النسخة التجريبية   

الحي التراثي المديني.. جمالية التفاصيل وعبق التراث

مشاهدات: 235 2019/03/06 تعليق: 0

تحقيق وتصوير: عبدالعزيز العنزي

ليس غريباً أن يأتي الحي التراثي المديني ضمن المسارات المفضلة للمعالم التراثية التي يقصدها الباحثون والسياح، وأن يُشار إليه كأحد أهم المواقع التي تستحق الزيارة في المدينة المنورة؛ فهو امتدادٌ لتاريخها العريق منذ صدر الإسلام وحتى يومنا هذا.
ولا غرو؛ فأحداث السيرة النبوية والخلافة الراشدة تتجلى في كل جزء منها.

 

المدينة المنورة.. ملامح عامة

تبعد المدينة المنورة نحو 400 كيلومتر عن مكة المكرمة في الاتجاه الشمالي الشرقي، وعلى بُعد نحو 150 كيلومتراً شرق البحر الأحمر. أقرب الموانئ إليها هو ميناء ينبع الذي يقع على بُعد 220 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي منها.

تبلغ مساحة المدينة المنورة نحو 589 كيلومتراً مربعاً، تشغل المنطقة العمرانية 99 كيلومتراً مربعاً منها، أما بقية المساحة فهي خارج المنطقة العمرانية. وتتكون مساحة المدينة من جبال ووديان ومنحدرات سيول وأراضٍ صحراوية وأخرى زراعية، ومقابر وأجزاء من شبكة الطرق السريعة .

عُرفت المدينة المنورة قبل الهجرة النبوية بأكثر من 1500 عام، وكان يطلق عليها اسم (يثرب)، وقد ورد هذا الاسم في القرآن:

(وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً)

ثم اشتهرت بعد الهجرة النبوية الشريفة إليها باسم المدينة المنورة.

 

الحي التراثي.. هوية ودلالة

الحي التراثي المديني واحد من تلك الأماكن المميزة؛ فهو موقعٌ يجسد تراث المدينة المعماري والفلكلوري القديم في المسكن والمظهر والسوق والمكتبة والمقهى. ويتيح معايشة التجربة الاجتماعية المدينية التراثية في قالب ترويجي يحقق الاستدامة ويوفر فرص العمل لأبناء المنطقة في الوقت ذاته، كما يجسّد الهوية الحضارية التراثية والثقافية والاجتماعية لمدينة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.

يضم الحي عناصر مختارة من النسيج العمراني للمدينة، وهو يعبر عن الالتزام بمضمون مفاهيم التراث العمراني للمدينة، كما يشكل مرجعاً للمختصين والمهتمين بالعمارة الثقافية الاجتماعية المدينية، الذين يحرصون على تقديم إبداعات تنبثق من أصالة الماضي وعراقته.

والزائر للحي التراثي في المدينة المنورة، يلاحظ أنه مغاير تماماً للطابع العمراني المعاصر؛ فهو تجسيد للهوية الحضارية والتراثية والثقافية والاجتماعية للمدينة المنورة. وقد تم تطويره كحي نموذجي يحاكي ما كان عليه الحال قديماً في المدينة المنورة، مجسداً للكثير من ملامحها العمرانية الرائعة في أحيائها القديمة، وبيوتها، ورواشينها، وهندسة بنائها التقليدي.

استلهام ذلك الماضي الجمالي، وبعثه من جديد سيسهم -لا شك- في تعزيز مفهوم الانتماء الثقافي للهوية العمرانية التي تميزت بها المدينة المنورة، وسيتيح للأجيال الحالية معايشة وتلمُّس ما كانت عليه حياة الآباء والأجداد في الماضي الجميل.

 

استلهام للطابع العمراني

تم تشييد الحي التراثي المديني برؤية فكرية تتسم بالأصالة، وتقوم على إنشاء حي تراثي للمدينة المنورة يستلهم هويته من تاريخها العمراني والمعماري، ويحافظ على الملامح العمرانية التقليدية والتفاصيل التراثية بكل مفرداتها الدقيقة التي لا تزال راسخة في أذهان القدماء وكبار السن ممَّن عاشوا قبل نصف قرن وأكثر.

 

تفاصيل جمالية متعددة

 

اشتمل التخطيط الفني للحي على نظام للتشغيل، وهو نظام خاص لتنظيم نقاط بيع رئيسية للحرفيين والأسر المنتجة؛ حيث تصطف الدكاكين على جنبات القصبة الرئيسية في الحي، وتضم محال تجارية لبيع الأدوات والملابس الفـلكلورية، والأطعمة الشعبية، والتحف والأواني، والمشغولات الحرفية المنتسبة إلى تراث المدينة. ويهدف مشروع الحي التراثي إلى إحياء روح المدينة المنورة التاريخية؛ فالبيوتات والأسقف تحاكي الماضي في عمارتها، واستُخدمت في عمارتها الخامات البيئية المستعملة في البناء القديم كالطين وجذوع النخل وغيرها.

تحتضن حديقة الملك فهد المركزية بالمدينة المنورة هذا الحي التراثي الذي يشغل مساحة تزيد على 120 ألف متر مربع قابلة للتمدد، بحسب الاحتياج. ويرتكز مخطط المشروع على عدة عناصر مقترحة، أهمها: القصبة الأساسية (شارع العينية)، وفراغات الأبنية المختلفة، والممرات الضيقة متعددة العروض، والمسطحات النخلية (البساتين والحدائق)، والبرك وسواقي المياه، والتي تشمل السواقي والآبار ومضخات المياه ذات الصوت المعروف.

 

كل هذه المكونات حولت الحي التراثي بالمدينة المنورة إلى نقطة جذب للعائلات والزوار، ولا سيما أيام الإجازات، وخصوصاً خلال فصل الصيف، وعطلة نهاية الأسبوع؛ إذ يجد هؤلاء في أفيائه وممراته أصالة الماضي التي تشع من شواهد الفلكلور وعبق التراث.

 

حرف ومهن فلكلـورية

 

 

يجد زائر الحي الكثير من منتجات وأنماط التراث المديني. منها محال العطارة والأواني المنزلية الفخارية، كالزير والجرة من مختلف الأحجام، وكذلك الصحون وقدور الطبخ الفخارية وغيرها الكثير. وهناك الملبوسات والمنسوجات والأحذية القديمة وبعض المشغولات اليدوية التي استعمل في إنتاجها سعف النخيل، والتي طُرزت بأشكال فلكلورية مميزة.

داخل محال الحي يقف الباعة كلٌ يعرض ما أبدعته يد الإبداع من منتجات حرفة صاحبته على مدى عقود، وقد يكون ورثها عن آبائه وأجداده. هنا نجد محال النجارة والحدادة والعطور والهدايا، وبعض المحال التي تتخصص في إعداد الأكلات الشعبية المدينية. إنها بالفعل مشاهد تراثية بانورامية تحاكي البيئة الحجازية المدينية القديمة، وتعيد إلى مَن يراها الماضي بأجوائه الرائعة وذكرياته الجميلة.

بكل ما فيه من جمال وتراث، وحضور طاغٍ لروح المدينة المنورة، كما عرفها التاريخ، يحافظ الحي التراثي المديني على مكانته الفريدة في كونه مصدراً يستلهم منه الزائر تفاصيل التفاصيل لهذا البلد الجميل؛ طيبة الطيبة.


 

 

 

 

 

 

 


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview