النسخة التجريبية   

متحف الدانات.. تراث منطقة في مكان واحد

مشاهدات: 139 2019/03/06 تعليق: 0

تحقيق: خالد جهاد
تصوير: مهند جمال اليحيى

 

لطالما كانت المتاحف بمختلف أنماطها لسان حال المكان الذي تستوطنه، مترجمةً بمقتنياتها واقعَ ماضٍ تنقله بتجرُّد وموضوعية؛ فتمنح الزائر فرصة التحليق بعيداً مع كل قطعة أثرية يراها، ويتطلع إلى قراءة تفاصيلها. للمتحف في هذا العدد اسم لصيق بتراث المنطقة؛ حيث البحر والغوص واستخراج اللؤلؤ من أعماقه، وفرح الغواص باستخراج حبة لؤلؤ كبيرة (دانة)، فما بالكم إن خرج بدانات. بها شبه صاحب متحف الدانات في الخبر مقتنياته.
 


ففي متحف الدانات في الخبر تجد كل ذلك وأكثر؛ حيث تغوص مع أولى الخطوات في سحر المكان لترحل بعيداً في الزمان، ويزيدك ازدحام المعروضات المتراصَّة شغفاً بالتعرف على كل قطعة، واستكناه ما فيها من إبداع، وما تحمله من أسرار التاريخ.

“أردته أن يكون شاملاً منذ البداية. كنت مهتماً بجمع التراث من مختلف المناطق؛ فكانت النتيجة أن توفر لديَّ الكثير من مناطق كثيرة بل من بلدان أخرى، ولكن كانت أغلب المقتنيات من المنطقة الشرقية بحكم الموقع الجغرافي؛ حيث مكان المتحف”. بهذه الكلمات بدأ عبدالله أحمد فرحان العديني حديثه معنا عند تعريفه للمتحف التراثي الذي يملكه.

 

ويضيف العديني: «أنشأت متحف الدانات في عام 2003م، ولكن حكايتي بدأت قبل أربعة عقود تقريباً؛ إذ وجدت لديَّ ولعاً كبيراً بجمع الآثار، وهو الأمر الذي استطعت تطويره من مجرد هواية تراودني إلى إنشاء متحف على أرض الواقع. قمت في البداية بتخصيص جزء من منزلي في حي الراكة في الخبر، ولكن بعد زيادة الموجودات لم يعد المكان يتسع لكل ما لديَّ؛ فكان الانتقال إلى المكان الحالي في حي الدوحة بالخبر أيضاً. على أن المكان لا يزال يحتاج إلى الكثير من التطوير؛ فلديَّ رغبة لتوسعته».

 

في المتحف تجد مقتنيات ذات قيمة تاريخية كبيرة، يأتي في مقدمتها صك شرعي لأرض صادر قبل قرابة خمسمائة عام، كُتب على ورق الكتان وبخط جميل. وتوجد ملبوسات تراثية نسائية نُسجت يدوياً وبألوان رائعة كجهاز للعروس في منطقة نجد، يعود إلى أكثر من مئة عام، وضع في صندوق خشبي قديم خاص يسمى (المبيت). كما أن هناك الكثير من الأزياء التراثية المتوافرة في المتحف لنفس الحقبة الزمنية تقريباً. وكان لمقتنيات شركة أرامكو حضور لافت في أرجاء المعرض؛ فهناك أجهزة هواتف الشركة المميزة بألوانها وأشكالها، والتي كانت قد وزعتها على سكان المنطقة. وهناك أيضاً خوذة سوداء مصنوعة من الجلد كان يستخدمها غواصو الشركة في بدايات انطلاقتها في ثلاثينيات القرن الماضي، ناهيك عن التلفزيونات الخشبية التي يعود بعضها إلى سبعين سنة بالتزامن مع بداية انطلاقة بث محطة تلفزيون أرامكو من الظهران. واللافت أن بعض تلك الأجهزة كتبت تعليماتها في الخلف باللغة العربية. وتوجد في المعرض لوحات لمركبات أرامكو، وأخرى تخص جهات حكومية. كما يحتفظ العديني بعملات ذهبية كانت تتعامل بها أرامكو سابقاً. مضيفاً: «تميزت أرامكو بعنايتها بالموروث التراثي، وقد أولته اهتماماً مميزاً».

 

ويستقبل المتحف زيارات من طلاب المدارس؛ للتعرف على المعروضات، وخصوصاً التعرف على تاريخ المنطقة الشرقية؛ إذ يوفر لهم المتحف -بعد جولة فيه- جلسةً في قاعة مجهزة بمقاعد لتلقي فكرة وافية عن المعروضات، والإجابة عن أسئلة الزوار واستفساراتهم.

وبما أن المتحف ذو صبغة شرقية؛ فقد كان للبحر وأدواته الكثير من الحضور؛ إذ يجد الزائر الأدوات الكاملة للغوص في الزمن الماضي من شبك صغير وخطام الغواص لأنفه، وحتى مستلزمات الطواش من ميزان اللؤلؤ إلى صناديقه الخشبية الصغيرة التي يستخدمها عادةً، يتوسط كل ذلك مجسم خشبي لسفينة شراعية كتلك التي كانت تستخدم في رحلات الصيد في الخليج، والمصنوعة يدوياً بإتقان وحرفية عالية، علماً بأن مثل هذه النماذج عالية الجودة، وتُصنع بشكل محدود لعوائل الشرقية المعروفة بتاريخها في الغوص، وذلك كإهداء خاص. ويشير العديني إلى أن هذا المجسم يُصنع من جذع شجرة واحدة ككتلة قبل أن يتم نحته للحصول على النموذج النهائي متضمناً أدق التفاصيل التي تكون موجودة في السفينة الحقيقية.

 

 

 

في متحف الدانات يقيم العديني مزاداً كل يوم ثلاثاء يتجمّع فيه عدد من المهتمين بمجال جمع التحف في المنطقة، وعن ذلك يقول: «أهدف من وراء المزاد إلى إيجاد نافذة تجمع مثل هؤلاء الناس في مكان مناسب؛ إذ يتم عرض كل جديد من المقتنيات، وتجرى عمليات بيع وشراء بشكل مستمر، ناهيك عن كونها فرصة لتبادل الأحاديث حول واقع التراث ومستجداته على خلفية الخبرة التي يمتلكها هؤلاء المهتمون بهذا المجال».

 

لم يغفل متحف الدانات بقية الحضارات والثقافات؛ إذ يضم عدداً من الفخاريات والخزفيات من الهند وباكستان، وأطقم طعام تعود إلى مئات السنين، ونماذج حيوانات مصنوعة من الجلد.

 

والمتحف بحق، يمنح تجربة مميزة للزائر بكل ما يضمه من تحف كل منها تكشف حقبة تاريخية مهمة تتيح للمرء فرصة التأمل والإبحار في تاريخ كان يعتقد أنه يعرفه.

 

ويقول العديني: «يمكن للمعروضات أن تمنح الكثير لكل مَن زار المتحف؛ فالزيارة ومشاهدة التحف توثق للزائر وقفات مع التاريخ، وإطلالة عبر الأزمنة؛ فكأن كل تحفة صورة بانورامية للزمن التقطت بكل دقة. وكل ما أريده أن أساهم بطريقتي في رفع الوعي لدى الناس تجاه التراث؛ لأن الأمر في رأيي يستحق كل هذا العناء (يقولها ضاحكاً)».

 

عند بوابة الخروج وضع العديني دراجة نارية عتيقة الطراز لسان حالها يقول: «الزمن لا تتوقف عجلة دورانه مهما تعاقبت الأجيال؛ ففي كل حقبة ما يبهر».

 


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview