النسخة التجريبية   

مجالس الطيبين.. تغري جيل اليوم

مشاهدات: 396 2019/01/17 تعليق: 0

تحقيق: ملفي الحربي

تصوير: بدر الفريدي

 

 

أجواء جلساتنا في ليالي الشتاء، تراثنا التليد بديكوراته ذات الألوان المبهجة، والمواقد والقدور والأطباق الفخارية. تلك الأشياء الجميلة ببساطتها، والتي كانت سيدة المشهد في منازلنا في العقود الماضية، حين كانت منازلنا كلها مبنية من الطين.. تعود اليوم للواجهه من جديد، ولكن بشكل معاصر.

 

الطين في زمن الأسمنت

في الآونة الأخيرة سجلت هذه الديكورات التراثية عودة قوية إلى منازل واستراحات وقصور السعوديين في مختلف مناطق المملكة، وبات هذا اللون من التراث يلقى إقبالاً كبيراً وتنوعاً جمالياً في حضور هذه الموروثات بين تكوين كامل لبعض مجالس الرجال في البيوت والقصور والاستراحات، إلى تنوع جزئي يتناغم ورغبات أصحابها. كما جذبت هذه الديكورات السيدات؛ فشهدت مجالس النساء بدورها تلوينها الجمالي الخاص.

 

ويرى أصحاب هذه المجالس أن الديكورات التراثية القديمة تضيف لمسات جمالية حيث تكون، وتوحي بعبق من الماضي الجميل في مجالس الرجال، ولا سيما الكبار منهم، خصوصاً في أيام الشتاء، حين كانت مواقد الطين والأوجار تشعل البيوت دفئاً ونوراً. هذه النكهة الجميلة في الذاكرة لا تزال حاضرة حتى لدى جيل الشباب الذي وُلد بعد الكهرباء، واعتاد نمط الحياة الحديث؛ فجلسة حول حطبٍ يشتعل لا يمكن ألا يستشعر روعتها كل من يغمره دفؤها؛ ذلك لأنها متصلة بالمرويات والمآثر واللهجة والماضي الأصيل.

 

في سهرةٍ جمعتنا بمجلس أحد الأصدقاء يقول رجلٌ أربعيني: «إن امتزاج الماضي بالحاضر، والتقليدي بالتقني، أمر مقبول ويبعث على الراحة، ويشكل اتصالاً وجدانياً للإنسان؛ فكأنه ارتباطٌ بالجذور يدفعك إلى المضي قدماً وبسلاسةٍ في حياتك». ويشير آخر إلى أن الإضاءة الحديثة عندما تتداخل مع التراث والعناصر التراثية في المجالس تصبح جاذبة ومتميزة ومريحة للنظر.

 

ويقول هؤلاء إن الدوافع وراء العودة إلى هذا اللون من التراث هو الرغبة في التغيير، وإعطاء بعض المنكهات الجمالية للحياة من خلال إعادة إحياء التراث، والعودة إلى الماضي الجميل؛ فألوان التراث تترك أثرها المريح في نفوس البعض، وخصوصاً الكهول والمسنين الذين عاصروا تلك المرحلة الزمنية. وقد دفع تمازج المكونات الحديثة بالقديمة إلى الإبداع والتنافس على تقديم الأجمل.

 

«إن إشعال النار في مجلس من المجالس القديمة، والالتفاف حولها في أيام الشتاء متعة وسعادة لا تعوضها وسائل التدفئة الحديثة«. هذا ما قاله شيخ الحاضرين. وأضاف: «إن الجلسات الليلية والسمر في هذه المجالس تسرق أوقاتنا نحن المسنين؛ فنمضي فيها أوقاتاً ماتعة مصحوبةً بذكريات الماضي بحلوها ومرها؛ فننسى أنفسنا».


 

زير .. كم روى ظمأ الأولين

 

بيت الطين من الداخل بسقفه المرتفع

 

نافذة البيت والتاريخ يطل من خلالها

 

قطعة تراثية .. مشب للنار يصنع فيها الطعام بأواني الفخار

 


 

ازدهار تجارة الديكور التراثي

أوجد إقبال السعوديين المتزايد على بناء المجالس التراثية، ومشاب النار القديمة (الكمارات)، وتزيين مجالسهم بها، سوقاً رائجة للعاملين في هذا المجال. وعاد البحث عن (استاد الطين) السعودي مجدداً إلى الواجهة. و(استاد الطين) هو مصطلح سعودي يطلق على البنّاء والمهندس الماهر المتميز في هذه الصنعة التقليدية. وقال الحرفي واستاد الطين بمنطقة القصيم يوسف بن صالح الحمدان والمعروف بـ(أبو ريان): «شُغْل السعودي للطين وعناصر التراث والكمارات يُعد متميزاً، وهو المفضل لدى السعوديين. ويشهد (استاد الطين) السعودي تزايداً كبيراً في الطلب عليه من الراغبين بهذا التراث؛ حتى أن بعض البنائين السعوديين لا يجدون الوقت لتلبية رغبات الجميع نتيجة ضغط العمل، ونظراً إلى قلة عددهم في ظل هذا الإقبال المتزايد عليهم». وقال إن المجالس التراثية أو التي يسميها البعض مجالس شعبية أو تراثية، والآخر يسميها (قهوة) باتت مفضلةً ومطلوبةً لدى الكثير من السعوديين؛ رجالاً ونساء. وأكد الحمدان أن الإعلام الجديد أسهم في التعريف بالبنائين السعوديين في هذا المجال، وقال: «أصبحت أعمالي متداولة محلياً وخليجياً؛ وهو ما جعلني معروفاً لدى عشاق التراث في المملكة ودول الخليج، وحتى في عدد من الدول العربية التي يهتم أبناؤها بالتراث العربي القديم». وأشار إلى أن العاملين في هذا المجال من السعوديين يُعدّون على الأصابع.

 

الحِرَفي عبدالله بن سليمان الطريف، من السعوديين العاملين في تنفيذ المباني الطينية القديمة وما في داخلها من أعمال نقش على الجبس و(الكمر) -بضم الكاف-، وهو مكان موقد النار الملاصق للوجار على الحائط، والذي يبنى فيه ما يشبه الرفوف لتصف الأواني الخاصة بالقهوه فيها، ويتم تنفيذه من مادة الجبس، وتعمل بها نقوش جبسية قديمة؛ إذ يعد هذا الركن المنطقة الأهم في أي مجلس تراثي. أكد الطريف أن الطلب على تنفيذ الكمر والنقوش الجبسية يتزايد يوماً بعد يوم من السعوديين؛ فالكل يفضل رائحة الماضي الجميل، وقال: «تتعدد أشكال الكمر وتتطور بحسب رغبة العميل، وتخضع أشكالها أحياناً لمكان تنفيذها من منطقة إلى أخرى؛ فبعض العملاء يفضل أنواعاً بعينها، وديكورات يختارها. كما أن أكثر الطلبات على عمل الكمر هو في منطقة نجد ووسط المملكة ككل، حيث تشتد البرودة في فصل الشتاء».

 

وأضاف: «تختلف الأسعار بحسب نوع النقش والتصميم، وهي تبدأ من 800 ريال وتصل إلى 1500 ريال للمتر، وتتراوح مدة التنفيذ بين يومين و12 يوماً»؛ مشيراً إلى أن أسعار الأعمال التراثية بشكل عام تختلف تبعاً للمساحة ونوع الزخارف الجبسية وغيرها، لكن أصحاب المجالس يركزون عادة على الجودة ودقة التنفيذ.

 

وأكد أن منافسة الحرفيين من غير السعوديين ليست مؤثرة في هذا المجال؛ نظراً إلى جودة أعمال السعوديين وقناعة المواطنين بمهارة السعوديين الذين توارثوا هذه الحرفة عن الآباء والأجداد.

 

وتوقع الطريف أن تشهد الأيام المقبلة إقبالاً متزايداً على هذه الديكورات، خصوصاً مع اقتراب مهرجان الجنادرية الذي تلهم فعالياته الكثيرين بالأفكار المبتكرة حول الموروث الشعبي لدى أبناء المملكة، والذين لا يزال الحنين يشدهم إلى ماضي آبائهم الجميل، ولديهم قناعة بضرورة الحفاظ على إرثهم الحضاري وتراث الأجداد؛ فهو رمزٌ لما عرفوا به من كرم ورجولة وترابط اجتماعي يعتدون به.


 

باب البيت تُحفة تراثية لا يحجبها الزمن

 

الألوان تحكي قصتها في نوافذ البيت العتيقة

 


 

قطع تراثية لإعداد الطعام

 

الدلة والهاون لا يفترقان

 


 

قنديل قديم لإضاءة البيت

 

قطع أثرية قديمة

 


 

أدوات تستخدم في الإضاءة وإشعال المواقد

 


 


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview