النسخة التجريبية   

جدة.. هذه المدينة هي الحياة

مشاهدات: 343 2019/01/20 تعليق: 0

د. هناء حجازي


وُلدت في هذه المدينة. لم أغادرها أبداً سوى في إجازات قصيرة. لذلك؛ فالحديث عنها ليس سهلاً، كما كنت أتخيل. كيف يمكن أن تلخص حياتك في صفحة؟! 

ولدت في مستشفى الولادة الذي تحوَّل إلى مستشفى باب شريف العام، والذي تحوَّل إلى مركز صحي البلد.

أولى ذكريات طفولتي، حارة الهنداوية. وبالتحديد، الجزء الجديد منها، وهو الأقرب إلى ميناء جدة الإسلامي حيث يعمل والدي الذي تعوَّد السير على قدميه يومياً من الشقة التي كنا نسكنها إلى مقر عمله.

الذكرى التي تليها حي البخارية، هكذا كنا نعرفه؛ الحي القريب من سوق اليمنيين أو «اليمنا» -كما كنا نسميه-، حيث سكن جدتي. اختفى اسم الحارة، وانضمت الآن إلى الهنداوية. أتذكر العيد في تلك السوق الشعبية.. صرير المراجيح، وصوت العامل يعلو بفرح وهو يدفع الأرجوحة بيديه، و«هذي الوصاية يا وليد» بعد أن يكون وقتنا قد انتهى، ونستعد للمغادرة.

البلد، هي الذكرى الثالثة؛ حيث كان أبي يأخذنا للتنزه، نطالع واجهات المحال، ونشرب الكاكاو المثلج من محل القهوة في عمارة الملكة، والذي نسيت الآن: هل كان بن الفاروقي أم دارة القهوة؟ تنتهي النزهة بشراء ساندويش الشاورما من المحل الشهير بشارع قابل. ونعود سيراً على الأقدام وسط تحيات المعجبين بلاعب كرة القدم الشهير أبي.

الجزء الآخر من البلد، سوق البدو، باب مكة، الخاسكية، تعرفت عليها مع أمي؛ حيث كانت تذهب للتبضع للوازم الخياطة. أمي الخياطة الماهرة التي كان يعرفها أصحاب محلات النويلاتي ورجب أيوب. هذان المحلان كانا أشهر محلات الخيوط في سوق البلد، وكانت أمي دائمة التردد عليهما، بالإضافة إلى محلات الأقمشة الفاخرة: السقّاف، وبِن صِدّيق وغيرهما. 

في العيد، وبعد زيارتنا لجدتي في الصباح، والاستمتاع بالألعاب الشعبية، نذهب في المساء إلى (لونا بارك) حيث الألعاب أكثر تطوراً، ولا تحتاج إلى دفعٍ باليد. والسهرة في منتزه كيلو عشرة. يتعجب الناس من إقبال أهالي جدة على منتزه النخيل. اعتقادي الشخصي أنه الحنين إلى كيلو عشرة. أجد تشابهاً بين الاثنين، بالقدر الذي تسمح به ذاكرتي الطفولية.

درست الابتدائية في المدرسة الثانية والثلاثين؛ فيلا قديمة كانت تقع بين معرض عبدالله هاشم وقصر عائلة بكر في الهنداوية. لم يعد للمدرسة وجود. لكني ما زلت أتذكر تفاصيل الفيلا والفصول. السلالم التي تشبه سلالم القصور التي نشاهدها في الأفلام المصرية القديمة.

المتوسطة الرابعة، المحطة الثانية في مساري المدرسي. كانت بالقرب من مستشفى دار الشفاء، وهي أقرب إلى الشارع الذي كنت أقطعه في رحلتي الذهاب والإياب. كان كبيراً ومخيفاً بالنسبة لي. حين مررت به قبل سنوات، تعجبت إلى أي حدٍ بدا صغيراً، لكنه لا يزال مزدحماً بالسيارات المسرعة.

الثانوية السادسة كانت في حي الكَندرة. في الطريق من بيتنا إلى المدرسة كنا نمرُّ بدار الحنان؛ المدرسة الأهلية التي كنت أنظر إلى طالباتها وهن يغادرنها، وأشعر أنهن «غير»؛ المريول والوجه المكشوف الذي لم يكن مسموحاً لنا.

تعرَّفت على حي الجامعة حين انتقلت جدتي للسكن في إحدى العمارات الحديثة بالحي؛ حيث كانت تدرس خالتي؛ أول شخص قريب درس في جامعة الملك عبدالعزيز. بعد تخرج خالتي من الجامعة بسنتين التحقت بكلية الطب فيها نفسها، وانتقلنا من الهنداوية إلى حي الفيصلية. كان حياً جديداً في ذلك الوقت، عندما بدأ أهالي جدة بهجر الحارات القديمة. 

أذهب إلى البلد الآن كأي سائح؛ أسير في حارة الشام والمظلوم، وأمر بالخاسكية وباب مكة. أصوّر المنازل القديمة، وأجلس في المقهى الجديد، وأتساءل: حتى متى تستطيع الأماكن مقاومة الإهمال؟! هذه المدينة هي الحياة. • طبيبة وكاتبة


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview