس كبيرة لنقله إلى أسواق البن المحلية في المنطقة كالداير والعيدابي والعارضة وصبيا، ومنها إلى محامص البن؛ حيث يتم فصل القشر عن اللب، ومنها إلى الأسواق بين يدي محبي شرب القهوة بنكهاتها المختلفة، في حين يبقى للقشر استعماله أيضاً؛ حيث لا يزال البعض يستخدمه كمشروب بديل للقهوة».


رمز الكرم

 يصف المزارع فيصل محمد الزغلي شجرة البن بأنها «كريمة معطاءة، يُصنع من ثمرتها شراب القهوة المعروف الذي يسمى محلياً بقهوة الصافي. أما القشرة الخارجية فتصنع منها قهوة خفيفة التركيز صهباء اللون ذات طعم يميل إلى الحلاوة، تعرف باسم قهوة القشر، كما أنه يصنع من القشرة الداخلية الرقيقة اللزجة المائلة للخضرة قهوة متوسطة الكيف بين الصافي والقشر تسمى قهوة الطحّة. ويختلف لون القهوة باختلاف درجة حمسها على النار. والقهوة باتت رمزاً للأصالة والكرم في البلدان العربية، وارتبطت بها العادات والتقاليد وأدبيات السمر والمطالعة والإنتاج الفكري، ويكاد لا يخلو مجلس من دلة قهوة تدار على الضيوف. وبات لتقديمها فنون، وأصبحت المشروب الأول في البيت العربي، في كل الأوقات والمناسبات».


يمتد نطاق البن في جبال جازان على طول 6 محافظات جبلية هي من الجنوب إلى الشمال: العارضة وفيفا والداير بني مالك والعيدابي وهروب والريث.. ويزرع على حواف الشعاب الجبلية وسفوح الجبال.


زهرة البن عمرها قصير لكنها فواحة بأذكى عبير

 


 

لباعة البن في جازان مكاييلهم الخاصة

 

لقشر البن في السوق من يشتريه كما لثماره

 

تحديات البن وزراعته

تأتي تكلفة جني المحصول وإنتاجه بالطرق التقليدية اليدوية في مقدمة المعوقات التي تواجه العاملين في هذا القطاع، بالإضافة إلى وعورة الطرق المؤدية إلى مزارع البن، وتراجع منسوب الأمطار أحياناً، وندرة العمالة التي تتقن التعامل مع هذه الشجرة.


ولعل أكبر كارثة أصابت مدرجات البن هي مشاريع الطرق غير المخططة وغير المسؤولة التي حولت الجبال إلى ردميات شوَّهت صورتها وقضت على طبيعتها وأساءت إلى البيئة بل أهلكتها، فلو تم نقل الردميات والمخلفات وتصريف مياه الأمطار لحفظت للبيئة جمالها، ولتمكنت زراعة البن من الصمود، بل والازدهار. ويأمل المزارعون في جبال جازان إيجاد هيئة رسمية تتخصص في دعم وتنمية إنتاج وزراعة البن السعودي، على أن تتوفر لهذه الهيئة القدرات المالية، والخبرات الزراعية، وأفضل الكفاءات في مجال تسويق البن.


مبادرة (أرامكو)

شكلت مبادرة (أرامكو السعودية) دفقة حياة لمزارعي البن في جبال جازان؛ فقد أسهمت بمرحلتيها الأولى والثانية في زراعة أكثر من 18 ألف شتلة، كما تم تركيب خزانات بلاستيكية للمزارع وتمديد شبكة ري متكاملة، وتدريب المزارعين على طرق علمية للزراعة وحصاد البن. أما المرحلة الثالثة فستشهد قريباً وضع حجر الأساس للبدء في إنشاء مصنع متكامل للبن يشمل آلاتٍ للتجفيف والفرز والحمص والطحن والتغليف والتصدير؛ مما ينبئ بجدية الفكرة وأهميتها في مجال صناعة البن؛ إذ سيحل هذا المصنع مشكلة التصنيع والتسويق، ويجلب للمنطقة استثمارات جديدة، ويجعل لبُنِّها علامته التجارية المميزة.


مهرجان سياحي ومدينة للبن

كما شكل مهرجان البن الذي احتضنت محافظة الداير نسخته السادسة هذا العام واحداً من المنافذ التسويقية لهذا المنتج، وأسهم في استعادة المكانة الاقتصادية والتاريخية للبن السعودي، ونبَّه إلى ضرورة الاهتمام به على نطاق واسع. ويهدف المهرجان إلى تشجيع زراعة البن وزيادة رقعته الزراعية، ودعم تجارته والتعريف بأهميته كمحصول اقتصادي، وبحث فرص الاستثمار به مع الشركات والمستثمرين، وتقديم شجرة البن إلى الأسواق العالمية.


إن إنشاء مدينة للبن في جبال جازان فكرةٌ من الأفكار النوعية والفريدة التي قدمتها بلدية محافظة الداير قبل سنوات، وأشاد بها أمير المنطقة. وتقوم الفكرة على إنشاء مدينة متكاملة متخصصة في بيع البن وتصديره، وتحتوي على محال تجارية ومحامص، وفندق ومقاهٍ متخصصة، ومتحف تراثي ومسرح. كما تكون مقراً دائماً للمهرجان، ومعلماً سياحياً يضاف إلى رصيد المعالم والمقومات السياحية العديدة في المنطقة.

 

أشجار البن في مدرجات زراعية

 


 


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview