النسخة التجريبية   

كارلو نلينو بدأ الحلم.. وابنته ماريا أكملته

مشاهدات: 99 2019/03/06 تعليق: 0

بقلم : هاني نديم


 

يقول المفكر والمستشرق أميلي درمنغام في وصفه للاستشراق: «تقف اللغة العربية حاجزاً هائلاً أمام المستشرقين، وإن اعتقدوا أنهم امتلكوها؛ ذلك لأنها واسعة، حتى على العرب أنفسهم، وأكبر من طاقة ووقت طالب علمٍ من لغة أخرى». إلا أن هذا الكلام لا ينطبق على الإيطالي كارلو نلينو الرحالة والجغرافي الفذّ الذي وصفه صاحب معجم المستشرقين الدكتور عبدالرحمن البدوي بـ«المستشرق الإيطالي العظيم»؛ إذ امتلك ناصية اللغة العربية نحواً وصرفاً؛ لتكون المفتاح الأول له نحو بقية علوم العرب؛ فلم يترك من كتبهم ومخطوطاتهم وعلومهم الموضوعة حرفاً واحداً؛ فتمكّن من الجغرافيا والحساب والفلسفة والفقه وعلوم اللغة والتاريخ العربي بشكلٍ لم يتأتَ لأحد المستشرقين ممَّن تقدموه أو تأخروا عنه؛ حتى أصبحت له الكلمة العليا والقول الفصل -بحسب وصف الكاتب اللبناني يوسف الخوري-.

 

لقد سُحر كارلو نلينو Carlo Nallino بالثقافة العربية وعلومها، وأولع أيما ولع بلغتها؛ فكتب لأحد زملائه ذات يوم: “لا أريد أن يغريني شيءٌ على الخروج من دراسة العرب وحدهم إلى دراسة أخرى، ولكني أريد أن أعرف عن العرب كل شيء”. فمَن هو كارلو نلينو الذي أحب العرب وأورث هذا الحب لابنته ماريا التي سارت على نهجه وخطاه؟ وما سبب ولعه بالمملكة العربية السعودية؟ ومن أين ابتدأ، وكيف انتهى؟

من رسم الخرائط إلى قطعها

يقول نلينو: «إن شغف السفر والترحال يُولد مع المرء، وينمو مع الوقت، ومع ما يكتسبه من آداب وقراءات». في سيرته نجد ما يترجم تلك المقولة؛ فقد ولد في مدينة تورينو عام 1872م، وشغف بالخرائط وعلوم تقويم البلدان وهو في الابتدائية، وانكب منذ ذلك الوقت على قراءة أدب الرحلات وغرائب الأسفار محدثاً نفسه أنه سيكتفي بذلك إلى أن يشتد عوده ويكمل مناهجه الأكاديمية ليسافر في البلاد، عرضها وطولها؛ الأمر الذي كان حافزاً له؛ فأبدع في الدراسة وتقصَّى آثار مَن سبقوه؛ فكتب وهو لم يتجاوز ثمانية عشر عاماً من عمره مبحثه الجغرافي الأول (قياس الجغرافيين العرب لخطوط الزوال)، ووضع أول خريطة بيده لأواسط أفريقيا ومجاهلها معتمداً على الكثير من المراجع والرحَّالة، ولم يكن بلغ الثالثة والعشرين من عمره بعد. كما عُهد إليه من جامعته بأن ينشر ويترجم ويحقق مخطوط (الزيج) للفلكي العربي الكبير (البتاني)، وهو على مقاعد الدراسة.

ومع التوسع في علم الخرائط كان لا بد لكارلو من أن يلامس ثقافة العرب وخرائطهم الأولى؛ فقرر أن يتعلم اللغة العربية وهو المولع باللغات ولعه بالجغرافيا؛ فعكف على دراستها في مجموعة عربية وقعت له في مكتبة بلدية أوديني، حتى أهداه أبوه أستاذ الكيمياء المشهور (أجرومية العربية الدارجة) التي ألفها جوزيه سابيتو الرحالة الإيطالي المعروف بعد رحلات موسَّعة إلى بلاد الحبشة والمستعمرات الإيطالية العربية. هذا الكتاب كان نافذة كارلو إلى العربية الفصيحة التي سرعان ما امتاز بها امتيازاً حيّر العرب أنفسهم. وفي هذا السياق تحدث الأستاذ يوسف الخوري في مجلة الرسالة عام 1950م عن زيارة كارلو لمجلة الهلال الشهيرة؛ إذ قال: «في يوم صافي الأديم من عام 1909م أطلّ على إدارة مجلة الهلال الزاهرة، إحدى أمهات المجلات العربية في مصر، شابٌ إيطاليٌ حسن الهندام وسيم المحيا يشع من عينيه بريق الذكاء، وتنم على رزانته لحية شقراء تعبث بها أصابع أرستقراطية. وما إن وقف بباب غرفة رئيس التحرير حتى رفع قبعته مسلّماً وانحنى بتأدب محيياً بعبارة عربية لا عجمة فيها ولا لكنة، هي: السلام عليكم يا سادتي الكرام. وما إن سمع الحاضرون هذه التحية العربية الخالصة حتى تولتهم الدهشة ووقفوا إجلالاً لها ولملقيها وهم يكادون لا يصدقون أنهم أمام أجنبي ينطق بلسانهم بفصاحة العرب الأقحاح. لم يكن هذا الزائر الشاب المتكلم بالعربية كأحد أبنائها سوى الأستاذ كارلو نلينو الذي أمّ القاهرة بطلب من الجامعة المصرية لكي يدرس فيها باللغة العربية تاريخ علم الفلك عند العرب».

 

إلى المملكة.. الحلم والمبتغى

مع تكرر زيارات كارلو إلى مصر وشمال أفريقيا وازدياد شهرته وذياع صيته، انتخب عضواً في الجمعية الملكية الآسيوية في لندن والجمعية العلمية الألمانية، إضافة إلى عضويته في الجمعية الملكية المصرية وعضويته العاملة في مجمعي اللغة العربية بدمشق وبغداد. في سنة 1938م قصد المملكة العربية السعودية التي طالما حلم أن يزورها بعدما كتب عنها أبحاثاً عدة دون أن يتصل بها ويراها رأي العين، خصوصاً أنه كان آنذاك يرأس تحرير مجلة (الدراسات الشرقية) التي تصدرها جامعة روما، وحطَّ كارلو رحاله في المملكة التي استقبل فيها بالإكرام والإجلال وطاف بها من العقبة حتى الطائف تصحبه ابنته ماريا التي ستتولى لاحقاً نشر ما لم يسعف الوقت أباها من أجل نشره، وتمت له في هذه الرحلة أمنيةٌ طالما راودته؛ إذ عاش أوصاف البلاد دون أن يحياها، وتعلم لهجتها ولغتها قبل أن يحدث أهلها. ولشغفه بالبداوة والصحارى؛ عاش بين البدو، واطّلع على عاداتهم، وسمع أشعارهم ومروياتهم، وسجل ملاحظاته الدقيقة كعادته.

وأقام كارلو زمناً في مدينة جدة استطاع فيه أن يزور جبال تهامة والطائف برفقة ابنته ماريا، واستطاع في هذه الرحلة مقابلة الملك سعود بن عبدالعزيز -رحمه الله-، واتصل بشخصيات أخرى، واستطاع أن يدرس عن قرب الكثير عن هذه البلاد من كل نواحيها. وقد بدأ في تدوين بحثه عن هذه الرحلة في كتاب ضمَّنه رحلته من جدة إلى ما بعد الطائف إلا أنه توفي قبل أن يُتم القسمين الثاني والثالث الخاصين بالحياة الثقافية في الحجاز وجدة وما حولها، ورحلته من جدة إلى ما بعد الطائف؛ لتتولى مهمة إكمالهما ابنته ماريا التي سيذيع صيتها لاحقاً كمستشرقة وباحثة في علوم الشعر العربي، وتاريخ المملكة العربية السعودية خاصة.

 

ماريا والنابغة الجعدي

مع زيارتها الأولى إلى المملكة برفقة أبيها، استحوذت هذه البلاد على حب واهتمام ماريا العلمي، وشغفت بتفاصيل البادية وما رأته عيناها من كرم وشهامة ودقة في العرف الاجتماعي، بحسب وصفها. ماريا التي تولاها أبوها وهي طفلة بالمتابعة العلمية، استلهمت منه حب الشرق والعرب، وحققت مقالاته التي كان ينشرها بشكل دوري. ومثل أبيها تمكنت من اللغة العربية حتى أنها نالت الدكتوراة في الآداب عن (النابغة الجعدي)، إضافةً إلى ما تركته من كتب في تحقيق الشعر العربي مثل (مختلف طبعات جمهرة أشعار العرب)، وما قامت به من ترجمة للمعلقات.

بعد وفاة والدها عكفت ماريا على إنجاز مؤلفات أبيها التي لم تنشر؛ فطبعت عام 1939م (مجموعة مؤلفات نلينو المنشورة وغير المنشورة) تحت إشراف (معهد الشرق). وكان القسم الأول منه قد كتبه كارلو نفسه. أما القسمان الثاني والثالث فقد حررتهما ماريّا؛ اعتماداً على ملاحظات ويوميات والدها، مقدمةً إلى المكتبة الأوروبية ومراكز البحوث الاستشراقية منجزاً علمياً لا يمكن تجاوزه.


التعليقات


الاسم:
البريد الإلكتروني:
الموضوع:
التعليق:


أرسل إلى صديق

البريد الإلكتروني لصديقك
بريدك الإلكتروني
الموضوع
الرسالة
Planar Client Options
Layout Style
  • Wide
  • Boxed
Theme Preview